قصة "النسخة الثانية".. قصص قصيرة

ليس من الممتع أن تكون نسخةً ثانية عن أحد، أي أحد، مجرد نسخة ثانية، ولكن هذا ما حدث معي، لقد كنت النسخة الثانية.

أيقظوني على جناح السرعة، كنت نائمًا منذ زمن طويل، وإذا شئنا الدقة فهو لم يكن نومًا، كان سباتًا متواصلًا لدهور دونما انقطاع، لم تكن حياةً ولم يكن موتًا كذلك، كان شيئًا أشبه بالانتظار غير المحدود ولكن دون وعي، دون معرفة، دون ذكريات، دون أي شيء، مجرد انتظار لا بداية ولا نهاية له في الظلمة، ولكن ستأتي النهاية ويستيقظ أحدنا لأنه قد حان دوره، كان سيحين دوري يومًا ما، لا بد من ذلك، الجميع سيستيقظون يومًا ما ويؤدون أدوارهم المرسومة لهم، ولكن القلائل جدًا من سيكونون نسخًا ثانية وقد كنت منهم.

خلال عبوري السريع والمذهل وغير المفهوم إلى المستوعب المظلم، الذي سأمضي فيه مرحلة الإعداد القصيرة للمهمة الطويلة التي سأقوم بها كما حُددت لي منذ وقت طويل لا أعلم عنه شيئًا، فهمت ولا أعلم كيف أنني أنا النسخة الثانية، كانت النسخة الأولى – المحظوظة- هناك قبلي.

النسخ الثانية عادةً وعلى حد علمي لا تتمرد، ولكن هذا ما حدث معي، لا أدري لماذا ولكن هذا ما حصل، وربما كانت حياتي الطويلة والحافلة بكل شيء بعد ذلك تفسر الأمر، أو ربما تمردي غير المفهوم لي حتى الآن هو ما يفسر حياتي، تلك التي انتهت للتو، بعد 90 سنة ظننتها طويلة ويتبين لي الآن –آسفًا- أنها جد قصيرة.

تمردي كان عفويًّا وبسيطًا وغير إرادي كذلك، فعلت أمرًا جعلني ببساطة نسخة أولى ووحيدة، في مرحلة مبكرة من حياتنا المشتركة في المستوعب أكلته، أكلت توأمي! وهكذا جعلت من نفسي نسخة وحيدة.

بعدها عشت حياتي هكذا، نسخة متفردة وناجحة، فعلت كل شيء وحصلت على كل شيء، لا أنكر أنني كنت أتجاوز الحد أحيانًا، بل ربما دائمًا، وأحصل دومًا على ما أريد، ولا أحسب حسابًا لشيء، وأظن أن ذلك مرده إلى موقفي من البداية، كنت حازمًا، أنا لست نسخة ثانية ولن أكون سوى النسخة الأولى.

الآن وفي حين أسبح في السديم منتظرًا أمرًا لا أدريه على وجه الدقة ولكني أهجس به وأتوقعه وربما، وهذا حقيقي، أخافه، حصل الأمر.

نسختي الأولى التي نسيتها تمامًا طيلة 90 سنة زائد شهور المستوعب الغامضة أتت تطلب العدل! ستحل محلي في السديم البارد والمريح، حسنًا المشكلة ليست هنا، العدل ليس مشكلة في هذا المكان وهو إن لم يتحقق هنا فلن يكون في أي مكان آخر، ولكن المشكلة الحقيقية هي في المكان الذي كنت أسمع من يقودونني إليه يهمسون اسمه بكل رهبة وخوف، والذي وللأمانة كنت لا أعتقد بوجوده على الحقيقة، ولكن يبدو أنني كنت مخطئًا، كان واحدًا من تلك الأخطاء التي لا سبيل إلى إصلاحها أبدًا.

كنت أسمع والسلاسل تجرني بعنف كلمةً واحدة تتكرر من الأفواه كلها مثيرةً ذلك الرعب كله.. "الجحيم"!

كاتب وطبيب من سوريا لدي أربع روايات منشورة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب وطبيب من سوريا لدي أربع روايات منشورة