قصة "حماقة شعرية".. قصص قصيرة

هاتفتني في العاشرة مساءً، كنتُ أسمع دقات قلبها وأحسب أن هذه هي المرة الأولى التي أسمعها تتحدث بحماس بالغ، أخبرتني أن إدارة ساقية الصاوي وجهوا لها دعوة؛ لتلقي بعضًا من أشعارها.

حثتني على ضرورة الحضور ومشاركتها الأمسية الشعرية الأولى لها، والتي من الممكن أن تكون الخطوة الأولى في طريقها نحو الشهرة.

تحمستُ كثيرًا وهاتفت ليلي لنذهب معًا، كانت ليلى تعاني ألماً في معدتها، لكنها تخشى الأطباء وتهاب الفحص، لهذا قررت أن تلجأ إلى الوصفات الطبيعية لتخفيف الألم، لكني في قرارة نفسي أشك في تأثير تلك الوصفات العشبية، لكن ليلى كانت تتحدث عن كوننا ننحدر من نسل الفراعنة، الذين استخدموا الأعشاب والنباتات للتداوي، لم أشأ أن أجادلها، ما دامت تثق بالعشب فليكن، خاصة بعد أن أرغمتها على الذهاب للطبيب، وكانت النتيجة أنه أعطاها الكثير من الأدوية التي لم تشعرها على حد زعمها بالتحسن، وكيف ستشعر بالتحسن وإذا كانت رفضت الدواء من أول جرعة وراحت تبحث عن الأعراض الجانبية

حدثتني ذات مرة أن ضرسها قد كُسر، غير أنها لم تذهب للطبيب لإصلاح الكسر ،لكنها اعتمدت على قوتها الروحية واستطاعت أن تتغلب على الألم.

كنتُ متشوقة كثيرًا لرؤية مي وهي تلقي كلماتها على الملأ، وكيف لا والليلة مخصصة للشاعرات، وأحسب أن مباراة حامية الوطيس ستكون بين بنات حواء لإثبات وجودهن، لا أعلم بعد أي قصيدة ستختار، لكني أتمنى أن تترفع عن القصائد التي تسب فيها معشر الرجال؛ فمي منذ فسخ خطوبتها هي وخطيبها عمرو، لم تكتب سوى قصائد الهجاء، لم تكن مي على وفاق معه في أغلب الأحيان، وكانت تكثر الشكوى من فظاظته وعدم تذوقه للشعر ولا حتى الأدب بوجه عام.

أعتقدُ أن دراسته العملية قد أثرت في فطرته الطبيعية في التذوق، أو أن شأنه كأغلب الرجال، لا يميلون إلى الشعر ولا الروايات، إن عاجلًا أم آجلًا كنتُ أعلم أن مي ستتركه ولم أتفاجأ أبدًا بقرارها، بل كنت على يقين من حدوث الأمر، وعلى الرغم من أن عمرو لم يطلب الانفصال منها، لكن تسببه في مقتل كلبها الأليف "عنتر " عقب دهسه بالسيارة؛ لأنه كان في طريقه لمشاهدة إحدى المباريات، هو ما عجل في قرارها بشأن الانفصال، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومن وقتها وجعلت منه هدفًا في قصائدها، أذكُر أن مجموعتها الشعرية الأولى كانت بعنوان "تبًا لمعشر الرجال فإنهم حقًا بغال".

وصلنا قبل الموعد بساعة كاملة، تبرع أخي بتوصيلنا، لكنه بعد أن استمع لأول شاعرة، لم يطق الانتظار، وأخبرني أنه سيأخذ جولة في المكان ريثما تنتهي مي من إلقاء أشعارها، فأخي من ضمن الفئة التي لا تحبذ سماع الأشعار، وخاصة تلك التي تهتم بمهاجمة الرجال.

شُغلت ليلى بالألم الذي داهمها بعد أن كانت بدأت في الشعور ببعض التحسن، عقب مداومتها على شرب مغلي الشيح في الصباح والتين المجفف المنقوع في زيت الزيتون في المساء، وعندما استفسرت قالت: إن كلتا الثمرتين في القرآن الكريم لهذا فهما مباركتان

أكدت لها أنهما بالفعل مُباركتان، لكن هَذا لا يعني بالضرورة أنهما سينفعان في علاج مشكلات القولون العصبي أو ألم المعدة، نهرتني وقالت إنها بصدد اكتشاف سر هذه الوصفة وأنها حصرية، بعد أن أخرجت هاتفها، حسبتُ أنها ستتصل لتحجز موعداً للفحص وستترك بحثها عن سر الوصفة، لكن تفاجأت بأنها تبحث عن شيء آخر من الطبيعة لعلاج آلام المعدة والقولون.

أعلمُ أن الطبيعة الأم لها فضل على البشرية من حيث الغذاء وتنقية الهواء، لكن عصرنا الحالي استجد به بعض الأمراض التي تحتاج العقاقير الطبية والمستشفيات لا التين والشيح، أخبرتها أن تركز في الأشعار لكنها لم تكن مهتمة، وأخرجت زجاجة تحتوي على مغلي الشيح وشُغلت في الهاتف، بعد نحو الساعة أُعْلِن عن مي وأخذت تلقي كلماتها، ساد الصمت المكان وتركت ليلى الهاتف وأخذت تصفق بحرارة شديدة لتشجيع مي، وأخذت مي تلقي كلماتها التي بدأتها بـ:

حمقى وإن لَبسوا الثياب ** حمقى وإن أكلوا الكباب

يزينون لك الكلام لكن طباعهم الهباب 

متعطرسون مُتكبرون شكى خمولهم الذُباب 

لا يُحسنون سوى ركل الكرات أو السباب 

يا من دهست الكلب عُنيتري أنت سفاح مُعاب

حقيقة كنتُ أتمالك نفسي لكي لا تخرج مني الضحكات، وتمنيتُ لو استطعت إخراج هاتفي حتى أُشغل عن سماع تلك الكلمات، كنت أحاول جاهدة أن تبدو ملامحي جادة وأتظاهر بالإنصات، لكن الكلام كان فكاهيًّا لدرجة لا يمكن وصفها، كم أنت أحمق يا عمرو! فأنت من تسببت في كل هذا.

أخيرًا أنهت مي قصيدتها العصماء، وصفقت ليلى وجمع من الشاعرات اللاتي استحسن قصيدة مي، عقب فراغ مي انضمت إلينا وسألتي عن القصيدة، فأخبرتها أنها ملهمة وخاصة الجزء الذي طالبت فيه باعتقال الرجال جميعًا ونفيهم خارج الكوكب، اتصلت بأخي لنعود إلى المنزل عقب تلك الأمسية الشعرية الرائعة، التي انتهت بأكل المثلجات.

في الطريق فتحنا باب النقاش حول ألم ليلى، تفاجأ أخي من طريقة تفكير صديقاتي المقربات غير أنه أخبر ليلى أن الوصفة لم تجدِ نفعًا لكونها لم تطبقها كاملة، وعندما استفسرت أخبرها بضرورة أن تأكل التين وزيت الزيتون على جبل سيناء.

دمتم بكل ود.

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة قصص قصيرة و مقالات متنوعة إخبارية و علمية وتربوية و في مجال الطب و التجميل على عدة مدونات عربية مثل رواد المتوسط التونسية ،و مدونة رحالة في تاوي المصرية، و على مدونة أنامل عربية اللبنانية، ومنصة حلا لقصص الأطفال. كاتبة محتوى لقناة مطب علمي و قناةعوالم ماورائية على يوتيوب، حاصلة على منحة هيئة التبادل العلمي الألمانية DAAD. khashabaasmaa@gmail.com