قصة "غربة مألوفة".. قصص قصيرة

كنتُ أقيم في أحد فنادق القاهرة تحديدًا في تلك البقعة التي انطلقت منها الثورات (ميدان التحرير).

تجوَّلت في المحيط أنا وصديق مقرب لي، بحثًا عن فنادق ذات سمعة طيبة وتتلاءم مع ميزانية مسافر بسيط.

لم يكن مزاجي تلك الليلة في أفضل حالاته، كنت متعبة وأشتهي النوم هَرَبًا من أفكاري الطفلة.

أذكر أننا زرنا ما لا يقل عن خمسة فنادق إلى أن استقر رأينا على السادس، كان صديقي مصري الجنسية؛ لذا كان من المهم بالنسبة لي موافقته على أجواء المكان لدرايته بطبائع الناس هناك، وخدع الفنادق الملتوية وأسعارهم المزيفة.

سجَّلت حضوري في المكان، وتركت حقائبي في غرفتي المتواضعة، ثم ذهبنا لتناول العشاء في أحد المطاعم المجاورة، تشتت اختيارنا للطعام أيضًا وكأن تلك الليلة فَقَدَت تركيزها معنا فملأتها الحيرة كما ملأتنا.

اتفقنا على تجربة طبق جديد، فكان لذيذًا بعد عناء البحث عن مأوى اطمئن فيه... تحاورنا أنا وأحمد عن اختلاف الطعام نسبة لاختلاف الرفقة والمكان، كان يجادلني بأن القهوة ستحمل طعمًا آخر إن كانت في ليل أحد شواطئ الإسكندرية!

ومن فرط حبه لما يصف من برودة نسيم البحر، وأصوات الأمواج المقبلة إليك وسط رمال رطبة، انتقلت إليَّ عدوى الانغماس في أجوائه، فانتهى حوارنا باتفاق على انضمامي إليه في تلك الجلسة الهادئة عند زيارته القادمة للإسكندرية، حيث أقيم أنا هناك ببيت خالي العزيز خلال زيارتي لمصر.

شكرت أخلاقه النبيلة وحسن استقباله لي في القاهرة، ودعوة العشاء اللذيذة، وعدت إلى الفندق بعد يوم طويل متعب ومكتظ أحمل بذاكرتي ما لا يسرني منه، تفرَّدت بنفسي ووحدتي في تلك الغرفة البسيطة، وكطفل أضاع أمه، تقوقعت داخل نفسي على السرير منتظرةً النوم ليسرقني، ويجدر القول هنا أنه في تلك اللحظات الحرجة بالتحديد يظهر سوء فطنتك ولعنة قوة أعصابك.... فلست من أولئك الأشخاص الذين يقعون في نوم طريق طويل، أو ينهكهم التعب فيغيّبهم النوم عن محيطهم...

أنا أتأمل المكان، أتفحص تفاصيله، أتفقد نظافته بهوس، ثم أستمع لجدرانه في الخارج، أستكشفه قدر استطاعتي مجاراة لعقلية الجاسوس التي أحملها في رأسي إثرَ نشأتي على الأفلام منذ أن كنت طفلة.

قال في إحدى المرات الممثل المحترف مات ديمون في إحدى مقابلاته بعد مدحه لواقعية تمثيله: يجب أن تأخذ الأفلام على محمل الجد فهي حقيقية أكثر مما نعتقد.

ومن هنا آمنت بعبارة الرائع سلفستر ستالون عندما قال "عليك أن تجعل المحيط يطمئنك، لا أن تطمئن نفسك"، وذلك بالبحث والتقصي عن علامات الأمان أو الخطر في الأرجاء.

حسنًا تفقدت كل ما وقع عليه نظري، ثم جعلت المفاتيح في الباب كما أوصاني صديقي أحمد، خلت المساحة لخيالي الحر، فراجعت تفاصيل يومي السيئ، ثم تأملت حالي ببقعة بعيدة عن وطني، بعيدة عن عائلتي، بعيدة عن منزلي، وحيدة في فندق عشوائي في إحدى بقع العالم الواسع.... إلى أن أخذني النوم، فاستيقظت كعادتي، بشعور جديد وأمل جديد.

لم أتفق على ملاقاة أحمد إلا بعد عصر اليوم، كنت أود تجربة المجهول بطريقة مجهولة بدون أي دليل سياحي أو مواطن يحفظ المكان أكثر من تعابير وجهه..

سلَّمت مفاتيح غرفتي بعد ترتيبها وتفقد أغراضي، حزمت حقائبي وانطلقت أتجول في شوارع مصر القديمة أتأمل الناس والشوارع الممتلئة والمباني المخضرمة..

كان من الغريب ما تحمله العراقة من جمال يفوق حداثة العصر رغم الكم الهائل من الأموال المهدرة فيها وتنافس تلك التصاميم العصرية التي كادت أن تخرج عن مقصدها من قضاء حاجة أو تقديم خدمة.

بينما يجذبك بساطة البناء وركاكته في بعض الأحيان، ألوانه القليلة، أحجاره الصامدة ومصعده ذو الأبواب الثلاثة وخشبه العتيق... من فرط شعورك بالماضي، حينها ستجزم بمصادفة عبد الحليم في أحد الشوارع بعد قليل..

تجولت أنا وعيناي أتفحص تلك المباني، منسجمة وتراثية المنطقة، وقفت عند إحدى بسطات بيع الكتب المزروعة في الشوارع بكثرة واشتريت كتابين بسعر زهيد، ثم أكملت طريقي أتبع خطى الناس، حيث تمشي لشراء أقراص الطعمية وشطائر الفول، وصلت أخيرًا للمطعم المتواضع، ولا أنكر أن حجمه الصغير مقارنة بإنتاجه الكبير قد صدمني، حيث لم يبقَ محل أو بيت في الشارعين المتجاورين إلا وقد اشترى من ذلك المحل الصغير.

دخلت وقد أشبعتني حرارة استقباله حتى قبل أن يعرف بأنني سائحة وهذا ما أوحى لي أكثر بصدق ترحيبه.. اشتريت شطيرة صغيرة واحدة حتى لا تمتلئ معدتي وأكمل رحلتي بنشاط وخفة، وعرفت حينها سبب إقبال الكثيرين على ذلك المطعم الصغير، إنه ينثر الحب على ما تصنعه يداه، لا يمكنك إلا أن تشعر بطيب نفس الرجل العجوز الذي يقدمها لك وكأنه يطعم ابنًا له.. فتصبح الشطيرة طيبة كنفس ذلك العجوز.

تجوَّلت وحيدةً لكن دفئ المكان ملأ قلبي، هناك بالفعل شيء جميل في الأرض كما يقال في أغانيها الوطنية لكني لم أستطع رصده بالتحديد، أهو هواؤها الرطب أم في أناسها البسيطة، مزيج متناغم يساوي بين جميع طبقات المجتمع، فتنصهر أنت لا تدري لأيها تنتمي، تموت الطبقات في الشارع فيأكل الجميع من أطباق متشابهة، ويشتري الجميع ذات الحليب الطازج.. كرم سخي تجده عند أقلهم حالًا وبشاشة وجه عند أكثرهم همًّا، وحسن الضيافة تلمسه حتى من عابر الطريق.

تناقض شعور الوحدة لدي حينها فشعرت أنني في وطني!

"الأغراب أهلي والنيلُ فراتًا والسماءُ سقفًا واحدًا".. لم أعرف يومًا سرّ حبّي لمصر إلاّ بعد رحلتي الوحيدة هذه، فقد خانت الوحدة معناها وتجرَّدت الغربة من أنيابها.. عرفت حينها أنه لن يمكنك أبدًا أن تكونَ وحيدًا في مصر، بل ستكون مصريًا بعد الشهيق الثاني وشطيرة الفول الأولى !

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب