8 مليون جنيه وطبق كُشري

أثناء قيامي بتغيير المحطات وأنا أشاهد التلفاز بملل كما هي العادة استوقفني أحد المشاهد بمسلسل قديم لم يسبق لي متابعة أحداثه ولم يُثر فضولي من قبل لمعرفة قصته. . حتى رأيت ذلك المشهد، مطربة شهيرة تؤدي دور فتاة بسيطة بالمسلسل تُصاب بحالة من الإغماء حينما تعلم أنها قد ورثت مبلغ مالي يصل إلى 8 ملايين جنيهًا بعدما عانت حياة طويلة من الفقر والاحتياج.
تبادر إلى ذهني سؤالًا قد يحمل في طياته بعضًا من الحقد الطبقي. . ياترا الفنانة دي في الحقيقة معاها كأم مليون؟ . . سؤال ساذج بالطبع، لكنني بدأت أتخيل وأضع بعض الإجابات العشوائية على سؤالي الساذج. . ماذا لو أن ما تملكه تلك الفنانة في الواقع 80 مليونًا أو أكثر أو أقل بماذا تشعر؟ وكيف كانت تشعر حينما قامت بأداء هذا المشهد الذي علمت فيه أنها حصلت على 8 ملايين؟ الذي نراه مبلغًا ضخمًا بالطبع في حين أنه في الواقع لا شيء إلى جانب ما تملكه في الحقيقة.
ظللت أتخيل وأضع بعض التوقعات في لحظات من التأمل والصمت وتذكرت ذلك المشهد من أحد أفلامي المفضلة غبي منه فيه حينما قال لو قدامك طبق كشري وجيت أنا خدت منه معلقة تحس بحاجة؟ ؟ وبدأت ارسم بمخيلتي تصورات تُشبه تلك التي كُنّا نراها صغارا بعقليتنا المحدودة وقلت لنفسي: هيحصل إيه لو الفنانة اللي تفترض إن معناها 50 مليون جنيه قررت تتبرع للغلابة ب 2 مليون بس تموت من الجوع؟ طب هيحصل إيه لو جبنا زي الفنانة دي 100 مليونير من الفنانين ورجال الأعمال وخدنا من كل واحد منهم 2 مليون وبدأت في صنع حسبة صغيرة بضرب عدد ال 100 مليونير في مبلغ ال 2 مليون المُتبَرع بهم ليتكون أمامي مبلغ 2 مليار جنيه.
وبسعادة مُصطنعة بدأت أتخيل كيف سيتم تقسيم هذا المبلغ على الفقراء، وهل من الأفضل أن يتم استثماره كما يفعل المسئولين بصناديق التبرعات التي يُسرق نصفها في جيوب غير المحتاجين أم سيكون الأفضل منح بعض الأسر الفقيرة مبالغ مالية كبيرة في أيديهم لفك كُربهم وديونهم؟ . . واخترت الجواب الثاني ليكون الحل هو توزيع مبلغ 2 مليار جنيه على 20 ألف أسرة تحصل الأسرة الواحدة على 100 ألف جنيه لسد احتياجاتها ونواقصها وباعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة 5 أفراد سنجد أننا تمكننا من إسعاد 100 ألف شخص بذلك المبلغ المُتخيّل.
بالتأكيد هذا السيناريو لا يرقى حتى أن يصبح سيناريو لفيلم هابط. . لكن أحيانًا بعض اَلتَّخَيُّل قد يمنحنا شعورًا أرقى مما تمنحه بعض السيناريوهات الكاذبة والمختلقة لبعض الأعمال اَلْمُوَجَّهَة. . أعلم أن الأمر ليس بتلك السهولة وأعلم أنه لا يوجد مليارديرا واحدا وليس مليونيرا سيقبل التخلي عن هذا المبلغ لله وللوطن، كما أعلم أيضًا أن ذلك التخيل البريء الذي يرسمه عقلي سيظل تخيلا حبيسًا نابعًا من شعوري بالرغبة في المساعدة رغم قلة الحيلة فأنا لا أمتلك 8 ملايين ولا 8 آلاف حتى😂 لكن يظل السؤال الأهم بالنسبة لي هو: هل إذا أتيحت لي الفرصة لامتلاك مثل هذا المبلغ هل سأتخلى عن جزء منه بتلك السهولة لمن يحتاج. . أم سأبرر موقفي بأن هذا المبلغ لم يأت بسهولة لأفرط في بعض منه بتلك السهولة؟

اعتقد أنني توصلت للإجابة التي نعلمها جيدًا. . جميعنا نوضع في اختبارات كلٌّ بمقدار ما يتحمله قلبه وعقله وضميره ولا ينبغي لنا الحُكم على تصرفات غيرنا لأننا لو تبادلنا الأدوار سنجد أننا في النهاية أصحاب قرارات واحدة تخطئ أحيانًا وتصيب أحيانًا أخرى وفي النهاية نحن جميعًا بشر لن نحقق العدل بالأماني والتخيلات. . وأخيرا الظلم المتجسد هنا في الفرق بين طبق الكشري ومعلقة الكشري قد يبدو لنا شَرًّا موجعًا في بعض الأحيان لكن وجوده ضروري، فلو لم يوجد الظلم لما سعينا للعدل! 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب