قصة "حدث في حلب".. قصص قصيرة

كغيرهما من كثيرين من البائسين الذين اضطرتهم ظروف الحرب إلى ترك بيوتهم على أمل العودة في أسرع وقت، فمضت أيام وشهور وسنوات وهم ينتظرون وآمالهم معلقة بالمجهول، كانت فاطمة وزوجها يشقان طريقهما في أحد الأحياء التي قُدر لها أن تشهد أتون الحرب، فأقفرت تمامًا وباتت خالية موحشة بلا روح.

كان هذان الزوجان متجهان نحو بيتهما ليستقصيا إذا كان لا يزال قائمًا ليظفرا ببعض ما تبقى فيه من حاجاتهم الأساسية أو ليدفنا معه أمل العودة إليه...

ولم يكادا يخطوان عدة خطوات وإذ بالزوج يسقط أرضًا وقد خرجت أمعاؤه من مكانها، إنها رصاصة قناص غادرة اخترقت بطنه، وقبل أن تستفيق الزوجة من هول الصدمة انطلقت رصاصة أخرى.

 فتمالكت نفسها وسحبت زوجها إلى أقرب بناء وبحكمة يندر وجودها في مثل هذا الموقف أدخلت أمعاءه داخل بطنه، وخلعت بنطالها، ولفته حول بطنه لتغلق جرحه علها توقف بذلك نزفه، ربما لم يكن لديها أي أمل في إنقاذه ودماؤه تنزف بشدة، لكن كل ما كانت تفكر به أنها يجب ألا تتركه هكذا يموت دون أن تفعل شيئًا، حتى لو كان الحفاظ على جسده قطعة واحدة متكاملة.

أما الزوج فقد قال لها إنه ميت لا محالة، وأوصاها بأطفالهما، وأخبرها أنها يجب أن تغادر المكان فورًا وتتركه لمصيره المحتم، كيف لها أن تتركه وتذهب وهو لا يزال حيًّا، والقناص ذاك الذي لم يَبق له من إنسانيته سوى الاسم قد وجد تسلية تزيل رتابة الانتظار، انتظار فريسة ولتكن من تكون، قد أطلق لبندقيته العنان، فلم يعد يوجد مجال للخروج، وكل محاولات طلب النجدة باءت بالفشل، كيف لا والقناص بالمرصاد؟

بقيت فاطمة تنتظر عدة ساعات وشبح الموت يحوم حول زوجها حتى حل الظلام، هنا قررت أن تحمل زوجها وتخرج، وهذا ما كان، أخذت تتلمس طريقها في الظلام وقد أثقلها حملها، فلم تستطع أن تتابع، فوضعت زوجها على الأرض.

أخذت فاطمة تستجمع قواها وقد أنهكها التعب، جالت ببصرها وعلى نور خافت آت من بعيد، استطاعت أن ترى أغطية ملقاة على مقربة منها فخطر لها أن تضع زوجها عليها وأخذت تسحبه ببطء، كان الطريق إلى أقرب نقطة للجيش بعيدًا بالنسبة إليها، واضطرت لتبديل الغطاء الذي تضع عليه زوجها أكثر من مرة؛ لأنه كان يتمزق من احتكاكه بالأرض، وزوجها يستيقظ من غيبوبته لحظات ليهذي بوصيته، ثم يعود إلى السبات إلى أن اقتربت من حاجز الجيش، فلم يتبينها الجنود في الظلام بادئ الأمر فأشهروا بنادقهم إلا أنها سارعت بطلب النجدة، فلما شاهدوها وزوجها تعجبوا منها أشد العجب وأخبروها باستحالة نجاة زوجها، إلا أنها أصرت على نقله فورًا إلى المشفى، كأن شعورًا قويًا داخلها يخبرها أنه سينجو.

في المشفى أجريت له عمليات جراحية معقدة قُصت فيها أجزاء من أمعائه التي تمزقت، وقد أخبرها الطبيب أنها ساعدته كثيرًا بما فعلت.

نجا زوج فاطمة ليعيش عاجزًا عن العمل، وقد دفعت نفقات علاجه من ثمن قطعة ذهبية كانت كل ما بقي لديها، وهي تعمل الآن لتعيش هي وزوجها وأولادها، وقد حمدت الله كثيرًا على نجاة زوجها الذي حمل لها حسن صنيعها، وطالما أخبرها أنه ما من امرأة تفعل فعلها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب