قصة "وهنا كانت الصدمة".. قصص قصيرة

أنا امرأة في الثلاثين من عمري، لديَّ طفل وحيد في العاشرة من عمره، وهو يتيم الأب منذ خمس سنوات، فأنا له الأب والأم.

وبما أنني أعمل طبيبة علاج فيزيائي في إحدى أهم المستشفيات في البلد، وأعمل من السابعة صباحًا حتى الثامنة مساءً، وبحكم أنني أعمل لأجلب المصروف للبيت وليعيش ابني منعمًّا، وبما أنني أتقاضى راتبًا جيدًا، فقد استعنت بمربية لتهتم بشؤون ابني عوضًا عني، وكنت أعتقد أنها ستعوضه عني.  

كان روتيننا متكررًا في كل يوم، نستيقظ في السادسة صباحًا نتناول الفطور على عجل، وأذهب أنا إلى عملي وهو إلى مدرسته، ويعود هو في الساعة الثانية والنصف ليتناول غداءه وحيدًا، ويذهب لينهمك في دروسه إلى أن تصبح الساعة الخامسة، فتأخذه المربية للتنزه واللعب بالكرة والدراجة الهوائية وألعاب الرماية لتقوية مهاراته.

 ويعود في الساعة الثامنة لأستلمه من المربية، وتذهب هي وندخل لتناول العشاء، ويذهب ليلعب في غرفته وأنا أذهب لترتيب بعض الأشياء أو إحضار بعض الحاجيات التي تنقصنا، ومن ثم نخلد إلى النوم.

وفي أيام العطلة أذهب لأشتري له بعض الملابس والألعاب وتناول الطعام في أحد المطاعم التي يحبها ابني، ونعود إلى المنزل وأذهب لأداء المهمات في المنزل أو على الكمبيوتر، ويذهب هو لتعلم اللغة الفرنسية والإنجليزية، وهكذا مرت السنوات الماضية.

وفي يوم وبينما أنا في عملي سمعت صديقتي تقول لي إنها ذاهبة؛ فلديها حالة طارئة، حادث لطفل يُدعى رامي، وسرعان ما خطر في ذهني ابني الذي بالاسم نفسه، وقلت الحمد الله إن ابني في أمان في المنزل وأبعدت كل الأفكار عن ذهني وركزت في عملي.

وبينما أنا خارجة من المستشفى رأيت صديقتي وسألتها عن حالة الطفل قالت: لم نتمكن من الوصول إلى أولياء أمره، وحالته جيدة لكنه أصيب بشلل نصفي، وسيُحول لقسم العلاج الفيزيائي لتتابعيه أنتِ.

أومأت وخرجت وأنا أشعر بالأسف تجاهه وأنه وحيد دون والديه. وعندما وصلت رأيت المربية، لكنني لم أسمع صوت ابني يستقبلني، فسألتها عليه وأجابتني أنه خرج لشراء بعض الحاجيات مع السائق ومن متجر يبعد ساعة عن هنا.

وذهبت أنا وكنت مرهقة ومتعبة، وغيرت ملابسي وجلست على سريري أتابع مسلسلي المفضل، ولكن دون أن أشعر غفوت وصحوت في الساعة الثامنة صباحًا، نظرت إلى الساعة فوجدت أنني متأخرة، تجهزت ونزلت ولم يكن ابني موجودًا، قلت لا بد أنه ذهب إلى المدرسة.

ذهبت إلى العمل وكانت زميلتي هناك، قالت لي إن الولد مستيقظ الآن وينتظر العلاج الفيزيائي. كنت أحمل لعبةً وحلويات، ودخلت فصعقت مما رأيت، إنه سامي ابني! كيف؟ كيف؟ سألته، أخبرني أنه تعرض البارحة لحادث سير وفقد قدرته على المشي، وأن الطبيب والطاقم الطبي لم يستطيعوا الوصول إليَّ لأنهم لا علم لهم بمن أكون أو رقم هاتفي.

بكيت، وسألني: أين الطبيبة التي ستشرف على علاجي؟

أجبته بغصة أنني أنا من سيهتم به، وأنا الطبيبة التي ستعالجه وتهتم بأمر العلاج الفيزيائي الخاص به، فهذا عملي. أجابني بدموع وأعين متورمة من البكاء: وأخيرًا يا أمي ستهتمين بي كما تهتمين بعملك؟ شعرت بانهيار أعصابي وفقدان رؤيتي وأن روحي تخرج مع كل حرف قاله. ألهذه الدرجة كنت مهملة له؟ قلت له: هيا ننهض ونحاول المشي إلى المنزل.

ذهبنا، وكان يحاول المشي ويستريح على الكرسي المتحرك كلما تعب من المشي لخمس دقائق أو أقل.

مر على تلك الحادثة خمسة أشهر، حقًّا لقد اهتممت بابني جيدًا، وتحسَّن أكثر، وأراني الرسمات التي لطالما كان ينتظر الوقت المناسب ليريني إياها، وكنا نرسم ونلعب ونتنزه في الحديقة سويًّا ويؤدي تمارين فيزيائية وحركية، وتحسنت قدرته على المشي، والحمد لله إنه الآن وبعد مرور خمسة أشهر من العلاج استطاع ابني أن يستعيد قدرته على المشي، واستمر نحو الشهرين أيضًا ليستطيع الركض.

وحينئذ أدركت قيمة قضاء الوقت مع ابني بدلًا من الانهماك في أشياء أخرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب