قصة "عمر مزيف".. قصص قصيرة

نسيم النيل لا يشبه النسيم... يشبه ندى الصباح المتألق بِحُلَّة اليوم الجديد، تمامًا كتجدد مياهه العذبة.

أتعمّقُ بالنظرِ إليه كمن يغازل محبوبه.. يجذبني لونه القاتم المغاير للون البحر مع ضيق عرضه...

أشبَهتُه بخصر أنثى نحيلة !

أجلس مستلذة باعتيادية الحياة، الشوارع الواسعة وتشتت الناس فيها، والقواربُ التي ترسم خطوطًا خلفها وكأنها تجرّ أذيال الحرية.

أردت بلا أي أحداث عظيمة أو فريدة أن يتوقف الوقت، أن تتخلّد اللحظة، أردتُ احتضانَ الصورةِ وامتلاكِ المكان.

شعرتُ بدفء عاطفيٍ لا يشبهُ المناخيَ بحرارته أو رطوبته.

عشوائيةٌ جميلة، عشوائية مرتبة... يحوم الناس في دوائرٍ غيرَ مغلقةٍ لكنها مترابطةٍ بطريقة ما، يصيبك الفضول من انسيابية الحركة رغم كثرة الناس وتقاطع الخطوط بينهم دون أي اصطدام.

يرتبط النيل بالحب كما ترتبط الجنة بالأنهار، فيملأ المحبون ضفافه، وتمتلئ المقاهي بحب الأصدقاء، وأمتلئ أنا بحضور صديقتي الجميلة إكرام..

كانت تأخذ صورًا مع جمال النيل، ولحقيقة القول: إنها من كانت تمحنه جمالًا!

لا أنفي ما ذكرته سابقًا، لكن جمال النيل بعد اكتشاف واقعي له؛ يُرى ولا يوثّق... لأن جماله يكمن في نسيمه، في قواربه المتحركة والمضيئة ليلًا، في المقاهي المطلة عليه، يكمن في الناس المتبعثرة حوله (لم يلمسني جماله رغم كثرة الصور التي رأيتها له إلا عندما اختبرت تفاصيله بحاوسي)، لا يشبه نهر الأمازون المتكبِّر بجماله دون أي حضور بشري، بل يكمله تحوصل الناس حوله، ونسمات الليل العليلة منه والحب الفائض عنه.

يخترق هذا المشهد طفل صغير يصرخ بنبرة قوية في وجه رجل مكتمل الرشد..

لفتني صوت الطفل، وشدتني قوة حديثه وجرأة كلماته رغم صِغَر حجمه: "أنتَ يا عم، اركن بعيد من هنا علشان دا مكان بسطتي، الله يكرمك خليني اشوف اكل عيشي".

بدت كلمات تخرج من فم رجل بالغ واثق بنفسه!

رد الرجل بصوت بارد: "ابعد يلا كدا بلاش ابتلي فيك، هو شارع اللي خلفوك".

الطفل: "وربنا منا ماشي، المكان دا بتاعي، وربنا لو مرجعتش لكون مكسرلك عربيتك"

يستاء الرجل ويصر على موقفه بعدم الخنوع لمطلب طفل صغير، فيبدأ التزحزح للأمام بسيارته ببطء تفاديًا لأذية الطفل المتمسمر أمامه.

يضع الطفل كلتا يديه على السيارة وبشكل دراماتيكي مسيطر على الموقف: "ورحمة أمي دا آخر إنذار".

يتجاهل الرجل تحذير الطفل الغاضب ويكمل نصف شبر للأمام، حتى برأيي تكاد السيارة تحركت من مكانها، وإذ بالطفل يذهب مسرعًا ليحضر عصا طويلة مدببة من الأمام ويبدأ بضرب السيارة تنفيذًا لقَسَم الآخر إنذار الذي أقسمه.

فيندفع الرجل بغضب وجنون ليأخذ العصا من الطفل ويمسكه من قميصه بقوة، فيقرر الناس حينها التدخل لإفلات الطفل من قبضة الرجل.

وإذ برجل كبير في السن (عجوز) يخبر الرجل: "كبّر دماغك يا ابني، دا عيّل بيطعمي امه وخواته، شوفلك حتة تانية تركن فيها، الشوارع كتيرة".

يهدأ الرجل وأظن أن عبارة (بيطعمي امه وخواته) أحيت في نفسه الخجل من مجابهة طفل مكافح على بقعة صغيرة من عالم واسع.

