15 يوماً من العزلة

يخطئ معظمنا في اتّخاذ العادة أسلوب حياة يعتمد عليه ويبني على أساسه تفاصيل حياته، وأقوى مثال على ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، والتي أحبّذ أن أسميها بـ: شبكات التفاصل الاجتماعي، ذلك أنّه خلال المدة البسيطةـ مقارنة بالمدة التي نقضيها على مواقع التواصل الاجتماعيـ التي عشتها ولمدة 15 يوماً خارج أسوار السوشل ميدياـ على حدّ قولهم ـوجدتني راضياً عن حياتي كما لم أكن قبل ذلك، وجدت لها معناً آخر لا أقول كان غائباً ولكن غير مكتشف، عالماً تنظّم فيه الحياة نفسها بنفسها وكاّنه لا سلطة لي على تفاصيلها، عالمٌ كلّ لحظة فيه لها معنى.

والأهم من كل ذلك هو زيادة الإحساس بقيمة الوقت، كما أنني أدركتُ عمليًّا الكمَّ الهائل من الوقت الضائع الذي تسلبه منّا طواعية هذه السوشل ميديا.

فطرحت السؤال التالي على نفسي مرّات كثيرة: هل فعلاً لا يمكن الاستغناء عنها كما يعتقد البعض؟ ماذا أضافت مواقع التواصل الاجتماعي لي أو لحياتي؟

إذا كان لا يمكن الاستغناء عنها فعلاً، ماذا كنت أصنع بوقتي قبل أن تظهر هذه المواقع؟

فقمت خلال تلك 15 يوماً بمقارنة صغيرة، لما كنت عليه قبل وجود هذه المواقع وبعدها.

أنا الطفل الذي يحمل هاتفاً أكبر منه، ولا يدرك حتى ما الذي يحمله، لا شكّ أنه كانت لديّ نشاطات جميلة ومتنوعة كنت أمارسها، مثلاً: تعوّدتَ أن أغرس شجيرات كل موسم أمام منزلي، كنتُ أسقي الأزهار المحيطة بالمنزل وأعتني بها، كنتَ أزور جدّي كلّ أسبوع لأذهب معه إلى الحقل، كنتِ أساعد أبي في رعي الماشية.

كنت أرتّب سريري قبل النوم وبعده، كان لديّ الوقت للّعب مع أصدقائي، كنت متفوقا في دراستي، كنت أعيش طفولتي بكل تفاصيلها، كان لديّ الوقت لكلّ شيء، أما اليوم فوا أسفاه على أطفال اليوم، طفولة ضائعة وأحلام تائهة، لا هدف في الحياة، طفولة غريبة ومعزولة.

أنا الشاب الذي كان مليئاً بالحركة والنشاط والحيوية، أصبحت الآن عبداً لمربع صغير، أحرّكه يمنة ويسرة، جيئة وذهاباً، ولكن في حقيقة الأمر هو من يحرّكني ويتحكّم بي، أنا الشاب الذي كانت العائلة هي محور حياته وأولى أولوياته، فصارت عائلتي آخر اهتماماتي، وكأنّ عالمي ليس عالمهم، أعيش معهم ولا أعرفهم، هذا ما فعلته السوشل ميديا للأسف.

لا أخفيكم، رغم أن 15 يوماً ليست بالمدة الكبيرة، فهناك أشخاص قطعوا علاقتهم بالفيسبوك مدة 4 سنوات، إلا أنني اكتشفت فيها الحياة الحقيقية التي خلقنا لنعيشها وليست الحياة الأخرى المزيفة التي فرضناها نحن على أنفسنا، كمن كذب كذبة وصدّقها.  

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ليس لدي أي حساب على السوشل ميديا مهما كانت صفته منذ أكثر من سبع سنين، النتيجة المباشرة لتركي ذلك العالم هو اكتشافي للكتاب ثم التحول إلى كاتب واكتشاف هدف ما في مكان ما، كان مخفيا إلى حين...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.