قصة "بيت من زجاج".. قصة قصيرة

رنَّ المنبه الذي بجانبه فأسكته وكأن بينهما عداوة، تقلَّب في فراشه بعض الشيء، حينها نظر ناحية شِماله فَصُعِقَ مما رآه، فنهض فَزِعًا وارتدى ملابسه بسرعة البرق وغادر غرفته.

صديقنا اليوم يكاد ينطبق عليه المثل القائل: عليه عاقبة سيئة؛ لأن ما قام به قبلاً هو من استيقظ هذا اليوم ويريده أن يُسَدِّد كل الدَّيْن الذي عليه، لكن قبل أن نتطرق لماضيه دعونا نشاهده وهو يعيش حاضره هذا الحاضر الذي نزل عليه من حيث لا يدري، فقد رأيناه فزعًا بمجرَّد استيقاظه لأنه حين فتح عينيه شاهد أحدهم وهو جالس قبالة سريره ينظر إليه مبتسمًا، ففرك عينيه معتقدًا أنه يحلم لكن الرجل لا يزال يُحَدِق به.

أسرع إلى المطبخ فوجد زوجته والولدين يتناولون الفطور، فسألته الزوجة عن حاله، ولماذا عينيه جاحظتين، وكأنه رأى شبحًا فلم يرد عليها، وعاد مرَّة أخرى لغرفة نومه والرجل المحدق المبتسم لا يزال جالسًا على طرف السرير.

صديقنا أدرك أن وحده فقط بإمكانه رؤية الرجل ولا أحد غيره، فآثر الصمت لكيلا يُتَّهَم بالجنون، فأسرع لارتداء ملابسه، ناولته الزوجة فنجان القهوة فسقط من يده أرضًا وغادر المنزل..

استغربت زوجته من تصرفاته، لكنها سرعان ما عادت إلى المطبخ لتضع الأكل في العلبة من أجل الولدين على سبيل اللَّمجة التي يتناولانها وقت الراحة بين حصص الدروس.

أما هو فقد عرّج على القهوجي واشترى كوب قهوة وشطيرة، واتجه صوب باص العمل الذي غالبًا ما يتوقف عند الناصية ليحمل العمال لمصنع البسكويت، والذي تسترزق منه العديد من الأسر، وطول الطريق وصديقنا يلتفت ذات اليمين وذات الشمال علَّه يرى ذلك الذي استيقظ على وجهه المبتسم لكن بدون جدوى..

فحَدَّث نفسه أنه ربما الإجهاد الذي تعرَّض له خلال اليومين الماضيين هو السبب فقد عمل وزملاؤه لساعات إضافية من أجل طلبية كان لا بدَّ أن تُسَلَّمَ في موعدها المحدد.

وعند عودته في المساء وكأني به نسي ذلك الرجل، فدخل المطبخ ليجد زوجته تتحدث عبر تلك اللوحة الإلكترونية، وهي حاملة لصينية تجهزها لتدخلها إلى الفرن، فأشار إليها بأنه يتضور جوعًا فأومأت برأسها بأن الأكل سيجهز بعد قليل.

اتجه لغرفة الأولاد فوجدهما مستغرقان بلعبتهما التي تجعلهما يصرخان ويحطمان الأشياء، وهي لعبة قتال أدمنا عليها منذ مدة، والسبب هو أن والدتهما حين كانا يزعجانها تلهيهما بها، والتي أضحت كالمخدر بالنسبة لهما، فأصبحت أسرة صديقنا أشبه بالنزل الذي خصص فقط للاستراحة، أما ذلك الحوار والجلوس حول الطاولة لمناقشة النقاط المشتركة، فهو من الأمور التي لا تفقهها هذه الأسرة.

نعود لصديقنا فمجرَّد أن دخل الغرفة وجد أمامه الرجل وقد بدأ الموضوع يأخذ منحنى آخر، فأراد أن يحدثه فلم يستطع مخافة أن تسمعه زوجته، فاقترب منه وهمس له:

من أنت وكيف دخلت للمنزل؟ وماذا تفعل في غرفة نومي؟

نظرة محدقة وابتسامة أعرض من سابقتها هي جواب الرجل!

أريدك أن تغادر غرفتي حالاً وإلاَّ استدعيت الأمن، قالها صديقنا بصوت عالٍ.

وما هي إلا لحظات وتترك الزوجة ما بيدها وتدخل عليه الغرفة فتجده يصرخ وهو ممسكًا بالوسادة وحشوة الصوف التي كانت داخلها متناثرة في جميع أرجاء الغرفة، فصرخت في وجهه وهي تقول له هل عادت النوبات إلى الظهور من جديد؟

غدًا علينا أن نزور معالجك النفسي، فقد تخلفت عن العديد من الجلسات وها هي النتيجة، لقد جعلتني أقطع اتصالي المباشر مع مشتركاتي وعليَّ أن أعيده غدًا.

الآن أستطيع أن أتحدث عن الماضي الذي استيقظ فجأة لصديقنا، وبات يلاحقه حتى إلى غرفة نومه، لقد كان مُعْتَدٍ ونَّمَّام وهاتكًا للأعراض، فأضحت تلك الخصوصية المنتهكة التي لطالما مارسها وهو عازب تلاحقه حتى إلى غرفة نومه لينقلب السحر على الساحر، وجميع من كان ضحية لقلبه المريض أنصفهم القدر بأن أصبحت حياته الخاصة متاحة للجميع .

في الواقع حتى زوجته ليست أفضل منه، فقد حولت مطبخها إلى نافذة يطل عليها الجميع وكأنه سيرك لكنه مجاني، فتكفي كبسة زر ويصبح كل شيء على الطبيعة، فهي من عرَّضَت المنزل للتعرية بفتحها لقناة على اليوتيوب فأصبح كل شيء متاح للجميع وحياة أسرتها يعلمها القاصي والداني... 

وما الرجل الذي يقبع في غرفة نومهما بالذات دون الغرف الأخرى لهي إشارة لتلك الخصوصية التي استبيحت وكأني به يسكن بيتًا زجاجياً، والجميع بإمكانه رؤية ما يحدث بداخله، أليس الأمر مخيف؟ بل مرعب حين تكون خصوصية المرء في المتناول.

ولأنه لا يمكن أن ندع هكذا قصة تمر مرور الكرام ولو أنها تحمل من الفكاهة والتسلية، لكن بين طياتها يوجد الكثير من العبر فارتأيت أن أسْتَلَّ منها عبرتين في غاية الخطورة وهما:

الدَّيْنُ الذي يحمله المرء طول حياته لا بدَّ وأن يحل يوم سداده، وصديقنا نراه اليوم يسدد دَّيْنُه عن آخره فقد أصيب باكتئاب حاد وهو ما جعله يُخَيَّلُ إليه أنه يرى الرجل المحدق قابعًا في سريره، أما زوجته التي اختارها في النهاية وفَضَّلَها عن باقي الفتيات هي من جعلت بيتهما شفافًا كشفافية الزجاج.

الأمر الثاني والأخطر مما يتصور المرء وهو البث المباشر الذي أصبح موضوع تسابق بين الجميع في مدى التعرية التي يصل إليها المرء، فكلما تعدى الخطوط الحمراء وبدأ ينزع عنه ستار الحياء والحشمة كلما بات مشهورًا وأصبح كالعلكة التي تمضغها الأفواه، كلما ازداد العائد المادي الذي يتقاضاه على مدى نذالته وانحطاطه وجعل نفسه كقرد السيرك الذي يأتي الناس للتفرج عليه والاستمتاع بحركاته البهلوانية.

 

اقرأ أيضاً

- 5 خطوات في رحلة البحث عن الذات

- شركة ديزني لاند.. من هو مؤسسها وما أهم أعمالها؟

 

الحياة مدرسة، وأسعى دومًا إلى النظر إلى الخير الذي يسكن البشر 💫🪐🪄 وكثيرًا ما يدفعني قلمي نحو الكتابة،فأجد نفسي وسط قصة أو رواية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ديسمبر 28, 2022, 6:02 ص

ابدعت كالعادة ....ننتظر منك المزيد💎

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

ديسمبر 29, 2022, 11:58 ص

🙏🏻🤗

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

الحياة مدرسة، وأسعى دومًا إلى النظر إلى الخير الذي يسكن البشر 💫🪐🪄 وكثيرًا ما يدفعني قلمي نحو الكتابة،فأجد نفسي وسط قصة أو رواية.