قصة "الوصية والجريمة".. قصص قصيرة

في نهاية الأسبوع وفي إحدى الأمسيات الصيفية الهادئة، جلس أحمد في شرفة منزله على أريكته بعد أسبوع عمل شاق، وكانت موجات البحر أمامه تجيء وتذهب، كأنها تتراقص على أنغام قطعة موسيقية جميلة، تحمل معها نسمات هواء منعشة تداعب وجهه، وكان كل شيء ينبئ بأنها ستكون أمسية رائعة.

كانت حياته كتلك الليلة هادئة، فهو يعيش بمفرده، ويذهب لعمله كل يوم ثم يعود لمنزله ليقضي ساعات المساء في سماع الموسيقى الهادئة وقراءة الروايات والاسترخاء في الشرفة، والتمتع بمنظر البحر الممتد أمامه.

لم تكن لديه زوجة أو أولاد ولا مسؤوليات، وكان نادرًا ما يخرج للقاء بعض أصدقائه القلائل في عطلة نهاية الأسبوع.

فجأة رن هاتفه المحمول الذي كان قد تركه في الداخل، معلنًا عن قدوم مكالمة هاتفية.. مكالمة هاتفية ستغير مجرى حياته رأسًا على عقب.

حمل هاتفه بهدوء قائلًا: من المتكلم وأتاه الرد من الطرف الآخر أنا اسمي عادل أمين وأنا محامي المرحوم محسن صالح، هل اسم حضرتك أحمد رشيد؟ أجاب أحمد: نعم ولكن من يكون محسن صالح فأنا لا أعرف شخصًا بهذا الاسم. 

أجاب المحامي حسنًا، على ما يبدو أن المرحوم كان يعرفك، وأتمنى منك أن تأتي لمكتبي غدًا لأطلعك على وصية المرحوم ففيها أشياء تخصك، وسأرسل لك العنوان على هاتفك المحمول.

ما إن انتهت المكالمة حتى استلقى أحمد على أريكته، وبدأت أفكاره تأخذه يمنة ويسرة، يا ترى من يكون محسن صالح هذا؟ ما الموضوع يا ترى، وانتابه شعور بالقلق والتوتر.

لم ينم تلك الليلة من كثرة التفكير، وما إن انبلج الصباح حتى غادر فراشه متوجهًا للشرفة، بعد أن حضر فنجانًا من القهوة لكي يصفو ذهنه.

احتسى رشفة من القهوة وأخذ نفسًا عميقًا وبدأ ينظر للبحر بشرود، محاولًا الاسترخاء، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل، فقد سيطر موضوع مكالمة الأمس على تفكيره.

بعد الانتهاء من شرب القهوة، نهض وبدأ بارتداء ملابسه استعدادًا للذهاب لمكتب المحامي، هبط إلى الشارع وقرر أن يسير مشيًا على الأقدام، حتى يتسنى له التعمق في التفكير علَّه يصل لجواب عمن يكون ذلك الشخص الذي خصه في وصيته.

وصل إلى البناء الذي يوجد فيه مكتب المحامي حسب العنوان الذي كان قد أرسله له، وكان البناء في الوسط التجاري للمدينة، وقد بدا البناء خاليًا لأنها عطلة نهاية الأسبوع.

بدأ صعود الدرج إلى الطابق الثاني حيث يوجد مكتب المحامي وعندما وصل للمكتب المطلوب، هم بقرع الباب لكن الصراخ الشديد وأصوات الحركة القوية الآتية من داخل المكتب كانت تنبئ عن وجود شجار في الداخل جعلته يتريث في قرع الباب.

تردد قليلًا، لكنه في النهاية قرع الباب وتراجع قليلًا للوراء، وانتظر هُنيهة لكن أحدًا لم يفتح الباب.. كان صوت الصراخ قد هدأ وعاد الصمت يطبق على المكان.

تخوف أحمد وقرر أن يغادر المكان، وما كاد يدير وجهه سالكًا طريق العودة حتى تفاجأ بشخص يتبعه قد خرج من المكتب واتجه نحوه مسرعًا وضربه على رأسه فأغمي عليه، وسحب هذا الشخص بعدها أحمد إلى داخل مكتب المحامي، حيث كان المحامي ممددًا على الأرض غارقًا في دمائه.

لقد تم كل ذلك بتخطيط من وريثي المرحوم، إذ كان المحامي قد أخبرهما سابقًا أن المتوفى قد كتب كل أملاكه باسم رجل اسمه أحمد رشيد، كان قد أنقذ حياته في الماضي، إذ أسعفه إلى المشفى في أحد الأيام حين وجده مغمًى عليه في الطريق إثر نوبة قلبية مفاجئة، وبقي معه في المشفى إلى أن عاد لوعيه وأصبح بصحة جيدة.

لقد أراد المتوفى يومها رد الجميل لأحمد بإعطائه مبلغًا مجزيًا من المال، لكن أحمد رفض بشدة فهو لم يفعل ما فعله لقاء أي أجر، بل فعله عملًا إنسانيًّا، وقد طلب المتوفى حينها من أحمد أن يعطيه رقم هاتفه المحمول كي يبقيا على تواصل من باب الود، فقد أعجب بإنسانيته وشهامته، ومرت الأيام ولم يحصل أي لقاء بين المتوفى وأحمد.

حاول الوريثان ثني المحامي عن تبليغ أحمد بوجود الوصية، على أن يتقاسما معه أموال المتوفى، لكنهما لم يفلحا في ذلك فقد رفض المحامي كل محاولات الإغراء التي قدمت له، لذلك فقد خططا للتخلص من المحامي وأحمد معًا في وقت واحد، فطلبا من المحامي التواصل مع أحمد والطلب منه القدوم لمكتب المحامي بوجودهما، علهما يقنعان أحمد بإعادة الميراث لهما.

لقد خطط الوريثان بخبث لهذا الأمر، فقد أقدما على قتل المحامي (هذا ما ظنوه) وأرادا أن يتهما أحمد بعملية القتل، وذلك بوضع بصمات يده على السكين التي قتلا بها المحامي، وبذلك يكونا قد تخلصا من الاثنين معًا المحامي الذي رفض التعاون معهما وأحمد الوريث غير المتوقع الذي دخل عالمهما فجأة، وكان سيأخذ كل أملاك المتوفى دون منازع.

بعد أن أدخلا أحمد وهو مغمى عليه وضعا أداة الجريمة بيده، بعد أن لكماه عدة لكمات في وجهه ومزقا ثيابه حتى يبدو أنه فعلًا كان في شجار مع المحامي.

حتى يضمنا الإيقاع بأحمد، إذ سيُعدم أو يسجن سنوات عدَّة، فقد اتصل أحدهم بالشرطة من هاتف المحامي منتحلًا شخصيته، ليبلغ عن وجود رجل في مكتبه يريد الاعتداء عليه، ثم غادرا المكان بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

في الواقع، ما كان لهذه الجريمة أن تكتشف لولا العدالة الإلهية، فلسوء حظ الوريثين المجرمين لم يمت المحامي، إذ أُسعف من قبل الشرطة التي لم تتأخر عن القدوم بعد الاتصال المزعوم من قبل المحامي.

كانت طعنات السكين قريبة جدًّا من القلب، لكنها ولحسن الحظ أخطأت هدفها بمليمترات قليلة، وقد نزف المحامي كثيرًا من الدماء نتيجة الطعنة وغاب عن الوعي، ما جعل القاتلَين يظنان أنه قد فارق الحياة، وهو الآن في العناية المشددة في حالة حرجة ولم يكن يستطيع الكلام بالطبع، إذ كان يعطيه الأطباء كثيرًا من المسكنات حتى تخفف عنه الآلام المبرحة نتيجة الإصابة.

أما أحمد المغلوب على أمره، فقد اقتادته الشرطة للتحقيق معه بعد أن أنعشوه من الضربة القوية التي أصابت رأسه، وأصابه الذهول مما يحدث معه وقد بدت عليه الصدمة مما آلت إليه الأمور.

بدأ المحقق بتوجيه الأسئلة للمتهم.. نعم لقد أصبح أحمد للأسف متهمًا، فالظروف التي وجد بها في مكان الجريمة والاتصال المزيف ممن ادعى أنه المحامي، والذي أخبر فيه الشرطة بوجود رجل يحاول الاعتداء عليه، جعلت المحقق يعتقد جازمًا أن القاتل هو أحمد.

بات أحمد يعيش صراعًا مريرًا في داخله لائمًا نفسه على قبوله من البداية القدوم لمكتب المحامي، وكان يحدث نفسه قائلًا: لقد كنت أعيش سعيدًا مرتاح البال ليتني لم أرد على تلك المكالمة المشؤومة.

لم تكن القصة التي حدثت مع أحمد والتي سردها مقنعة للمحقق، الذي أصر على تجريم أحمد بتهمة الشروع بالقتل، وإحالته للقضاء لأخذ الجزاء العادل، كون كل حيثيات الجريمة تؤشر دون شك إلى أنه هو من قتل المحامي، يا إلهي! لقد انقلبت حياة أحمد رأسًا على عقب.

لكن إرادة الله أسعفت هذا الرجل المسكين ردًّا لعرفانه بمساعدة المتوفى يومًا ما، فقد عاد المحامي بعد عدة أيام إلى وعيه واسترد عافيته وأخبر الشرطة بكل تفاصيل الحادثة، حتى إنه أراهم تسجيلات الكاميرات المخفية التي كانت في مكتبه، والتي بينت دون لبس هوية الجناة الحقيقيين.

 قُبض على الجناة الحقيقيين وأحيلوا للقضاء، أما أحمد فقد برأته المحكمة وسلمه المحامي جميع ممتلكات المتوفى حسب الوصية، وأصبح أحمد الآن رجل أعمال من أغنى سكان المدينة بعد أن كان عاملًا بسيطًا ذا دخل محدود.

صحيح أن الحياة قست قليلًا على أحمد لكنها في النهاية ابتسمت له وأنصفته، فكل عمل خير في حياة أي إنسان، لا بد أن يعود عليه بالخير يومًا ما ولو بعد حين.

انتهت القصة...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب