ما هو Carbon Aware Computing وكيف يغير مستقبل الحوسبة الخضراء؟

تعمل الحوسبة المدركة للكربون على خفض الانبعاثات عبر جدولة المهام المرنة أو نقلها إلى مراكز بيانات تستخدم كهرباء أقل كثافة في الكربون، بدلًا من تشغيلها فورًا بغض النظر عن مصدر الطاقة. ويمكن أن يتراوح خفض الانبعاثات التشغيلية بين 10% و40%، مع وصول بعض البيئات التجريبية إلى 85%، بينما قد تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى زيادة محدودة في زمن الاستجابة، ما يجعلها أكثر ملاءمة للمهام غير العاجلة مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات والأرشفة.

تُعد «Carbon Aware Computing» وترجمتها «الحوسبة المراعية للكربون» نهجًا حديثًا في تكنولوجيا المعلومات يهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل مراكز البيانات والبرمجيات، ويعتمد هذا المفهوم على ضبط استهلاك الطاقة بناءً على توفر الطاقة المتجددة والنظيفة في شبكة الكهرباء في وقت ومكان محددين.

وفي هذا المقال نشرح لك ما هو «Carbon Aware Computing»، وما الفرق بين كفاءة الطاقة ومراعاة الكربون، وكيف تؤثر الحوسبة المراعية للكربون على تجربة المستخدم، وما الحوافز التي تجعل الشركات تتبنى هذه التقنيات؟

ما هي الحوسبة المراعية للكربون؟

الحوسبة المراعية للكربون («Carbon Aware Computing») هي نهج تقني وبرمجي يهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل البرمجيات ومراكز البيانات، وذلك عبر توجيه استهلاك الطاقة ليتوافق زمانيًا ومكانيًا مع فترات توفر الطاقة المتجددة والنظيفة في شبكة الكهرباء.

تعتمد هذه التقنية على المبدأ التشغيلي «افعل المزيد عندما تكون الكهرباء نظيفة، وافعل الأقل عندما تكون الكهرباء ملوثة».

كيف تعمل الحوسبة المراعية للكربون؟

تعتمد الحوسبة المراعية للكربون «Carbon Aware Computing» على مبدأ توجيه استهلاك الطاقة برمجيًا ليتوافق مع الأوقات والأماكن التي تكون فيها شبكة الكهرباء نظيفة، وهو ما يحتاج إلى نظام متكامل من 4 خطوات رئيسية كالتالي:

  1. جمع بيانات شبكة الكهرباء: لأن شبكات الكهرباء لا تنتج نفس كميات الانبعاثات طوال اليوم، يتصل بها النظام البرمجي عن طريق تطبيقات متخصصة للحصول على بيانات لحظية عن كثافة الكربون الحالية مع توقعات كفاءة الشبكة خلال الـ24 ساعة القادمة بناءً على توقعات الطقس.
  2. اتخاذ القرار عبر الخوارزميات: مع توافر البيانات، تقوم الخوارزميات بالمقارنة بين حالة الشبكة والمتطلبات البرمجية المهمة، وتقوم بتصنيفها إلى مهام حرجة يتم تشغيلها فورًا ومهام مرنة يتم جدولتها بناءً على الخيارات التشغيلية.
  3. استراتيجيات التوجيه الثلاث: تقوم الخوارزميات بتحليل الموقف والاختيار بين الاستراتيجيات الثلاث، وهي إما تأجيل المهمة بسبب ارتفاع كثافة الكربون، أو نقل حمل العمل إلى منطقة أخرى داخل نطاق الشبكة، أو تقليل دقة معالجة البيانات لخفض استهلاك الطاقة في أوقات ذروة التلوث.
  4. القياس والتحسين المستمر: الخطوة الرابعة والأخيرة تعتمد على قيام النظام بحساب كمية الكربون التي تم تجنب انبعاثها مقارنة بالتشغيل التقليدي، كما يستخدم معايير قياسية صادرة عن مؤسسات البرمجيات الخضراء لتطوير كفاءة اتخاذ القرار في المرات القادمة.

ما الفرق بين كفاءة الطاقة ومراعاة الكربون؟

يكمن الفرق بينهما في الهدف والتوقيت، حيث تركز كفاءة الطاقة على تقليل كمية الكهرباء المستهلكة، بينما تركز مراعاة الكربون على تقليل الضرر البيئي الناتج عن استخدام الكهرباء، وهو ما يمكن توضيحه في المقارنة التالية:

التعريف والتركيز

  • كفاءة الطاقة تعني أداء المهمة باستخدام كمية أقل من الطاقة، وبالتالي يكون التركيز على الهاردوير السريع والكود المُحسَّن الذي لا يستهلك موارد المعالج بشكل مفرط.
  • أما مراعاة الكربون فتعني استهلاك الطاقة في أوقات وأماكن تكون فيها الكهرباء نظيفة، من أجل تقليل انبعاث الكربون، اعتمادًا على مرونة النظام وقدرته على التكيف مع تقلبات شبكة الطاقة المتجددة.

