RISC-V لم تصبح بعد بديلًا كاملًا لمعمارية x86 وArm في الحواسيب والهواتف، لكنها تتفوق فعلًا في الأنظمة المدمجة وإنترنت الأشياء والسيارات، بفضل انفتاحها وقابليتها للتخصيص وانخفاض تكلفة الترخيص، ما يجعلها منافسًا استراتيجيًا متناميًا في صناعة أشباه الموصلات.
بناءً على معطيات سوق أشباه الموصلات في الوقت الحالي، يمكن القول إن معمارية RISC-V مفتوحة المصدر أصبحت منافسًا تجاريًا وجيوسياسيًا شرسًا، لكنها لم تصبح بعد البديل الكامل لمعالجات x86 وArm في الحواسيب الشخصية والهواتف، وإنما تسيطر على قطاعات أخرى لأنها ما زالت غير مدعومة بالكامل من بعض أنظمة التشغيل الكبرى مثل Windows، بالإضافة إلى طبيعتها المفتوحة التي تسمح لكل شركة بإضافة امتدادات مخصصة.
وفي هذا المقال نوضح لك لماذا تعد RISC-V البديل المستقبلي لمعالجات x86 وArm، وكيف تحولت من مشروع أكاديمي إلى سلاح استراتيجي في الحرب التجارية، وكيف تغير RISC-V قواعد اللعبة الاقتصادية للشركات، وأين تنتصر RISC-V حاليًا بشكل ساحق وبعيدًا عن الأعين.
نبذة عن RISC-V الدولية
هي منظمة عالمية غير ربحية مقرها سويسرا، تتولى إدارة وتطوير معمارية RISC-V وتحديد معاييرها القياسية، وتجمع مئات الشركات التقنية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية في أنحاء العالم.
ما هي معمارية RISC-V ولماذا تعد البديل المستقبلي لـx86 وArm؟
معمارية RISC-V أو (ريسك فايف) هي معمارية معالجات مفتوحة المصدر وحرة تعتمد على الحوسبة ونظام مجموعة التعليمات المختصرة، وقد تم تطويرها في عام 2010 داخل جامعة كاليفورنيا بهدف إنشاء معمارية نظيفة وبسيطة وقابلة للتخصيص بالكامل دون قيود قانونية أو تجارية، وتعد المنافس الحقيقي والبديل المستقبلي لـx86 وArm للأسباب التالية:
- حرية الاستخدام: حين تحتاج الشركات إلى دفع ملايين الدولارات عند تصميم معالج يعتمد على معمارية Arm كرسوم ترخيص، فإن معمارية RISC-V حرة ومفتوحة المصدر بالكامل، ويمكن لأي شركة تصميم معالجها الخاص دون دفع سنت واحد.
- الملاذ الآمن: مع الحروب الجيوسياسية والعقوبات التي تمنع الشركات البريطانية والأمريكية من تزويد شركات أو دول معينة بالتحديثات والتصاميم، فإن معمارية RISC-V تعد ملاذًا آمنًا للجميع، لأن مقر المنظمة الرئيس في سويسرا والكود مفتوح المصدر للجميع، وبذلك لا يمكن فرض عقوبات تمنع أحدًا من استخدامها.
- مرونة التخصيص: حين تأتي المعالجات الأخرى بتعليمات ثابتة وضخمة لا يمكن للمطور تعديلها، تأتي معمارية RISC-V بتصميم قاعدي يمنح المطور النواة الأساسية البسيطة جدًا، وتسمح له بإضافة الامتدادات المخصصة، وهو ما أدى إلى قيام شركات كبرى مثل (ميتا وجوجل) ببناء شرائح مراكز بيانات باستخدام RISC-V.
- كفاءة استهلاك الطاقة: بينما تعاني المعالجات التقليدية من استهلاك الطاقة الضخم وتوليد الحرارة العالي، تم تصميم RISC-V لتتخلص من جميع (الديون التقنية) والتعليمات القديمة غير المستخدمة، وتأتي بحجم فيزيائي أصغر بكثير، وتقدم كفاءة طاقة استثنائية وأداء أسرع.
- الهروب من الاحتكار: معظم الشركات والمطورين يبحثون عن الحرية بعيدًا عن قرارات شركات المعالجات وتغييرات أسعار التراخيص، ومع RISC-V هناك مئات الشركات التي تبيع تصاميم جاهزة ومختلفة، حيث يمكن الانتقال بين الشركات وبين التصاميم أو حتى بناء فريق خاص لتصميم الشريحة محليًا.

كيف تحولت RISC-V من مشروع أكاديمي إلى سلاح إستراتيجي؟
فعلًا تحولت معمارية RISC-V من مشروع بحثي في مختبرات جامعة بيركلي الأمريكية عام 2010 إلى أحد أهم الأسلحة الإستراتيجية في الحرب التجارية التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما كان نتيجة تقاطع الهندسة مع المصالح الجيوسياسية بواسطة المحطات الرئيسة التالية:
- الهروب الجغرافي: مع تصاعد العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية في عام 2019، أدركت منظمة RISC-V أن القوانين قد تجبر الشركات الأمريكية على قطع الدعم عن الشركات الأجنبية، فاتخذت قرارًا تاريخيًا بنقل مقرها القانوني من أمريكا إلى سويسرا عام 2020 للتحصن بالحياد السويسري.
