قصة "درب الجحود".. قصص قصيرة

في إحدى القرى النائية التي تبعد عن العمران، وعن الحياة المدنية الحديثة مسافات كبيرة، تجمَّع أهل القرية يتساءلون ويتشاورون عما يجب فعله، بعد وفاة شيخ كبير من شيوخ القرية.

تجمعوا حول زوجته، تلك العجوز التي كانت تعارضهم وبشدة، وهي تقول لهم بكل هدوء ونبرة حزينة وبملامح منكسرة: إكرام الميت دفنه، ولا تنتظروا أن يأتي؛ فلن يأتي. 

وبعد طول نقاش بينهم وافقت العجوز ذات الملابس البالية التي أكل عليها الزمان وشرب، وافقت على الإرسال إليه وإخباره، على يقين منها بعدم حضوره لمراسم الغسل والدفن.

أتمَّ أهل القرية الغسل ثم الصلاة على الميت وانتهوا من إكرام ميتهم. ووقف شيوخ القرية يستقبلون العزاء من أهل القرية والقرى المجاورة.

وكعادات أهل القرى تجمعت نساء القرية يفترشن الحصير ويجلسن عزاءً للأم العجوز يواسينها في مصابها.

 وفي الجزء الأخير من النهار انتبه كثير من أهل القرية رجالًا ونساءً إلى سيارة فاخرة لم يعهدوا بمثلها في قريتهم قط.

 توقفت السيارة بعيدًا نسبيًّا عن تجمع العزاء؛ فقد ضاق المكان بحجم تلك السيارة الفاخرة.

نزل منها شاب ثلاثيني يمشى فخورًا بنفسه وببذلته التي أتقن صنعها محترف في صناعة الأزياء.

تعجَّب الشيوخ وتساءلت النساء: مَن هذا الذي يمشي وكأنه وزير.. مَن هذا الذي يأتي عزاءً لنا ونحن لا نعرف مثل هؤلاء القوم في قريتنا.

تحوَّل العزاء إلى نقاش بين الرجال في جانب وتساؤلات بين النساء في جانب آخر عن تلك الشخصية الغريبة عن قريتهم.

إلى أن انفجرت العجوز لإسكاتهم جميعًا؛ فهذا عزاء وليس مولدًا من موالد القرية.

قامت العجوز متجهة إلى داخل دارها الخالية تمامًا من مقومات الحياة الآدمية. دار من الدور القديمة من الطوب اللبن بها موقد من الطين يُسمى في القرى بالكانون. مصباح كهربائي قديم يتجمع حوله الناموس والذباب من كل جانب. جلست العجوز على تلك المصطبة الطينية، في حين يدخل عليها الشاب حديث القرية في تلك الساعة.

نظرت إليه العجوز قائلة له بلهجة لاذعة: إياك أن تظن أني أرسلت لك كي تستقبل العزاء، ولولا أهل القرية وشيوخها ما وافقت على تبليغك خبر وفاته. أما أنا فلا أريد رؤيتك حتى في منامى أو في خيالي. جميع أهل القرية يتساءلون عنك ومن تكون؟ كنت موضع اهتمام الجميع بدلًا من الالتزام بمراسم العزاء.

لفتت انتباههم بذلتك الأنيقة وسيارتك الفاخرة، وظنوا أنك وزير، وأنك ذو شأن كبير. ولكني أجبتهم بأنك غريب، وبذلتك هذه تواري خلفها كثيرً وكثيرًا.

كنت أرغب في الصراخ وأخبرهم بأنك ولدي الوحيد وأفتخر بك وبتلك الهيئة الشامخة، ولكن عصاني قلبي بقسوة قلبك، وخرس لساني عن نطق الكلام.

قل لي يا ولدى: هل قدمت العزاء في أبيك؟ ومن استقبله منك، شيوخ القرية؟

جئت إلى العزاء وكأنك غريب مثلهم، وجئت وحدك دون أولادك وزوجتك حتى يحضروا عزاء جدهم؟ هل استأذنتها بأنك ستذهب كي تقدم واجب العزاء في أبيك؟ 

بدلًا من استقبال العزاء تكون أنت المعزِّي؟! أنت ولده الوحيد؟! واحسرتاه على ما أنجبت أحشائي.

ولكن كيف تعرف الأصول، بعدما سلخت جلدك وتركتني وأباك في هذا الفقر بعد رعايتك صغيرًا وتعليمك حتى كبرت.

سأسألك وعليك الإجابة، فإن أجبتني أرحت قلبي:

هل أخطأنا معك وهل قصرنا رغم فقرنا؟

انظر إلى تلك المهلهلة التي أرتديها. بل انظر إلى جلباب أبيك أيضًا المهلهلة الأخرى. لم يمس جسده جديدًا إلا الليلة حينما ألبسوه الكفن وأنا أيضًا من بعده. دعك من هذا فلن يفيد.

هل غسَّلت أباك وهل عطرت كفنه بما كان يتمنى من العطور؟

هل وقفت تستبرئه من ديونه أمام الناس وتصلي عليه الجنازة كما كان يتمنى؟

هل دعوت له حين دفنته كولد صالح بار به، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة؟

هل أرحت في القبر جثته؟ هل سألت الله أن يرحمه برحمته؟

هل وقفت في مقدمة الرجال تستقبل عزاء أبيك؟

هذه هي الأصول التي لا تعرف عنها بعد انسلاخك منها.

 جلس الابن على ركبتيه أرضًا يبكي، وكأنه أحس بالندم والتقصير حين تركهم في هذا الفقر الموجع، ليتنعم هو في الثراء والغنى مع من تزوجها.

نظرت إليه العجوز سائلةً وهى تهزئ. أتبكي؟ أتبكى يا ولدي؟ قم حتى لا تتسخ بذلتك الفاخرة. 

لماذا تبكي؟ هل تبكي عليه؟ هل كنت ترد على مرساله يومًا، وتهتم به وهو حي حتى تبكي عليه اليوم؟

اليوم تبكي؟ الأولى من الجفاء كان عليك بره.

أرسل إليك رزقه ولقمته من أجل تعليمك وأنت بالجفاء والقسوة تزيد في طعم مره. 

كان يريدك بعد الشقاء سندًا وعكازًا له، كان يريد أن يفتخر بك بين أهله وجميع من يعتز بهم.

بنينا بيتًا للأسف حيطانه مكشوفة، بيت بيبانه مغربلة، أساساته مهزوزة.

رجونا فيك عز أنفسنا فأسقيتنا كاسات من الذل. حتى من كان يمرض فينا يومًا لا تسأل ولا تهتم.

كنت الرجاء طوال عمرنا، حزمة سنين ندعى الله بالولد ونقول آمين. بعد السنين اتحققت رؤيته وأنا حبلى فيك. كان زرعه يصل إلى السماء لكن دون الظل.

ارحل يا ولدي.

ارحل يا ولدي لدنيتك والخوف عليك. أنا هنا بين الأهالي والجيران والدار أمان. 

بنام هنا على فرشتي عايشة في أمان. أصل الأمان لما تلاقي مخدتك إنك تنام. تفرش حصير على مصطبة أو حتى بيت من غير بيبان. المهم إنك تنام.

ارحل يا ولدي وأنا هنا مع حسرتي. جلباب رفيقي وسبحته ونيس لقلبي في وحدتي.

واعلم يا ولدي. درب الجحود ملآن شقوق. ليل طويل ودون شروق. ومن سلك درب الجحود رد فعله عليه يعود.

 

ارحل يا ولدي لدنيتك ولا يوم تعود. وإن سمعت إني بموت، إياك تخاف. وصيتي لأهل البلد يوم دفنتي. لا يزعجوك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

نوفمبر 5, 2023, 12:37 م

جميله جدا

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

نوفمبر 5, 2023, 7:27 م

تحياتي

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب