قصة "الوحدة".. قصص قصيرة

كان طنين الذباب مزعجًا فوق العادة هذا الصباح، فهي تتكاثر هنا بشكل مثير للأعصاب، فتح عينيه على ذلك المشهد من نوم عميق اتّخذ فيه وضعية الجنين على الارض المتسخة .

لم يعد يذكر علاء، بالضبط متى أصبح هذا المكان هكذا، لكنه اعتاده من وقت ليس بقصير .

عبارة عن قاعة كبيرة بجدران عالية أسمنتية متشققة وعلى الأرض أمامه، بقع سوداء عشوائية كبيرة متناثرة وقد مالت الأرض للون العفن .

قطع من الأسمنت كبيرة متكسرة على الأرض وكابلات كهربائية ممزقة تتدلى من أعلى الحوائط وفوهة كبيرة في السقف يهبط بمهابة منها شعاع الشمس فيظهر التراب العالق في الهواء كأنه رذاذ الذهب .

أمامه ببضع خطوات زجاجة مياه نظيفة وكيس فيه بعض الأطعمة .

"أرى هذا كل صباح" قال

لكن إلى جانب ذلك كله، سمع وهو يأكل صوت وشوشات صادرة من كل مكان حوله لم يستطع فهمها، أرسل نظرة على يمينه من بعيد فلحظ خلف صدع في الجدار وجه فتاة تبدو في سنه تقريبًا .

 ثيابه المهلهة البيضاء -أو التي كانت كانت بيضاء- متسخة، فأحس بخجل طفيف .

انتصب مرتعشاً، لم يسبق أن رأى قبل اليوم بشرًا هنا ..

كانت تبتسم ابتسامة عذبة وكانت ترتدي فستانا رماديًّا وشعرها أشقر كلون شعاع الشمس، كان أنفها صغيرًا وشفتاها حمراوتين وعيناها خضراوتين لهما نظرة عطوفة ترسلها بين رموشها الطويلة المتناسقة بشكل فاتن . 

اتّجه إليها بتردد وعندما خطا خطوة مرتعشة وهو قريب منها اختفت كأنها سحبت إلى الخلف، أسرع خطاه، وحاول لمس خصلاتها المنسحبة، نظر إلى الصدع بارتياب، وتعجب كيف لم يتفقد هذا المكان من قبل، نظر من الصدع فواجهه جدار آخر لممرٍّ طويل ضيق، دخل، نظر إلى الممرّ عن يمينه فرأى أن الممرّ يلتفّ إلى اليسار .

انطلق بسرعة والتف مع الممر فرأى الشابة تقف هناك، تلوح بيديها ثم أدارت ظهرها ومازالت تنظر إليه من زاوية عينها اليسرى وأومأت له برأسها أن يتبعها .

قال بتردّد:

  • من أنتِ؟ وتفاجأ من صوته الذي بدا غريباً عليه كأنه يخرج من آلة تسجيل، لأنه لم يتكلم منذ فترة .
  • صديقة المنسيين، وأرعى الأرواح التائهة هنا .

ومدت ذراعها اليمنى مشيرة بإصبعها وهي تستدير بجسدها إليه قليلاً .

تقدّمَ بدون تفكير خطوة واحدة فتقدمت إلى الأمام، وحين انتهى الممر الطويل أخيرًا، فغر فمه دهشة لما رأى فبعد الباب الصدئ الضيّق، كانت هناك قاعة أخرى مضيئة بقوة وكان هناك الكثير من النّاس مثله، يتحدثون ويضحكون .

ثمّ ضمّتهُ إليهم، رحّبوا به بمحبة، كانت قاعتهم بنفس حجم وارتفاع قاعته إلا أنها مضيئة وجديدة الجدران تمامًا وسليمة وكان الناس هناك يمرحون ويضحكون رجالًا ونساءً وبعضهم يجلسون على الأرض حول أطباق زجاجية كبيرة تحمل الفاكهة وبجانبها صحون مكسرات وحلويات لذيذة أكثر من الموجودة في العالم الخارجي.

 أحس أنّ هذا المكان تسري خلال هوائه موسيقى ما برغم عدم وجود أي موسيقى أو عازفين، نظر إلى أعلى فلم يرَ الصدع نفسه في السقف وخفض بصره، ثم بدأ بالاندماج بهذا الجو الجديد، وبدأ بالاستمتاع وتدور في مخيّلتِهِ الحزينة كيف أنّه سيعيش هنا من الآن إلى الأبد وربّما يتزوج إحداهنّ...

حين حلّ الليل بدأ بعض الحضور بالاختفاء لكنّه عجز عن معرفة السبب أو كيف اختفوا ...

حتى تلاشوا جميعًا، ثم نظر إليها حيث كانت تقف وسطهم تصوّب نظرها إليه منذ البداية، فرآها تتلاشى فتصبح شفافة حتى اندمجت بالهواء، ثمّ اختفت الأضواء وحل السكون للحظات قبل أنْ يخترقه صوت صرصار الليل، فبدأ يبحث حوله عنهم بعيون حائرة تتردد في أرجاء الغرفة، كان قد حلّ الليل منذ وقت.

وحين اختفت الحفلة فجأة تقريبًا بأضوائها، وحين اعتادت عيناه على الظلام، وبدأ يستيقظ من الصدمة التي سببها هذا الحدث نظر إلى حائط القاعة فرآه متشققا ومهترئا، فنظر إلى السقف فرأى صدعًا كبيرًا تبين منه النجوم بينما أضاء جوانبه ضوء القمر الشاحبُ ونجح حزام من الضوء في التسلل إلى القاعة فأضاء أعلى الجدار ببقعة ضوء على شكل الفتحة .

أحسّ بانقباض في قلبه وسلاسل من الكآبة تقيد عنقه وقلبه بقوة، وازدادت التجاعيد تحت عينيه الغائرتين في وجهه المشعث الشعر واللحية البنية عمقاً .

عاد إلى مكان نومه القديم، عندما وقف هناك رأى الباب الصدئ لقاعته مفتوحاً قليلًا، ورأى الوحدة واقفة هناك بنفس ابتسامتها في وسط الفتحة التي شكّلها الباب الضخم، ركض إليها وهو يبكي ويلهث: أرجوكِ، ابقي ...

وصل إليها وعانقها لكنها تلاشت بسرعة من بين ذراعيه لينتبه -لأول مرّة منذ زمن- أنه خارج البناء الضخم، وضع يده على الجدار من الخارج كطفل يعانق ساق أبيه.

خطا بضعة خطوات واضعًا يده على الجدار الخشن والبارد حتى أحس أنه لمس شيئًا ورقيًّا، تراجع بضعة خطوات إلى الخلف فسرت الرعشة في جسده على طول عموده الفقري من ملمس تراب الأرض الرطب وأعشابها الطازجة، وقرأ على لوحة كبيرة معلقة ما يشبه نعوة فازدادت الرعشة أكثر لأنه منذ زمن لم يقرأ شيئاً -علاء الذي كان قارئًا نهمًا- ولأن ما قرأه كان صدمة لا تعقل :

لقد مات جميع نزلاء مستشفى الأمراض العقلية هذه بحادث مؤسف وأغلق المستشفى إلى الأبد، الرحمة لكل المرضى ولأطبائنا، ثم قرأ قائمة بأسماء الممرضين .

اندهش لأنه استطاع تذكر كل واحد منهم واللحظات والتفاصيل التي عاشها معهم، وكيف بدأ بالتشافي ولاحت له كل هذه الذكريات، وتذكر أيضًا كيف أنه قرر الهرب في الليل حيث لم يره إلا النجوم في تلك الليلة وأعلنوا عن هربه مع صورة مرفقة له في الصحف!

وكيف أنه عاد ليحتمي في المشفى المهجور من العصابات التي خربت المدينة بعد أن شب الحريق الذي دمر المشفى.

مد يده إلى الجيب الأيمن لبنطاله المهترئ فوجد فيه ملمس ورقة مجعدة قديمة رفعها ليقرأها، فرَدَها، فوجد صورة له في أيام شبابه بجانبها عنوان صحفي كان قد شغل الناس حتى تدمرت المدينة: مريض عقلي مصاب بفقدان الذاكرة المؤقت والرهاب والشيزوفرينيا يهرب في جنح الليل عبر كسر زجاج غرفته، وعلى من يجده أن يتواصل مع المشفى لترسل فرقة لإعادته، مع مقابل مادّي .

" لكنّ أحدًا لم يهتم، فأنا المنبوذ الذي لم يعره أحد يومًا أدنى اهتمام فقد كنت أهيم على وجهي بينهم أحيانا!".

هبت الريح قوية وارتخت أصابع علاء فطارت الورقة، تابعها بنظره وهي تطير فوق المدينة التي تلوح أسفل التلّ الذي أقيمت عليه المشفى، وقد أصبحت المدينة أيضاً خراباً بفعل أهلها .

عاد إلى القاعة التي كان قد شهد فيها حفلاً للأشباح على أمل أن يجد أحدًا ما، لم يجد إلا الصمت، رأى سلّمًا أحمر قديماً يؤدي إلى الطوابق العليا، صعد بسرعة بدون توقّف حتّى وصل إلى سطح المبنى المتهالك.

كان مساحةً خالية من الإسمنت وبعض صهاريج المياه الصدئة، التفت إلى حافة السطح وجد الوحدة هناك تومئ بيديها إليه: ألا تريد الانضمام إليها، مِتنا جميعًا في الحريق وافتقدناك، هيا!

ركض إليها ووقف فجأة أمامها على بعد خطوات قفز مخترقًا الشبح وسقط على وجهه ميتًا، مباشرة .

وفي المدينة المجاورة على أحد الصحف ظهر خبر صباحي مع صورة رجل تسيل من وجهه الدماء بثياب بيضاء متسخة وصورة بجانبها لقبر مُرتجَل أمام باحة المشفى مجموعة من العمال كانوا في طريقهم ومروا أمام المشفى الذي دُمِّر بالحريق ورأوا رجلًا منتحرًا وتم استدعاء الطبيب الشرعي ليقول أنه مات منتحرًا ولم يترك أي رسالة وليس معروفًا من أحد؛ لذلك أقيم له قبر أمام المشفى والتحقيقات ما زالت مستمرة .

أخيراً ، استرعى علاء انتباه البعض ولكن ليس كما يريد فطالما أراد محبة الناس الذين يعرفهم، لا غرباء من مدينة اخرى، لكنه عُوِّض عن ذلك بمحبة رفاقه الأشباح .

وأصبح يسهر معهم كل ليلة ثم يتلاشى مع الصباح إلى حيث لا يعرف، ولكن ...

مازال شبح علاء يظهر بوضوح للذين يمرون من هناك بالصدفة وبدافع الفضول والبحث عن "الخوارق".

وسيظلُّ علاء هكذا عالقا في الأرض إلى أن يتعلم أخيراً -ولو بعد وقت طويل-الدرس، أنّ مصدر المحبة الله، وأنّ الوحدة وهم .

لتتمكّنَ روحه أخيراً من إكمال عبورها في هذا العالم الفسيح إلى عالم الأرواح الناضجة شاقّاً طريقه إلى مصائره المختلفة ، في السماوات ، بين النجوم .

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يناير 24, 2024, 8:29 ص

قصة شيقة تلمس المشاعر اتمنى أن تكتب قصص اخرى مثل هذه القصه

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب