قصة "فارقتك رغماً عني".. قصص قصيرة

حاولت جاهدة أن أخرجها من عزلتها التي فرضتها على نفسها مؤخرًا، تعللت بإصابتي بالتهاب الحلق، وطلبت منها أن ترافقني في الفحص الطبي.

أخيرًا بعد محاولات عديدة وافقت أن تخرج معي، تعجبت من أننا لم نتوجه إلى العيادة كما أخبرتها، لكني تعللت بأن موعدي في الخامسة واقترحت أن نحتسي مشروبًا دافئًا، وافقت على مضض، فهي لا تحبذ أبدًا الجلوس في الكافتيريات العامة.

أخبرتها أننا لن نجلس في الدور الأول، حيث الواجهة الزجاجية التي تجعل رواد الكافتيريا وكأنهم معرضون للبيع.

صَعدنا للطابق الثاني وجلسنا في إحدى الزوايا البعيدة تمامًا عن الواجهة الزجاجية المطلة على الشارع الرئيسي،  بعد قليل جاء النادل ومعه كعكة صغيرة مكتوب عليها اسمها، فضحكت وقالت: "كان يجب أن أعرف أنك تمزحين بخصوص الفحص الطبي، هل جعلتني أخرج لنحتفل بيوم مولدي". أخبرتها أنني أود أن أشاركها ذكرى سعيدة كهذه، فلقد حالت ظروف سفري دون أن أشاركها هذا الاحتفال منذ ما يزيد على ست سنوات.

ذكرتها بيوم أن خرجنا للاحتفال وكان الجو ماطرًا، وقتها أكلنا كعكة عيد مولدها تحت زخات المطر، وكانت ضحكاتنا تبعث في قلوبنا الدفء على الرغم من انخفاض درجات الحرارة وتساقط الثلوج في المكان.

أخبرتني أنها لم تعد تريد الاحتفال؛ لأنها أصبحت لا تشعر بالأيام وكأنها نسخ جامدة صامتة تمر عليها مرارا وتكرارا، قلت لها أهذا سبب لابتعادك مؤخرًا.. 

تغرغرت الدموع في مقلتيها غير أنها حبستها، ولأول مرة أرى المرارة تكسو الكلمات، أخبرتني أنها أصبحت تشعر بشيخوخة في قلبها، تعجبت كثيرًا كيف لها أن تنطق بهذا الكلمات البائسة وهي التي كانت تنشر السعادة أينما حلت، لم تكن تبالي بأي شيء ولم تكترث مطلقًا لأي ضغط نفسي.

فما بالها ذبلت بعد أن كانت زهرة تشع عطرًا وعبيرًا، لم تنطق شفتاها قط عن سبب كل هذا الحزن والأسى، لكن استطعت أن أفهم سر هذا التحول المظلم.

لم تعد تتحدث عنه كما كانت في السابق، لكن تمسكها بارتداء السواد وشرودها المستمر وكأنها تعاقب نفسها على وفاته المفاجأة.

لكم تمنيت أن تتقبل ما حدث وتحاول أن تتجاوز، لكنها إرضاءً للجميع انسحبت في صمت وأغلقت باب منزلها دونها، وصارت تمضي أغلب الوقت تنظر إلى صوره وملابسه.

كانت قصتها وزوجها كترنيمة عشق شطرها الموت إلى نصفين وحال دون اكتمالها.

اجتمعا على غير موعد، لكنهما وكأنهما نسختان قد خلق أحدهما ليكمل الآخر، كانت تحبه لأقصى حد،  أما هو فَكان يهيم عشقًا بها فَلقد أخرجت أجمل نسخة منه.

كان عصبيًّا حاد المزاج كثير التفكير، لكنها نجحت في جعله أكثر هدوءًا وتفهمًّا لمن حوله، حتى هي تغيرت للأحسن في كل شيء، وحده جعل الابتسامة لا تفارق وجهها الطفولي.

تركت قطعة الكعك وأخبرني أنها تشك أن وفاته لم تكن طبيعية، فلقد خرج لتغطية ما حدث عقب السيل الجارف الذي دمر أغلب القرى في الجنوب.

كان موفدًا من الجريدة التي يعمل بها، ونجح في مهمته بل وساعد العديد من المتضررين، غير أنهم وبعد أن قضى أسبوعين في تلك القرى أخبروها أنه تعرض لحادث وهو في طريق عودته إلى المخيم الرئيسي، هاتفها وقتها وطمئنها أنه لم يصب سوى ببعض الخدوش والجروح الطفيفة، وأنه في طريقه للمشفى الميداني لتطهير الجروح وتلقي الإسعافات الأولية، ثم أغلق هاتفه انقطعت أخباره إلى أن أخبروها أنه فارق الحياة، فأي خدوش تلك التي تفضي للموت.

العجيب أنهم صادروا هاتفه وشريحته فلم تتمكن حتى من الحصول على صوره التي كانت على هاتفه الجوال.

أما عن التعويض فلم تحصل من الجريدة على أي تعويض مادي، بل وأعدَّت الجريدة أن ما حصل له حادث مروري، ولا تعد الجريدة مسؤولة عن تعويض ذويه لأنه توفي في غير موقع السيل، ولم يكن تأمين الجريدة يشمل سوى الحوادث الطبيعية.

كان هذا من دواعي شعورها بالأسف، فلقد حرمت من توديعه،  بل ومن الحصول على جواله وملابسه التي كان يرتديها للمرة الأولى.

أعرف أنها ستتعافى يومًا ما وتعاود الوقوف على قدميها من جديد، حتى ولو كانت كسيرة القلب، فعهدي بها أنها صلبة كالصخر حكيمة لأقصى حد، حتى وإن ذهب الحزن بروحها التي تحب المزاح، إلا أنها ستتجاوز هذا يومًا ما

دمتم بكل ود.

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com