أشباه الموصلات (Semiconductors) هي مواد صلبة مثل السيليكون، وتمتلك خصائص توصيل كهربائي متوسطة تتيح التحكم الدقيق في تدفق التيار لتشغيل الرقائق الإلكترونية، فلا يجب عدها مواد ذات توصيل جيد على غرار النحاس، ولا هي مواد عازلة تمامًا مثل الخشب.
وفي هذا المقال نشرح لك ما أشباه الموصلات وكيف يعمل؟ ولماذا تُسمى بالنفط الجديد، وكيف يؤدي نقص أنواع أشباه الموصلات المختلفة إلى أزمات كبرى.
لماذا تسمى أشباه الموصلات نفط القرن 21؟
يعود ذلك لكونها العصب الحيوي والمحرك الأساس لقطاع التكنولوجيا الحديثة عالميًّا. وتتصدر تايوان والولايات المتحدة قائمة الدول التي تصنع أشباه الموصلات، في حين يبحث العلماء حاليًّا عن بدائل السيليكون، مثل الجرافين، لتطوير صناعة أشباه الموصلات وتقليل تأثير إنتاج الرقائق على البيئة.
وبفضل خصائص أشباه الموصلات الفريدة، يمكن التحكم في تدفق التيار عبرها بدقة كبيرة، وهو ما يعد أساسًا لمعظم الصناعات التقنية الحديثة ولعمل الرقائق الإلكترونية، ولذلك يُطلق عليها نفط القرن الحادي والعشرين؛ لأنها العصب الحيوي للتكنولوجيا.
كيف بدأت قصة أشباه الموصلات؟
تستحق أشباه الموصلات أن تحصل على بطولة فيلم سينمائي أو رواية واقعية؛ فقد بدأت الحكاية في أثناء البحث عن حل لمشكلات الحجم والحرارة في الأجهزة الإلكترونية القديمة، ثم مرت القصة بالمحطات التالية:
- عصر الأنابيب المفرغة: في البداية كان الاعتماد على الأنابيب المفرغة في الراديوهات والحواسيب القديمة، وهي الأنابيب ذات الحجم الكبير والاستهلاك العالي للطاقة والحرارة المرتفعة والأعطال المستمرة.
- ولادة الترانزستور: عند التساؤل: من مخترع أشباه الموصلات؟ والتقنية الحديثة لها، نعود عام 1947، حيث نجح علماء أمريكيون (شوكلي، باردين، وبراتين) في اكتشاف مادة الجرمانيوم التي يمكنها العمل بدلًا من الأنابيب المفرغة بحجم أصغر آلاف المرات. ومن بعدها تم اكتشاف السيليكون، وهو ما أدى إلى اختراع الترانزستور (Transistor) الذي يمرر الكهرباء ويقطعها بسهولة مذهلة.
- الدائرة المتكاملة: المحطة التالية كانت عام 1958، عندما نجح علماء آخرون في دمج مجموعة من الترانزستورات على شريحة واحدة، وعُرفت هذه الشريحة بالرقاقة أو الدائرة المتكاملة، ثم بدأت الدول تتنافس في تصغيرها بصورة مذهلة وزيادة كفاءتها مع الوقت اعتمادًا على أشباه الموصلات.
- وادي السيليكون: في ستينيات القرن الماضي بدأ الاتجاه إلى السيليكون بسبب تكلفته الرخيصة، بالإضافة إلى قدرته على تحمل الحرارة، وتأسست مجموعة من الشركات في وادي السيليكون (Silicon Valley) تصنع الترانزستورات على شريحة واحدة، وهو ما ساعد على ظهور عدد كبير من الاختراعات والتقنيات الحديثة، ومنها الحاسبات والهواتف والأقمار الصناعية.

لماذا يطلق على أشباه الموصلات نفط القرن الحادي والعشرين؟
لفهم ما هو قطاع أشباه الموصلات؟ يجب أن ندرك أنه كما كان النفط هو السلعة الاستراتيجية الأولى في القرن العشرين، فإن صناعة أشباه الموصلات هي السلع الأكثر استراتيجية في القرن الجديد، وتجيب عن: لماذا تسمى أشباه الموصلات نفط القرن 21؟ للأسباب التالية:
- العصب الحيوي للتكنولوجيا: لا شك أن أشباه الموصلات هي العنصر الأهم في الصناعات التكنولوجية الحديثة، ومن دونها لا يمكن أن تعمل السيارات الكهربائية والهواتف الذكية والصواريخ الموجهة وغيرها.
- المحرك الاقتصادي: بنفس أهمية النفط في الثورة الصناعية، تأتي أشباه الموصلات في هذا القرن لتحرك الاقتصاد العالمي، لتصبح العنصر الأهم في تغذية الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
- الصراع الجيوسياسي: بطبيعة الحال، كلما كان العنصر استراتيجيًا ومهمًا في تحقيق التفوق التقني، فإنه يصبح محورًا للصراع بين الدول الكبرى في العالم. وحينئذ يبرز دور الدول التي تصنع أشباه الموصلات؟ مثل تايوان والولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية في قيادة هذا الصراع.
- الأمن القومي: كل أنظمة الدفاع والتشفير والأقمار الصناعية الموجودة في العالم تعمل بتقنية الرقائق التي تقوم على أشباه الموصلات، لذا فإن أي نقص في تلك المواد قد يؤدي إلى شلل كامل للدولة، كما يحدث تمامًا في أزمة الوقود الكبرى.
بصفتي مراقبًا ومحللًا للتحولات الاقتصادية، أرى أن حرب الرقائق الحالية بين أمريكا والصين هي التجسيد الحقيقي لمقولة نفط القرن 21. الخطر الأكبر لا يكمن في ابتكار التكنولوجيا، بل في احتكار التصنيع. شركة واحدة فقط في تايوان (TSMC) تنتج أكثر من 60% من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم! أي تعطل في سلاسل الإمداد هناك -سواء لسبب سياسي أو بيئي- سيعني توقف مصانع السيارات، وارتفاع أسعار الهواتف، وشللًا في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عالميًّا. الاستثمار في هذا القطاع هو استثمار في السيادة الوطنية.
كيف يؤثر إنتاج كميات كبيرة من أشباه الموصلات على البيئة؟
على الرغم من روعة أشباه الموصلات والفارق الكبير الذي قدمته في الصناعات الإلكترونية؛ فإن الجانب المظلم لهذه الصناعة هو تأثير إنتاج الرقائق على البيئة الذي يتمثل في المحاور التالية:

استهلاك المياه
- تحتاج صناعة أشباه الموصلات، أو بالتحديد الرقائق، إلى كميات هائلة من المياه النقية.
- قد يستهلك مصنع واحد لإنتاج الرقائق نحو 10 ملايين لتر يوميًا، وهي الكمية التي تكفي عدة قرى أو مدينة صغيرة.
- وفعلًا، بدأت بوادر مشكلات تأثير إنتاج الرقائق على بعض البلدان التي تعاني من قلة المياه، ومنها تايوان.
البصمة الكربونية
- تحتاج الرقائق في عملية تصنيعها إلى كمية هائلة من الطاقة، فتعمل أفران التصنيع على مدار الساعة دون توقف.
- يؤدي الأمر إلى كميات هائلة من الانبعاثات الكربونية، كما تُستخدم غازات مفلورة في إحدى مراحل التصنيع تعد أقوى بآلاف المرات من ثاني أكسيد الكربون.
النفايات الكيميائية
- تستخدم مجموعة كبيرة من المذيبات والأحماض والمعادن الثقيلة في عملية إنتاج الرقائق التي يعد معظمها سامًّا مثل الرصاص والزرنيخ.
- يمثل هذا الأمر خطرًا كبيرًا على التربة والمياه الجوفية المحيطة بالمصانع، ويصعب التعامل معها.
النفايات الإلكترونية
- يتم الاستغناء عن الأجهزة القديمة في وقت قصير.
- هذا التراكم السريع للرقائق القديمة التي يصعب إعادة تدويرها يصل إلى ملايين الأطنان من النفايات الإلكترونية السامة.
ما البدائل القادمة بعد أشباه الموصلات؟
كما تعودنا، لا يقف الأمر عند نقطة واحدة، وإنما يتقدم العلم وتظهر تقنيات بديلة، وهو ما يجعل العلماء في تلك المرحلة يعكفون على صناعة بدائل السيليكون الثورية، ومنها ما يلي:
- الجرافين (Graphene): طبقة من ذرات الكربون أقوى من الفولاذ، وأفضل توصيلًا للكهرباء والحرارة من أي مادة أخرى. يسمح الجرافين بمرور الإلكترونات بسرعة ويتفوق على السيليكون بعشرات المرات، ما يسمح للأجهزة أن تعمل بسرعة دون استهلاك يذكر للطاقة.
- الحوسبة الكمومية: تكنولوجيا جديدة لتكون بديلًا عن استخدام الترانزستورات التقليدية، تستطيع حل المشكلات الرياضية المعقدة في دقائق معدودة.
- الحوسبة العصبية: تقوم على صناعة رقائق متطورة تحاكي بنية الدماغ البشري وتعالج البيانات بكفاءة عالية مع استهلاك ضئيل للطاقة.
- الرقائق البيولوجية: استخدام جزيئات من الحمض النووي (DNA) من أجل تخزين البيانات ومعالجتها بشكل يسمح بأن تدوم لآلاف السنين.

ما أبرز الدول التي تصنع أشباه الموصلات في العالم؟
تسيطر مجموعة قليلة من الدول على هذه الصناعة المعقدة؛ تتصدرها تايوان (بفضل شركة TSMC)، تليها كوريا الجنوبية (مثل سامسونج)، والولايات المتحدة الأمريكية (مثل إنتل)، ثم الصين واليابان وهولندا التي تحتكر تصنيع الآلات الدقيقة لطباعة الرقائق.
في الختام، أصبحت أشباه الموصلات و الرقائق الإلكترونية هي المحدد الرئيسي لمدى تقدم الأمم وازدهارها. فبفضل فهم ما هو قطاع أشباه الموصلات، ندرك حجم التحديات الاقتصادية والبيئية التي يفرضها تأثير إنتاج الرقائق على البيئة. وسواء بقي السيليكون مسيطرًا، أو حلت بدائل السيليكون مثل الجرافين مكانه، ستبقى هذه الصناعة هي المحرك الأقوى لثورتنا التقنية.
شاركونا في التعليقات: هل تعتقدون أن الدول العربية قادرة مستقبلًا على دخول سباق تصنيع الرقائق الإلكترونية؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.