قصة "فاصل ونواصل".. قصص قصيرة

أستيقظ عادة في الخامسة، لا أعلم سببًا منطقيًّا لكن وكما يبدو أن جسمي قد اعتاد الأمر، حتى بعد بلوغي سن الكمال وانتهاء مدة خدمتي في الوظيفة العمومية.

حسبتُ أنني سأغير قليلًا من عادتي في الاستيقاظ، كنت وما زلت غير معتاد على الجلوس في المنزل مطلقًا، ومرت الثلاثة أشهر الأولى كأصعب ما يكون، وكأنني فقدت عزيزًا عليَّ، فلقد اعتدت روتين العمل والتعامل مع الجمهور، ولم آلف مطلقًا الجلوس طوال الوقت مع زوجتي والتحدث عن أسعار الخضروات.

أصابني الاكتئاب في أول الأيام، فلم أتخيل يومًا أن أخرج من سلك الوظيفة، فلقد اعتدت أن يقف أمامي طابور طويل من الجمهور وأتفقد الأوراق قبل أن أقبلها، كنتُ مدققًا لأبعد الحدود.

على العكس تمامًا من صديقي سعيد الذي كان متساهلًا ويتغيب باستمرار، أذكر أنه أكد أن يطير من الفرحة وقت إنهاء أوراق المعاش، وكان يعلن أنه تحرر أخيرًا من تبعات الوظيفة وقيودها، على الرغم من أنه كان قليل الحضور، بل لا يحضر سوى في الأيام التي يحثه المدير فيها على الحُضور، بسبب أي تفتيش أو زيارة هامة.

كنت أحسد فيه هذه الفرحة وهذا الثبات، أما أنا فكنت منهارًا، ليتني كنت مثله آخذ أموري ببساطة، حياته لم تتغير مطلقًا لكن حياتي حدث بها شرخ لا يوصف وقتها

فلم أعتد أن أرى زوجتي وهي تطبخ الطعام، كنت معتادًا أن أعود بعد الرابعة، لأرى البيت مرتبًا والطعام في انتظاري، وكأني سلطان الزمان، لم يرزقنا الله بالذرية لهذا أنا محور حياة زوجتي وتهتم بي لأقصى درجة، فأنا طفلها المدلل الوحيد، الذي تلبي له جميع الطلبات بمجرد إشارة مني، وتسعى في كل لحظة لإسعادي.

أتَعلمون دائمًا ما كنت أتخيل أنها لا تبذل مجهودًا مطلقًا، وأنها تقضي يومها في مشاهدة الأفلام والمسلسلات أو منتظرة لحضوري على الأريكة في ملل، لكن تيقنت أني كنت مخطئًا فتلك المرأة لا تكف عن المسح والتنظيف والبحث عن وصفات الطعام ومتابعة وصفات الطبخ، بل إنها تركز تمامًا وتأمرني في حدة غير معهودة أن أصمت عندما يقوم الشيف شربيني بشرح طريقة عمل الممبار.

لهذا لم أحتمل، حسبت أن التدليل بعد بلوغ سن الكمال سيكون طوال الوقت، لكن اقتصر الاهتمام على فترة ما بعد الرابعة كالسابق، أما وقت الطبخ والتنظيف فلا يسمح لي بمغادرة الأريكة على الإطلاق إلا لأمر هام، لهذا قررت أن ألتحق بعمل حر لأهرب من قيود المنزل وتحكمات زوجتي، وقلت لنفسي إن معنى بلوغي سن الكمال هو راحتي من الوظيفة العمومية، لكن ليس بالضرورة أن أجلس في البيت وما دمت والحمد لله بوافر الصحة، فلمَ لا أبحث عن عَمل جديد، أستطيع أن أضع فيه خبراتي السابقة، كذا لأعوض هذا المعاش التقاعدي الهزيل الذي لا يكفي لمنتصف الشهر، ولأهرب بكل تأكيد من وصفات الشيف شربيني.

بعد شهر كامل من البحث وجدت والحمد لله عملًا مناسبًا، أفرغت فيه كامل طاقتي وخبراتي مما جعل صاحب الشركة يثق فيَّ وفي قرارتي ورجاحة عقلي، فجعلني المستشار الأول للشركة، وهو ما در عليَّ بعائد مادي يعادل أربعة أضعاف راتبي في عملي الحكومي.

سخرت من نفسي، فلقد أفنيت زهرة العمر في تنسيق الاستمارات ونسخ كشوف المتقدمين للحصول على وصلات الكهرباء، لكم كنت أحمقًا حقيقيًّا حين كنت أدقق في أمور ثانوية سخيفة! لقد اكتسبت الآن بعض المرونة وتيقنت أن العمل الخاص، لا يركز على صغائر الأمور، بل لا بد من العمل في منظومة متكاملة تهدف لزيادة الربح فضلًا عن رضى العملاء،

ذات يوم كنت بصحبة المدير الشاب في زيارة لموقع المصنع الملحق بالشركة، أخبرته أن هذه المنطقة كانت صحراء جرداء في شبابي.

بدا مهتمًّا بكل كلمة أقولها، وكأنه يستقي مني الخبرة ويريد أن يكون ملمًّا بالتفاصيل كلها، على الرغم من أن المدير في مقتبل عمره، فإن لديه رغبة في تعلم كل صغيرة وكبيرة.

بعد أن أتممنا الزيارة وتفقد سير خط الإنتاج، كان لا بد أن يكون الكلام في طريق العودة بعيدًا عن نطاق العمل ورسمياته، فلقد شعرت أنه ابني الذي لم أنجبه ورغبت في أن أفصح له عن تاريخ حياتي أيام مرحلة شبابي.

ولا أعلم كيف استدعت ذاكرتي حادث حقل الألغام، بدت تلك الذكرى مناسبة تمامًا لجذب انتباهه ولإضفاء بعض البهجة على الرحلة الطويلة.

أخبرته أنني وكتيبتي إبان فترة الخدمة العسكرية كنا في طريق عودتنا لمقر الكتيبة في رأس غارب بعد إحدى المهام، كانت المنطقة تخلو من أعمدة الإنارة أو أي بنية تحتية، كما أن الكتيبة كانت تبتعد تمامًا عن العمار والمساكن المخصصة للعاملين في البترول والتنقيب.

وقتها كانت ساعتي تشير بحُلول العَاشرة ليلًا ولأن الظلام دامس، قادنا حظنا العاثر لأحد حقول الألغام، لاحظت اندهاشه الشديد، أخبرته أن رفيقي في السلاح هو من شعر باللغم الأرضي؛ لأن طرف حذائه لامس طرف اللغم، كانت أغلب الأماكن بها ألغام تحسبًا من أن يعبر العدو على الجانب الآخر، أو أن يبعث إحدى السرايا خلسة.

وقتها صرخ منبهًا إيانا بكلمة "ثابت" والتي جمدت الدم في عروقنا من طريقة تلفظه بها، وعندما استفسرنا أخبرنا أننا في حقل للألغام، وقتها كان البرد قارصًا، ولم تكن وسائل الاتصال متوافرة مثل هذه الأيام، لهذا ظل كل منا في مكانه إلى الصباح. (12) ساعة كاملة إلى أن افتقدونا في الكتيبة وخرجوا للبحث عنا، وقتها اُسْتُعِين بأحد الأوناش لرفعنا.

لاحظت انبهاره وإنصاته، فذكرت له ليلة أن تراهنا على من ينزل البحر في منتصف الليل ويسبح، لقد كان هذا في منتصف فصل الشتاء وغسل الوجه للوضوء في حد ذاته مغامرة ما بالك بنزول مياه البحر الأحمر في هذا التوقيت.

زميلي من الإسكندرية كان أول من تقدم وتجرد من ملابسه، كان هذا هو المتوقع لأن أهل الإسكندرية مولودون في البحر، فلا يفرق معهم نزول الماء صيفًا أو شتاءً

بعدها وعندما صاح متفاخرًا، شعرنا ببعض الحماسة فاندفعنا جميعًا ونزلنا إلى الماء، لسوء الحظ جاء القائد واستاء من صنيعنا وعدم امتثالنا لمواعيد النوم، فقرر أن نبقى في الماء لحلول الفجر، ووقف هو على الشاطئ هو والصول عبد السميع الذي كان يقرعنا بالكلام.

العجيب بعد كل هذا أمرنا بأن نخرج من الماء لطابور الصباح، وقتها أقسمت ألا أنزل الماء طيلة بقائي في الخدمة العسكرية،

أخيرًا عدنا إلى مقر الشركة، وأخبرني المدير أنه سيخرج برفقة بعض أصدقائه في المساء، وطلب مني أن أنضم إليهم إذا لم يكن لدي أي ارتباطات أخرى.

سررت بتلك الدعوة كثيرًا، وبعد تكرارها ودخولي ضمن دائرة هؤلاء الشباب، أصبحت كالأخ الأكبر للمجموعة وعشت تجارب جديدة كانت كلها ممتعة كما تغيرت نظرتي للحياة.

أحسب أن شخصيتي حدث فيها تغير جذري لكن للأحسن، هذا ما تردده زوجتي على مسامعي طوال الوقت، أيقنت أن بلوغ سن الكمال لا يعني أبدًا أن أتوقف عن الحياة، بل هي بداية جديدة وفصل آخر قد يكون أكثر متعة؛ لأنه يخلو من القلق والخوف الدائم من المستقبل، ولا يسيطر عليه سوى عنوان واحد التمتع بكل لحظة في الحياة.

دمتم بكل ود.

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com