- الصين تتبنى RISC-V: بعدما كانت الصين تعتمد تاريخيًا على معمارية x86 الأمريكية ومعمارية Arm التي تخضع لقوانين التصدير الغربية، تحولت RISC-V إلى العمود الفقري لخطة الصين للاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات، حيث ضخت الحكومة الصينية مليارات الدولارات لدعم الشركات والجامعات المحلية لبناء معالجات RISC-V.
- مظلة تأمين استراتيجية: رغم أن الولايات المتحدة فرضت قيودًا صارمة لمنع تصدير الرقائق الذكية إلى الصين، ظلت RISC-V تمثل مظلة تأمين استراتيجية للصين لتتمكن من بناء معالجات ذكاء اصطناعي خارقة ومخصصة داخليًا، نظرًا لكونها مفتوحة المصدر وبذلك لا يمكن لأمريكا حظر الأفكار أو الأكواد المتاحة للعامة على الإنترنت.
- محاولات الحظر: مع رغبة أمريكا في فرض قيود تمنع الشركات الأمريكية من التعاون مع الشركات الصينية في تطوير مشروعات RISC-V، واجهت مشكلة كبيرة؛ فإذا منعت شركاتها من المساهمة فيها، ستستمر الصين والدول الأخرى في تطويرها بشكل منفرد، مما يؤدي إلى عزل قطاع التكنولوجيا الأمريكي وخسارته ريادة هذا النظام الصاعد.
كيف تغير RISC-V قواعد اللعبة الاقتصادية للشركات؟
تغير RISC-V قواعد اللعبة الاقتصادية للشركات جذريًا لأنها تقلب النموذج التجاري التقليدي لصناعة الرقائق الإلكترونية رأسًا على عقب وتجبر الشركات على إعادة التفكير بـ 4 تحولات استراتيجية كالتالي:
1. تصفير تكلفة الترخيص
كان النموذج التقليدي يتطلب ملايين الدولارات مقدمًا وعمل عقود لمنح الشركات حق الوصول إلى التصاميم بالإضافة إلى نسبة مئوية عن كل شريحة تُباع لاحقًا. أما مع RISC-V، فإن تكلفة الترخيص الأساسية هي صفر دولار، وتستطيع أي شركة ناشئة بميزانية محدودة تحميل المعمارية والبدء في هندسة رقاقة خاصة بها فورًا، وهو ما ينقل الميزانيات الضخمة من بند شراء التصاريح إلى بند الابتكار والتوظيف الفعلي وتطوير المنتج.
2. التخصيص الرأسي لخفض التكلفة
بينما كانت الشركات مقيدة بشراء معالجات جاهزة تحتوي على آلاف الميزات والتعليمات البرمجية الزائدة التي قد لا تحتاجها، وبذلك ترتفع أحجام الرقاقات وتكلفتها واستهلاكها للطاقة، جاءت RISC-V لتتبع أسلوب المعمارية التجميعية التي تعتمد على عمل كل شركة لتصميم مفصل حسب أغراضها وأهدافها، وهو ما يقلل من مساحة السيليكون في الشريحة وبذلك يخفض تكلفة التصنيع الإجمالية بنسبة تتراوح بين 15% و30%.
3. التحرر من فخ المورد الواحد
المشكلة الكبيرة التي عانت منها معظم الشركات هي أنه إذا بنت نظامها البيئي بالاعتماد على معالجات معينة، فإنها مضطرة للارتباط بها وبالأسعار التي تتغير وبالسياسات والقرارات المفاجئة، وبذلك تصبح رهينة لها أو تتحمل تكلفة باهظة للتعويض. أما مع RISC-V، فإن المعيار عالمي وقياسي وليس ملك شركة واحدة، وعلى هذا إذا لم تعجب الشركة الأسعار أو السياسة، يمكنها أخذ كود الشريحة والانتقال إلى شركة أخرى أو حتى إتمام التطوير داخليًّا.
4. تقليص الوقت اللازم للوصول للسوق
قديمًا كانت المفاوضات القانونية وتوقيع العقود وحقوق الملكية الفكرية مع الشركات الاحتكارية تستغرق أشهرًا طويلة قبل أن تبدأ الشركة في كتابة سطر كود واحد للرقاقة. أما مع RISC-V وطبيعتها مفتوحة المصدر، فيوجد مجتمع عالمي هائل يضم آلاف المطورين والشركات التي تشارك تصاميم ومكتبات برمجية جاهزة ومجانية، وبذلك تستطيع الشركات استخدام هذه اللبنات الجاهزة لتسريع وتيرة البحث والتطوير، وعلى هذا طرح منتجاتها وتحديثاتها في الأسواق خلال نصف الوقت المعتاد.
أين تنتصر RISC-V اليوم بشكل ساحق وبعيدًا عن الأعين؟
بالفعل هناك ميدان تنتصر فيه معمارية RISC-V بشكل ساحق وبأرقام شحن تتجاوز المليارات سنويًا بعيدًا عن أعين مستخدمي الهواتف والحواسب التقليديين، وهو ميدان الأنظمة المدمجة والمتحكمات الثانوية الخفية، وهو ما يمكن تحديده في 3 قطاعات رئيسية كالتالي:
1. المتحكمات الخفية في الأجهزة اليومية
- في هواتف الآيفون والأندرويد الحديثة توجد شرائح RISC-V صغيرة جدًا تعمل في الخلفية للتحكم في مستشعرات الكاميرا وتشفير البصمة والشحن الذكي.
- مئات الملايين من متحكمات أقراص التخزين تحولت بالكامل إلى RISC-V كمعالجات صغيرة تدير حركة قراءة وكتابة البيانات وتوزيعها داخل القرص.
- تستخدم شركة إنفيديا معالجات RISC-V مدمجة داخل بطاقات الشاشة الخاصة بها كمتحكمات أمنية وإدارية داخلية.
2. قطاع السيارات الذكية والكهربائية
- لأن السيارات الحديثة تحولت إلى مراكز بيانات تسير على عجلات، تحتاج السيارة إلى نحو 100 متحكم دقيق لإدارة وظائف مستقلة، وهو ما يعطي الفرصة لـ RISC-V.
- تُستخدم في إدارة مكابح المانع للانغلاق، وأنظمة التكييف الذكي، وحساسات الرادار، ووسائل الأمان الهوائية.
- أسست شركات السيارات وأشباه الموصلات الكبرى شركة مشتركة لدفع معمارية RISC-V لتصبح المعيار الموحد والأساسي لرقائق السيارات العالمية بهدف الهروب من رسوم التراخيص الباهظة.
3. إنترنت الأشياء والأجهزة القابلة للارتداء
- هناك أيضًا عالم الساعات الذكية وأجهزة استشعار المصانع وأدوات المنزل الذكي والعدادات الذكية وأجهزة التلفاز والمستشعرات الطبية.
- كل هذه الأجهزة لا تحتاج إلى تشغيل نظام تشغيل معقد مثل Windows، وإنما تحتاج فقط إلى معالجة أوامر بسيطة جدًا بأقل استهلاك ممكن للبطارية وبتكلفة تصنيع لا تتعدى سنتات قليلة.
- هنا تتفوق RISC-V تجاريًا وتقدم معالجات متناهية الصغر تمنح الشركات حرية إلغاء رسوم الملكية الفكرية، وهو ما يمكنها من بيع مليارات الأجهزة الرخيصة والمترابطة عالميًا.

ما هي تقنية RISC-V؟
هي معمارية مجموعة تعليمات (ISA) مفتوحة المصدر وحرة لبناء المعالجات، تتيح للمطورين والشركات تصميم معالجات مخصصة وتصنيعها بحرية كاملة دون تكاليف ترخيص.
هل نظام RISC-V جيد؟
نعم، يمتلك تقييمًا ممتازًا بفضل كفاءته العالية في استهلاك الطاقة، ومرونته الكبيرة في التخصيص، وتكلفتها المنخفضة، واستقلاليته عن احتكار الشركات الكبرى.
ما هو معالج RISC؟
هو معالج يستند إلى معمارية حوسبة مجموعة التعليمات المختصرة، ويعتمد على تنفيذ أوامر بسيطة ومحدودة بسرعة وكفاءة عالية في الطاقة مقارنة بالمعالجات المعقدة.
هل برنامج risc-v مجاني الاستخدام؟
نعم، مواصفات ومعمارية RISC-V مجانية ومفتوحة المصدر بالكامل، ويمكن لأي جهة استخدامها وتعديلها وبناء شرائح إلكترونية بناءً عليها دون دفع أي رسوم ترخيص أو ملكية فكرية.
في ختام رحلتنا للتعرف على معمارية RISC-V ومدى قدرتها على زحزحة هيمنة معالجات x86 وArm، يتضح لنا جليًا أن صناعة أشباه الموصلات تمر بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجية شاملة. إن RISC-V لم تعد فكرة برمجية أكاديمية نابعة من أروقة الجامعة، بل أصبحت المحرك الأساسي لثورة التقنيات المدمجة والسلاح الأكثر تحصينًا في الحروب الجيوسياسية والتكنولوجية اليوم.
وعلى الرغم من أن معركة السيطرة على أجهزة الحواسيب والهواتف الذكية قد تتطلب مزيدًا من الوقت لنضج النظام البيئي للبرمجيات ودعم أنظمة التشغيل، فإن الانتشار الخفي والساحق لـ RISC-V في مليارات الأجهزة الإلكترونية يؤكد أنها مسألة وقت فقط قبل أن تعيد رسم الخارطة الرقمية بالكامل.
نتمنى أن نكون قد قدمنا لك نظرة تفصيلية وممتعة تضعك في قلب التحولات التقنية العالمية. ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات: هل تتوقع أن نرى حواسيبنا وهواتفنا القادمة تدار بالكامل بواسطة معالجات RISC-V في القريب العاجل؟ ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعم المعرفة والتوعية التقنية الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.