آلية العمل والتوجيه

  • كفاءة الطاقة ثابتة ومستمرة، لأن الهدف هو تقليل الاستهلاك في كل ثانية عن طريق استخدام معالجات حديثة تستهلك طاقة أقل أو شاشات موفرة للطاقة.
  • أما مراعاة الكربون فهي ديناميكية ومتغيرة، حيث يراقب النظام شبكة الكهرباء وقد يستهلك كمية طاقة أكبر في وقت ما حين يعمل النظام بالطاقة المتجددة، ويوقف استهلاكه عندما تتحول الشبكة للاعتماد على الغاز أو الفحم.

مثال توضيحي

  • لتطبيق كفاءة الطاقة، قد يقوم مهندس البرمجيات بتعديل كود أو خوارزمية لتستهلك طاقة أقل بنسبة 20% في كل مرة يبحث فيها المستخدم، وهو ما يحقق المطلوب.
  • ولتطبيق مراعاة الكربون، قد يكتشف النظام أن مركز البيانات يعتمد على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، فيقوم بنقل عمليات ضخمة مقررة ليتم تشغيلها في مركز بيانات آخر في دولة أخرى تعتمد على طاقة الرياح.

كيف يؤثر Carbon Aware Computing على تجربة المستخدم؟

تؤثر الحوسبة المراعية للكربون على تجربة المستخدم بشكل مباشر حين تفرض موازنة حساسة بين الأداء الفعلي للتطبيقات والحفاظ على البيئة. وإذا تم تطبيقها بشكل خاطئ فقد تسبب إحباط المستخدم، أما إذا تم استخدامها بطريقة ذكية فقد توفر له تجربة متميزة، وهو ما يمكن توضيحه كالتالي:

  • استراتيجية تأجيل الوقت: قد يلاحظ المستخدم تأخيرًا في تنفيذ بعض المهام غير العاجلة في حالة استخدام استراتيجية تأجيل الوقت نتيجة الاعتماد على الطاقة النظيفة في معالجة الطلب، وقد تظهر له رسالة «جاري معالجة الطلب بجودة عالية خلال الساعات القادمة اعتمادًا على الطاقة النظيفة».
  • استراتيجية تشكيل الطلب: عند استخدام هذه الاستراتيجية، قد يلاحظ المستخدم تقليل دقة الصور، أو إيقاف التشغيل التلقائي للفيديوهات، أو تحويل الواجهة إلى الوضع الداكن. وقد يقوم التطبيق بإخفاء المؤثرات البصرية المعقدة، أو تقليل معدل تحديث البيانات في الخلفية.
  • استراتيجية النقل الجغرافي: نتيجة استخدام هذه الاستراتيجية ونقل العمليات بين خوادم في دول مختلفة قد يشعر المستخدم بارتفاع في زمن الاستجابة، مما يكون له تأثير كبير في الألعاب عبر الإنترنت أو محادثات الفيديو اللحظية.

ما هو حجم تأثير Carbon Aware Computing فعليًا في خفض انبعاثات الكربون؟

يختلف حجم التأثير الفعلي للحوسبة المراعية للكربون بحسب الاستراتيجية المستخدمة ودرجة مرونة تطبيق البرمجة، بينما تظهر الدراسات العلمية والتطبيقات الواقعية لشركات التقنية الكبرى الأرقام الدقيقة والمؤشرات التالية:

1. حجم الخفض بالأرقام والنسب المئوية

تتراوح نسبة خفض الانبعاثات التشغيلية بفضل الحوسبة المراعية للكربون بين 10% و40%، وفي بعض الظروف التجريبية المتطورة تصل إلى 85%. وأظهرت الدراسات الأخيرة أن جدولة المهام مثل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو معالجة البيانات بشكل مؤجل تحقق خفضًا في انبعاثات الكربون يتراوح بين 11.5% إلى 30%.

ونجحت الخوارزميات المتقدمة في مراكز البيانات في خفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 40%، مع وجود زيادة طفيفة في زمن انتظار معالجة البيانات لا تتعدى 8%، كما أكدت دراسات أخرى تم تطبيقها على بيئات سحابية موزعة جغرافيًا، أن الأنظمة التي تدمج بيانات كثافة الكربون اللحظية مع نقل بيئات العمل الافتراضية قد حققت خفضًا حادًا في الانبعاثات وصل إلى 85% مقارنة بالتشغيل التقليدي.

2. حجم التأثير في الشركات الكبرى

بالنسبة لشركة «جوجل»، فهي تستخدم نظامًا ذكيًا لإدارة الحوسبة مع مراعاة الكربون عبر كامل شبكة مراكز بياناتها العالمية، وهو ما يقوم بالتنبؤ بكثافة الكربون لليوم التالي، ويعمل على تأجيل المهام المرنة، ويساهم في خطة الشركة للعمل بطاقة خالية من الكربون طوال أيام الأسبوع.

أما شركة «مايكروسوفت»، فقد طبقت ميزة مراعاة الكربون في تحديثات نظام التشغيل «Windows 11» وتحديثات منصات الألعاب عن طريق جدولة تحميل التحديثات الكبيرة في الساعات التي تتوافر فيها طاقة متجددة، لخفض ملايين الأطنان من الانبعاثات تراكميًا على مستوى العالم.

3. الحدود والقيود المؤثرة على حجم الخفض

يتأثر حجم خفض الانبعاثات فعليًا بعاملين جوهريين، أحدهما يتعلق بطبيعة المهام اللحظية التي لا يمكن تأجيلها، وهنا يكون تأثير التقنية محدودًا، بينما يرتفع تأثيرها في المهام المرنة مثل الأرشفة وتدريب الذكاء الاصطناعي والمعالجات الضخمة.

الأمر الآخر يتعلق بالكربون المضمن، حيث تركز الحوسبة المراعية للكربون على الانبعاثات التشغيلية الناتجة عن استهلاك الكهرباء، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن تصنيع الخوادم والأجهزة يمثل نحو 80% من إجمالي البصمة الكربونية للجهاز طوال عمره.

ما الحوافز التي تجعل الشركات تتبنى تقنيات Carbon Aware Computing؟

لا تقتصر الحوافز التي تدفع الشركات لتبني تقنية الحوسبة المراعية للكربون على الجانب البيئي، وإنما تشمل مكاسب اقتصادية وتشريعية وتنافسية ملموسة، وهو ما يمكن تصنيفه كالتالي:

  • الحوافز التشريعية والقانونية: كثير من الدول تفرض ضرائب تصاعدية على الانبعاثات الكربونية للشركات، كما أن الهيئات التنظيمية بدأت تلزم الشركات بالإفصاح الدقيق عن بصمتها الكربونية، وهو ما يجعل معظم الشركات الكبرى تتبنى تقنيات الحوسبة المراعية للكربون.
  • الحوافز الاقتصادية: هذه التقنيات ترتبط بخفض استهلاك الطاقة وأسعار الكهرباء التي تختلف بحسب استخدام طاقة متجددة أو غير متجددة، وبالتالي استخدام هذه التقنيات يوفر مبالغ كبيرة للشركات ويجنبها غرامات وقيود سحب الطاقة من الشبكات المحلية في أوقات الذروة.
  • حوافز الإمداد ومتطلبات العملاء: الشركات الكبرى أصبحت تشترط على الموردين والمطورين تقديم إثباتات على خفض انبعاثات الكربون كشرط أساسي لتجديد العقود، كما تفضل الصناديق الاستثمارية الحديثة توجيه رؤوس أموالها إلى شركات تتبنى معايير واضحة في خفض الكربون.
  • حوافز تنافسية وتجارية: على مستوى السوق العالمي، أصبحت شركات التقنية تتنافس فيما بينها من خلال دمج مراعاة الكربون لكسب ولاء شريحة متنامية من المستهلكين المهتمين بالبيئة، بالإضافة إلى جيل الشباب من المطورين والمهندسين الذين يفضلون العمل في شركات تظهر التزامًا بقضايا التغيير المناخي.

في ختام هذا المقال حول الحوسبة المراعية للكربون «Carbon Aware Computing»، يتضح أن التحول نحو هذا المفهوم لم يعد رفاهية بيئية أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح ركيزة جوهرية تشكل مستقبل التكنولوجيا المستدامة وتحقق توازنًا مثاليًا بين كفاءة الموارد والمسؤولية المناخية، ويمهد تبني هذه التقنيات الطريق لبيئة رقمية أكثر قدرة على التكيف مع التحديات البيئية المستقبلية دون المساس بأداء الأنظمة البرمجية.

نأمل أن نكون قد قدمنا لك قراءة شاملة ومفيدة؛ ويسعدنا جدًا أن تشاركنا رأيك واستفساراتك في التعليقات، ولا تتردد في مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.