يتركه الرجل بهدوء وصمت، ثم يتراجع ويركب سيارته ويذهب بانسحاب غريب وسريع.

وأترك أنا النيل والشوارع الواسعة، وأتمعن أراقب ذلك الطفل الشجاع الذي أدى دورَ رجل قوي صاحب كلمة واحدة، أكمل ترتيب بسطته البسيطة دونَ أي تفاخرٍ بانتصاره على رجل يكبُرُه بعقود، بدا وكأنه معتاد على مجابهة المتسلطين على تلك البقعة من أصحاب المقامات الرفيعة، بدا وكأنه يدرك أنّ أصحاب تلك المقامات ﻻ تعرف شيئًا عن الكفاح للانتصار بحق البقاء، وكأنه ﻻ يملك شيئًا سوى تلك البسطة الصغيرة، التي كاد أن يقايضها بحياته، التي ما زالت في مطلَعها..

فكّرت وتدبّرت بأمر الاعتياد على الانتصار وكيفَ يصنع الثقة والثبات في نفس المنتصر، كيف يمكن للانتصار أن يغدو صفة يتَّصف بها الإنسان، ولربما مهارة يكتسبها من مواجهات عدة يترك كلّ ندبٍ منها درسًا ثمينًا فيه.

ثم سَبَحتُ في أفكاري التي كادت ألّا تتركني لنهاية ذلك اليوم، كيفَ تمَّ صُنعُ تلك القوة بداخله! ما الذي فعلته والدته لتنشئ طفلًا رجُلًا ﻻ يهاب الغابة التي نعيش فيها!

كان الشارع يرمي أمامي بأطفال مشرَّدين كلّما كنتُ أحاور نفسي بأنّ الصعابَ تصنعُ الرجال، فرأيتُ طفلًا أمامي بعد مغادرتي للمكان بعمر ذلك الصبي يجلس منزويًا خائفًا متَّسخًا يستعطف الناس لصدقة تَسُدُّ جوعه، في حين ذلك الصبي يكدُّ بكل عنفوان وكبرياء رافعًا كرامته أعلى ورافضًا الانحناء لسطوة الحاجة والفقر!

ما السرّ الذي صنع كلَّ تلكَ المفارقة! ما المختلف وأين يكمن الاختلاف ! انهالت في عقلي تلك التساؤلات حتى حجبت الصورة من أمامي.. فشرَد ذهني عن موطئ قدمي...

مشيتُ بخطوات سارحة في شوارع القاهرة المتنوعة والمزدحمة، ولقد ساعدني في الحقيقة ذلك التنوع على رصد عدة إجابات من أرضيات مختلفة لكيف تُصنَعُ القوّة، فوَجدتُ أنَّ القوة هي أحد ثمار الحب، وتفسد إن بالغ الساقي بريّها..

ورأيتُ أنّ المسؤولية المصحوبة بالعقل والسببية تُشكّلان قاعدة صلبة من المتانة والمرونة معًا..

ورأيتُ في بعضِ الأحياء أنّ القوة مُعدية، إن أنتَ صاحبتَ قويًا... اتَّبعتَ خطاه والتقطت تلك الكيمياء المثيرة دون أن تدرِكَ ذلك، تدفعك الغيرة لمحاكاة ما تراه فَللقوة جاذبية ﻻ تُقاوم وسلاح ﻻ ينضُب وﻻ يخون أبدًا.

ورأيت بالفعل ما كنتُ أخمّنه نسبةً لاختلاقه بداخلي لذات السبب، رأيت أن القوة تُخلق عند الشعور بالظلم والاضطهاد، فينفجر الإنسان لنفسه وعلى صبره وسكوته، فينفجر ويخرج من ذاته إنسانٌ آخر ﻻ يقبل له الظلم وﻻ يسمح للضعف بداخله مكان.

رأيت بصورة طردية أنّ الإنسان كلَّما أحبَّ نفسه وفهمها، وقفَ لها وحصَّنها كدرعٍ متين يحمي صاحبه من هجمات وضربات الحياة وسكّانها، وعدتُ لأعمّم أنه "ﻻ وجود للقوة دونَ وجود الحب" هما وجهان لعملة واحدة.

ثمّ عدت أدراجي وعاد ذهني وسط ضوضاء رقيقة يستضيفها قلبي وﻻ يمقتها كباقي الأصوات، فالطبيعة تُحدّثني دائمًا بأصواتها التي تحمل صورًا وتحكي قصصًا.. وأستمع أنا لها بحب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب