قصة "سجن الزمن".. قصة قصيرة

فريد.. الباحث بقسم الفيزياء النظرية بالمركز القومي للبحوث، والمهتم بفيزياء الكم وأساليب استغلالها لخدمة الإنسانية، يجري محاكاة على جهاز حاسب آلي كمومي للتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، ليتمكن هو ومجموعة من أصدقائه وهم حسام، وعلي، وحاتم، وإسماعيل من السفر عبر الزمن بواسطة الواقع المعزز augmented reality.

وتمكن من هذا الأمر بربط عقولهم بالحاسب باستخدام الترابط الكمي، بتوجيه شعاع ذري لعقولهم، جزيئاته مترابطة كموميًّا مع جزيئات البرنامج المبرج على الحاسوب، ليسيطر على مناطق الإحساس "السمع، والبصر، واللمس" لديهم، ليعيشوا هذه التجربة المثيرة.

وبعد أن انطلقوا في تلك الرحلة المثيرة ووصلوا لنهايتها التي قرر أن يصل إليها بواسطة البرنامج المبرمج على الحاسوب

حدثت لهم حالة رهيبة من الهلع والرعب، كادت أن تصيبهم بلوثة عقلية، أو أن يفقدوا حياتهم، ولكنهم نجحوا جميعًا في التماسك وعدم الانهيار.

فلقد شاهدوا الأماكن التي شاهدوها في أثناء رحلتهم تقترب منهم بكل تفاصيلها بعد وصولهم لمكان النهاية، كقطار ينطلق بسرعة كالطلقة نحوهم، وهم يسمعون كلامهم والأصوات التي كانت تحيط بهم من لحظة انطلاقهم، ليخترقهم ويذوب بهم.

أو كمن يرى مرآة لا يستطيع رؤية حدودها، وهي تنطلق نحوه بسرعة رهيبة فتخترقه وتندمج به.

وفجأة يجدون أنفسهم قد عادوا إلى المكان نفسه الذي كانوا به بمعمل فريد قبل هذه الرحلة العجيبة.

ولأن طبيعة إسماعيل أنه يتصرف بحماقة عند الغضب، يضرب المنضدة الموضوع عليها الجهاز بقدمه فيتأوه من شدة الضربة، بعد أن توقفت التجربة وعادوا لغرفتهم، ويتركهم وهو يعرج بسبب الألم الذي أصاب رجله من ركله الجهاز

ثم انهال عليهم بالسباب، وهو يخرج من المعمل متجهًا لباب الشقة ليتركهم، وبعد أن أنهى وصلة السباب يقول لهم بصوت عالٍ وهو يخرج من باب الشقة:

-لا تحاولوا الاتصال بي مرة أخرى نهائيًّا.

وعندما يقوم حاتم ليمنعه من الانصراف يقول له حسام دعه يرحل، وبعد أن يخرج إسماعيل ويغلق الباب بعنف، يقول حسام لحاتم:

-إسماعيل إنسان طيب وبعد أن يهدأ سنطيب خاطره.

ثم ينظر لفريد ويسأله: المسافة التي قطعناها لم تكن طويلة، هكذا شعرت بها، فالرحلة لم تستغرق وقتًا طويلًا.

فيقول فريد وهو يبتسم: إن هذه الرحلة قطعناها في زمن أكبر من واحد على مئة ألف من الثانية.

يبلع ريقه ويواصل: أي إن ما قطعناه نحو 3 كيلومترات تقريبًا، وبسبب السرعة العالية جدًّا لم تشعر بطول المسافة.

ويستطرد وهو يبتسم: أنا سأنفذ تجربة أخرى الآن.

فيقول علي: ولماذا تجري هذه التجارب؟

فيقول فريد: لأثبت أن الإنسان مسجون في الأبعاد الأربعة التي سماها أينشتاين بالزمكان في نظريته النسبية العامة، ولا يمكنه الإفلات منها لخارجها، وان لكل منا زمنه الخاص الذي يتحرك داخله، ولا يمكن تجاوزه كقضبان القطار، ويسير عليها كالقطار له محطة انطلاق ومحطة وصول، والتجربة التي سأنفذها الآن ستثبت هذه الحقيقة.

فيقول حاتم بحزم: لن أخوض معك تجارب أخرى.

يضحك فريد ويقول: هذه التجربة لن أنفذها على أي إنسان لخطورتها.

فيقول حسام: وما هذه التجربة؟

ينظر له فريد ثم يتجه لأحد أركان المعمل ويقول:

- سأجري محاكاة العودة للماضي السحيق، وتأثيره في الكائنات الحية، لأثبت هذه الحقيقة التي أؤمن بها.

يتابعه حسام بنظراته وهو يحمل صندوقًا كان موضوعًا أسفل منضدة، عليها روبوت صغير في الركن الذي اتجه إليه، يساعده في صنع المشروبات المختلفة ليقدمها لضيوفه، ويعود به وبداخله فأر ويقول:

-وما تلك الحقيقة التي تؤمن بها؟

يضع فريد الصندوق الموجود به الفأر على الأرض أمامه، ويقول:

-بداخلي قناعة تصل لحد اليقين أن الكائن سيصغر في العمر حتى يعود جنينًا ثم يعود للعدم.

فيقول علي وهو ينظر للفأر الموجود بالصندوق ويقول وهو يشير له:

معنى هذا أن هذا الفأر لن يستطيع أن يتخطى زمن ولادته.

يقول فريد وهو ينحني ليخرج الفأر من الصندوق: بكل تأكيد.

فيقول حسام: معنى هذا أن مفارقة الجد في رواية "ناثينال شاكنر" مفارقة غير سليمة، فلقد قرأت هذه الرواية منذ مدة.

- بكل تأكيد.

فيسأل علي: وما مفارقة الجد؟

فيقول حسام: هي رواية خيال علمي إذ يرجع المسافر في الزمن إلى الماضي ليلتقي جده قبل تعرفه على جدته، ثم يقتله، وبذلك لا يولد المسافر للماضي، لكن إن لم يولد فكيف سافر إلى الماضي ليقتل جده؟

ولا تقتصر المفارقة على منع الشخص ميلاد نفسه فحسب، بل تحصل في كل حدث يؤدي فيه السفر إلى الماضي إلى انعدام سبب السفر في المقام الأول.

فيقول حسام: ومتى ستبدأ؟

يقول فريد وهو ممسك بالفأر: الآن..

ويشير للفأر بيده الأخرى التي لا تمسك الفأر، ويردف:

-هذا الفأر عمره تقريبًا عام ونصف، أي في نصف عمره تقريبًا، فالفئران لا تعيش أكثر من 3 أعوام على الأكثر.

يقولها وهو يربطه كموميًّا بالحاسوب، بتسليط شعاع ذري عليه، وما إن يبدأ التجربة حتى يختفي الفأر من أمامهم في التو.

يفتح فريد شاشة حاسوب آخر ويقول: هنا سُجلت التجربة، وعندما شاهدوا زمن الفيديو وجدوه يوازي عامًا ونصف العام، وهو الزمن الذي عاشه الفأر، وعند تشغيل أجزاء متفرقة من التسجيل، قال فريد لهم:

-هذه المشاهد جزء من تجاربه في ماضيه.

فيقول حسام: هل يمكن أن تعيده؟

يضحك فريد ويرد عليه: لقد أصبح عدمًا فكيف أُحييه مرة أخرى، فبمجرد تخطي يوم مولده عاد إلى العدم، ثم ينظر لهم ويقول حان وقت التجربة علينا.

فينظر له حاتم في هلع ويقول: هل تريد أن تقضي علينا؟

فيقول فريد والكل ينظر له في دهشة مما قاله: لن نصل في رحلتنا لمرحلة العدم سنعود لعشرة أعوام للخلف، وسنرجع سالمين إن شاء الله بعد أن نخوض هذه التجربة.

ولكن الكل يرفض خوض هذه التجربة فيقول لهم محفزًا: لكل واحد منكم أخطاؤه لو أنه عالجها وقتها، ربما كان حاله أفضل الآن، فلم لا نعود ونصلح تلك الأخطاء؟ ألا تتمنون أن تحسنوا حاضركم ومستقبلكم؟

ينظرون له وعيونهم ترفض هذه التجربة تمامًا، فيقول لهم: لقد برمجت الرحلة للذهاب والعودة ولن تطول فلا تخافوا، سنبقى في المدة الزمنية التي سنذهب لها مدة ساعة لنُصحح أخطاءنا ونعود فورًا.

فيقول علي: أنا معك.

ينظر حسام له ويقول: هل تجازف بخوض غمار هذه الرحلة بعدما حدث بالرحلة الأولى.

يقول فريد لهم مطمئنًا: هي رحلة جميلة ومفيدة، فنحن سنعود للماضي مدة ساعة وسنعود بعدها، ألا تحنون للماضي في خيالكم وتتمنون أن تعودوا له؟

في النهاية يقنعهما إلا حاتم الذي أصر على عدم خوض غمار تلك الرحلة الغريبة.

فيقول فريد وهو يوجه جهاز الإشعاع الذري عليهم:

-هيا لنبدأ التجربة، فيقول حاتم له وهو يمنعه من تسليط شعاع الليزر عليهم: لقد ذهبتم وعدتم.

يقول فريد له في غضب:

-ليس معنى أنك خفت من الذهاب معنا أن تمنعنا، وتحاول إيهامنا بأننا ذهبنا وعدنا.

فيضغط فريد على زر تشغيل تسجيل الحاسوب الذي سجل رحلتهم وهو لا يزال ممسكًا بيد فريد لمنعه من تسليط الجهاز بالأشعة الذرية عليهم، فيرون أنهم خاضوها وعادوا فعلًا.

لقد شاهدوا فريدًا وهو يسلط الشعاع الذري على عقولهم، فينتقلون للمرحلة الزمنية المبرمجة، فيعيشون الساعة التي كان مقررًا أن يبقوها بالبرنامج كما عاشوها في الماضي ونسوا أنهم داخل تجربة، وبعد أن انقضت الساعة عادوا.

يقول حاتم بدهشة لعدم إدراكهم انهم سافروا للماضي وعادوا:

-لماذا تذكرنا رحلتنا المرعبة التي عشناها سويًا من قبل؟ وأنتم الآن تنسون رحلتكم التي سافرتم فيها للماضي؟

ينظر له فريد وهو في حالة تفكير عميق محاولًا أن يجد تفسيرًا لهذه المعضلة، ثم يقول وهو حالة من عدم التركيز وهو يضغط على الحروف وهي تخرج من فمه:

-أعتقد أن الرحلة الأولى كانت في مدة قصيرة لهذا شاهدنا الماضي وهو يخترقنا في مدة قصيرة، أما في الرحلة الثانية فكانت عودة إلى مسافة كبيرة جدًا في الماضي، فأدركنا الماضي وهو يخترقنا كأننا نعيشه، فالزمن يتحرك فينا فيغيرنا ويغير خبراتنا وأفكارنا وأشكالنا.

كاتب روائي وقصصي صدر له ثلاثة أعداد من سلسلة سر المركبة وهي: العدد الأول: جدث بأرض غير الأرض، العدد الثاني: من البعد الخامس، العدد الثالث: سر التعويذة الفيزيائي

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب روائي وقصصي صدر له ثلاثة أعداد من سلسلة سر المركبة وهي: العدد الأول: جدث بأرض غير الأرض، العدد الثاني: من البعد الخامس، العدد الثالث: سر التعويذة الفيزيائي