في الفلسفة.. 3 مساقات مجانية وبودكاست ونقاش بالبلدي

أذكر كم كانت مأساتي مع مادة الفلسفة، كيف أنها غيرت مسيرتي الثانوية من الأدبي إلى العلمي حتى إنني فضلت مواجهة الفيزياء علي أن أختبر في مثل هذه المادة، في حين ظلت أسئلتها تهمس في ذهني، كأن شيئًا لم يكتمل بداخلي دون العودة لها والتماس المباشر مع مآربها عن الوجود والخير، الوعي والألم، العدم والرجاء، اللاشيء وكل شيء.

ذلك حتى تبين لي بعد دراستي العلمية الطويلة أن ما توصلنا إليه من حضارات وتراكمات ثقافية وفكرية عائد بالأساس لجوهر الأسئلة الفلسفية التي طرحها اليونانيون والمصريون القدماء والهنود والأوروبيين والعرب على مر العصور. فعدت بنهم أتحسس خطا ذلك العلم الفضفاض، وأحاول نبش قبور الإنترنت بحثًا عن بدايات سلسة وغير مختزلة، حتى اهتديت إلى محطات عدة أقترح عليك أهمهم في الفقرات التالية.

لكن قبل أن أتركك مع تلك المحطات، إليك نصيحة دانيال كوفمان أستاذ الفلسفة من جامعة ميزوري الذي كان يشدد على استخدام الورقة والقلم في أثناء الاطلاع على الفلسفة؛ لأن هذا الثنائي يمارس دورين رئيسين، فهو يضيف إحدى حواسك لعملية التفاعل مع المادة، والآخر هو تنظيم عملية فهمك للمادة الفلسفية.

المساق الأول والأشمل بلا منازع من سلسلة Crash Course الأيقونية التي تقدم، إلى جانب المادة الفلسفية، محتوى بصري متميزًا يضفي بعضًا من المتعة والاندماج مع ثقل وكثافة المعلومات، كذلك تتجلى حرفيته في التنقل بين الإصطلاحات والمفاهيم الفلسفية من السهل إلى الأكثر صعوبة فيأتي في 47 حلقة الواحدة منها لا تتعدى 10 دقائق ومترجم للعربية. 

بعد الانتهاء من تلك المحطة عليك المرور بجولة مبسطة لماريان تالبوت الدكتورة بجامعة أكسفورد التي تتمتع بأسلوب رشيق وحماسة غير مسبوقة في أثناء محاضراتها، فتعمد إلى التفاعل ونقاش الحجج الفلسفية مع الطلاب ما يؤهلهم لمعرفة طرق التفلسف بصورة عملية وشيقة.

أما المساق الثالث يأخذنا في مرحلة اكثر تقدما ويعد أثقل من سابقيه لطابعه الأكاديمي، مقدم من جامعة إدنبرة، يتأرجح بين الإبستمولوجيا وديكارت وهيوم وكانط، ثم فلسفة الأخلاق وفلسفة العلم حتى السفر عبر الزمن، مدته نحو 18 ساعة ستشعر بعدها بالتواضع أمام المخزون المعرفي للبشرية والمرونة في استيعاب مزيد من الأفكار ونقدها بصورة عقلانية.

وفي طريقك نحو المنزل أو في أثناء جولتك الخلوية بإحدى الحدائق القريبة، يمكنك الوقوف عند المحطة الرابعة والاستماع الى بودكاست التأملات الفلسفية (Philosophize This) لمقدمه البارع ستيفن ويست الذي يقوم بمعالجات ستجدها الأكثر طرافة وذكاء، وذلك بربط بعض الأطروحات والمدارس الفلسفية بتجليات الحياة المعاصرة، ذلك إضافة إلى اطلاعه الواسع على فلاسفة القرن الحالي وأهم أعمالهم وإسهاماتهم غير المعروفة لكثيرين من أبناء الجيل الحالي.

ما يميز تلك المساقات السابقة أنها لا تحتاج إلى أي معرفة مسبقة وبعضها مترجم للعربية، تستطيع أن تنطلق خلالها نحو المحطة الأخيرة وهي مجموعة فلسفة بالبلدي التي تهتم بنشر الفلسفة بلغة بسيطة وواضحة كممارسة حياتية تصطدم بواقعنا اليومي وتتحرر من سجنها النظري، وذلك عبر أنشطة أسبوعية أو شهرية تنظمها المبادرة ويشارك بها المختصين وغير المختصين من عشاق الفضول والمعرفة، فتجد وجبة متكاملة من الإثراء المعرفي والنقدي لما تتناوله في المساقات السابقة.

في النهاية، رحلتك تبدأ الآن بعد أن صرت محملًا بأدوات التفلسف واستندت إلى أسس صلبة، تستطيع من بعدها أن تجوب آفاق الإنترنت بحثًا، لتنتقي ما يناسبك، على أن تمنح بعض الوقت للتأمل فيما تجرعته وتعلمته في رحلتك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.