قصة «الضوء الخافت» للكاتب «مجدي الريس».. الواقعية والذبحة الصدرية

 صدرت المجموعة القصصية «الدنيا حظوظ» للكاتب مجدي حبيب الريس، عن فرع ثقافة الدقهلية التابع لإقليم شرق الدلتا الثقافي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، وزارة الثقافة، عام 2018، والطباعة عن دار الإسلام للطباعة والنشر، بالمنصورة.

وتقع المجموعة في 95 صفحة من القطع المتوسط، وقد اخترنا هنا في قراءتنا أول قصة بالمجموعة، وجاءت بعنوان «الضوء الخافت» (ص5- 6)، وهي قصة واقعية يمكن أن تحدث لكثيرين من مواطني محافظات مصر.

اقرأ أيضاً لا تُخالط البؤساء.. ملخص كتاب 48 قانونًا للقوة

عن ماذا تدور أحداث المجموعة القصصية "الدنيا حظوظ"؟

 تدور أحداث القصة زمنيًّا في ذات صباح، من صباح أحد الأيام حتى الظهر أو ما بعد الظهر بقليل، ومكانيًّا ما بين الخروج من المنزل ثم الذهاب للمقهى الكبير لاحتساء القهوة، ثم السير في الطريق العمومي ومنه إلى المستشفى المركزي بالمدينة، ثم العودة مرة أخرى للمنزل، وفي رأيي أن هذه القصة تعد من قصص السير الذاتية، التي يعبر فيها الكاتب عن لمحة من سيرته الذاتية، فالكتابة بنت الكاتب.

فما دامت قصة «الضوء الخافت» أول قصة في المجموعة، فعندما نقرأ جملة الابتداء (هبطت السلم في تؤدة، كعادتي بعد خروجي على المعاش)، ونذهب لآخر صفحة بالكتاب لنقرأ السيرة الذاتية للمؤلف "مجدي محمد حبيب الله الريس"، نعرف بأنه فعلًا على المعاش.

فهو كان مدير عام الشؤون المالية والإدارية بإدارة المنزلة التعليمية، وعلى هذا فهو تخطى الستين من عمره، فقد حدد البطل الراوي سنه الآن ومقارنته بأعمار أخيه وأمه وأبيه وقتما توفوا (ها أنا قد كبرت، تجاوزت الخامسة والستين، وأصبحت أكبر سنًّا من جميع أفراد أسرتي، فقد توفى أخي الأكبر في الثالثة والثلاثين من العمر، ووالدتي في الستين، ووالدي في الثانية والستين).

وجهته الصباحية إلى المقهى (كل صباح أتوجه إلى المقهى الكبير الواقع أمام سوق المدينة بالمحطة، أرتشف فنجان القهوة المعتاد، أتصفح الجرائد، وأدخل في مناقشات عدة مع رواد المقهى من المدرسين والعامة، كانوا جميعًا أصدقائي ومعارفي، لا أحد يهتم بما يرسله تلفاز المقهى من مواد..)، علمًا أن الكاتب «مجدي الريس» من مواليد مدينة المطرية بمحافظة الدقهلية.

اقرأ أيضاً الذعر.. الشعور المسيطر على القصص القصيرة لــ"طه الشريف"من وحي أدب الحرب

سرد الكاتب للقصص

لأن الكاتب ابن بيئته، ومعتز بالمكان الذي يعيش به، رصد بقلمه بعضًا من تفاصيله، للدرجة التي تصل إلى ذكر أسماء محتوياته بدقة كبيرة «سرت بالطريق العمومي إلى حيث مرادي، وأمام صيدلية المجد المشهورة وقعت المفاجأة..»، ويظهر المراد الذي كان يتوجه إليه البطل في نهاية القصة «بقفلة القصة المدهشة».

هل يتساوى المثقف في خوفه من الموت مع الإنسان العادي؟ ومن يخاف من الموت أكثر، المؤمن أم الملحد؟ المفكر أم الفلاح؟ وهنا يصف لنا المؤلف ما الأعراض التي ظهرت بطريقة مفاجئة على البطل، فوقع وسط الشارع (شعرتُ وكأن كوبًا من الماء المغلي وبه نصف كيلو من الشطة الحارقة، وقد أفرغ محتوياته في صدري، أحسست بحرقان وآلام لا يحتملان، يا إلهي.. أشم رائحة دخان لا أدْرِ مصدره..)، وفي تلك اللحظة تكثر الأفكار والمشاعر السلبية في ذهن الإنسان، فخوفه من الموت، هي حالة نفسية تنشأ عن قلق من شيء يعد تهديدًا للفرد أو خطرًا، والخطر هنا يهدد حاجة الإنسان للبقاء لأن الموت يعني فناءه، فتذكر جانبًا من خبراته السابقة «مر طيف محمد سلامة وأحمد السلاموني أمام عيني، كانا من أقربائي.. توفيا العام الماضي بهذه الآلام نفسها».

إن الإنسان هو الكائن الوحيد بين المخلوقات الذي يعرف أنه سيموت.. غير أن الناس يتباينون في درجة أو حدة خوفهم من الموت.

يسترسل البطل الراوي محدثًا نفسه ليؤكد لها أنها الأعراض المرضية نفسه تمامًا «قال الأطباء إنها ذبحة صدرية أودت بحياتهما، وحفظنا عن ظهر قلب أعراض الذبحة، وهي باختصار انسداد الشرايين التاجية ما يحدث تلك الآلام ثم الوفاة..

اقرأ أيضاً المكان يبوح بكل المشاعر الدفينة للمجتمع في قصة الوسادة البيضاء لـ«حسين السنونة»

ملخص أحداث القصة

لمعت السماء بألوان الطيف، لم أعد أشعر بأي شيء سوى بالحرقان والآلام التي تدب في صدري الذي يحترق، كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا لكنني أحسست بالدنيا وقد أظلمت، ضوء الشمس يختفي شيئًا فشيئًا»، وهنا قدم لنا الكاتب معلومة طبية عن الذبحة الصدرية بطريقة سهلة وبسيطة، داخل المتن القصصي، في ما يسمى تبسيط العلوم بطريقة أدبية سردية، وبذكاء شديد حدد لنا توقيت المشهد كما فعل في تحديده للمكان.

لكن الشيء الجيد أن التفكير بالموت يأتي في الغالب بمرحلة الشيخوخة، حين يدرك الإنسان أن أيامه أصبحت معدودة، ففي لحظات معدودة وبعد أن لملم البطل نفسه، وأنهى معها هذا الحوار الطبي الخاص بأعراض الذبحة الصدرية، قرر وبإيجابية التوجه فورًا للمستشفى «أوقفت "توكتوك" وأسرعت نحو المستشفى المركزي.

ما إن ظهرت أمام البوابة الرئيسة إلا وقد هرول نحوي عدد من الأطباء، زملائي وجيراني، شرحت لهم ما حدث لي فجأة، أدخلوني مسرعين وأرسلوا في طلب العلاج، قال لي أحدهم: إذا لم تشعر بتحسن في خلال ساعتين من الآن سوف نرسلك بسيارة الإسعاف إلى مستشفى الجامعة بعاصمة المحافظة" وهي تبعد الساعتين من مدينتنا».

اقرأ أيضاً فن الغياب.. ملخص "كتاب 48 قانوناً للقوة"

الضوء الخافت

بالطبع عزيزي القارئ الكريم لا بد من تفسير ما جاء على لسان البطل الراوي وبقلم الكاتب «مجدي الريس» في تلك الفقرة من قصته «الضوء الخافت»، وذلك لمن يطلع على قراءتي هذه في أي مكان بالعالم، «التوكتوك» هو طبعًا مركبة بثلاث عجلات، دخلت مصر قادمة من الصين والهند.

وأصبحت منتشرة في القرى المصرية والمدن الصغيرة عواصم المدن، وبما أن القصة تدور أحداثها في مدينة المطرية عاصمة مركز المطرية، محافظة الدقهلية، فالمستشفى الذي توجه إليه البطل بالتوكتوك.

هو مستشفى المطرية المركزي، والمستشفى الجامعي الذي من المتوقع أن يُرسل إليه هو المستشفى الجامعي الرئيس أو مستشفى الطوارئ الجامعي التابعان لجامعة المنصورة، بمدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، التي تبعد ساعتين بالسيارة عن مدينة المطرية (سوف أذهب إلى المستشفى الجامعي بالإسعاف)، ويتضح من هذا المشهد بأن البطل الراوي من الشخصيات المعروفة لدى كثيرين من أبناء مدينته، من زملائه السابقين بالعمل بالتربية والتعليم (بحكم أنه حاليًّا بالمعاش) وجيرانه في السكن، فكما قال: «ما إن ظهرت أمام البوابة الرئيسة للمستشفى إلا وقد هرول نحوي عدد من زملائي وجيراني».

للخوف من الموت أكثر من سبب، منها ما نفسي (سيكولوجي) صرف يتحدد بحاجة الإنسان للبقاء وخوفه من الفناء (تحققت من موتي اليوم، لن يمر المغرب إلا وأنا نائم في قبري، سأبيت أول ليلة لي مدفونًا وحدي حيث الظلمة والتراب والبرد..).

الإنسان وخوفه من الموت

إن الإنسان لا يخاف من الموت نفسه، بقدر ما يخاف من عملية الموت التي يتصورها بأنها مرعبة و(حشرجة.. وغصة) ويخلق خيالات وتصورات مخيفة بخصوص الموت يتعامل معها كما لو كانت حقائق (لمع ضوء أبيض من بعيد، رأيت خيالات الجنازة وهي تسير في الشارع الرئيس نفسه إلى حيث مرقدي الأخير، كنت مستلقيًا علي ظهري أتأمل الحياة والكون..

المجموعة الشمسية، المجرات الهائلة المعلقة في ذلك الفضاء الفسيح وغير النهائي، الجنة التي عرضها السماوات والأرض التي بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والنار التي لا تمتلئ وتقول هل من مزيد)، مع أن الموت مسألة بسيطة جدًّا..

هي أن تطرح زفيرًا ولا تأخذ بعده شهيقًا! (وخرجت زفرة ساخنة من صدري الذي يحترق، فلقد تركوني وحدي أصارع الأيام والزمن، وفي جميع الأحوال فإن الزمن أقوى من الإنسان الضعيف، فينتهي إلى زوال ويبقى الكون على حاله.. يختفى المخلوق ويبقى الخالق، وسبحان من له الدوام)، ومع ذلك فإن تعامل كبار السن مع الخوف من الموت يكون مختلفًا، فمنهم من يتقبله ويقول: (الحمد لله حسن الختام)، وهي حالة الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره.

إن بعض الأشخاص لا يخافون من الموت نفسه، بل يخافون لأنه ينهي إلى الأبد علاقة بأحبة متعلقين بهم «كانت حمامات بيضاء تدور في الأفق حولي وتحط على كتفي ورأسي ثم تختفي.. همست في خوف: هل جننت؟».

النرجسية بين المثقفين

إن نسبة النرجسية بين المثقفين أعلى مقارنة بفئات المجتمع الأخرى، وإن النرجسي متعلق بالحياة وترعبه فكرة الموت (يسود صمت مريب وتمر الدقائق ثقيلة باهتة وأنا في الانتظار.. ساورني شعور عميق بأنها النهاية لا محالة، سوف أذهب إلى المستشفى الجامعي بالإسعاف وأعود بسيارة تكريم الإنسان، هكذا ابن آدم ضعيف مغرور.. يعتقد أنه أقوى مخلوقات الله، ثم في لحظة ينتهي كل شيء).

إن المثقف أكثر الناس تعلقًا بالحب وتحسسًا للجمال، ولأن الحب والجمال مرتبطان بالحياة في حين الموت يعني "عنده" القبح والفناء «أفقت على صوت بعض الممرضات يتحدثن بصوت خافت، ورأيتهن في لباسهن الأبيض يتحركن في بطء، فقلت في همس: سوف أرتدي الأبيض بعد قليل، وصل إلى أذني صوت عبد الحليم حافظ يغني: قدر أحمق الخطى.. سحقت هامتي خطاه.. استعذت بالله من الشيطان الرجيم..».

كتب عالم النفس العراقي «أ. د. قاسم حسين صالح» بشبكة النبأ المعلوماتية، يوم الخميس 9 يناير 2020 يقول: إن المثقف أكثر الآخرين انشغالًا بالتفكير في الحياة والموت، وأكثرهم اهتمامًا بقراءة أو كتابة الروايات والشعر والمسرحيات التي تدور أفكارها الأساسية بشأن الحياة والموت، فينشغل بها بطريقة غير شعورية لا سيما في نوعية أحلامه، «لكنني لم أعد أشعر بالألم، غفوت قليلًا.. هدأت نفسي، تحسست صدري.. جاء الأطباء يسألونني عن حالتي، ابتسمت في فرح وقلت في ثقة: الحمد لله، قال لي أحد الأطباء: هذه ذبحة تحذيرية، لا توجد ذبحة ثانية، عليك بتوخي الحذر. فهمت مراده وابتسمت».

خاتمة قصة "الضوء الخافت"

تنتهى قصة «الضوء الخافت» للكاتب «مجدي الريس» بخاتمة تبدو للبعض فكاهية أو مضحكة، ولكنها مدهشة، فمن قمة الشعور والإحساس بالموت، السعادة بالخروج من المستشفى والرجوع للبيت «خرجت من المستشفى إلى منزلي، استلقيت فوق سريري أعيد اللحظات التي عبرت وكأنها جبال.. دوت ضحكتي المجلجلة في أرجاء المنزل الخاوي، كان أولادي بالمدارس وزوجتي بالعمل، صرخت بأعلى صوت: لقد نسيت أن أشتري طعام الغداء».

وفي رأيي أنها تدل على أن الحب الحقيقي هو الشعور بالمسؤولية تجاه من نحب، والسعي لتلبية احتياجاتهم حتى ونحن في أصعب أوقات الألم والتعب.

وختامًا، فليكن عندك معتقد تؤمن به، سواء كان دينيًّا أو فلسفيًّا، وعش حياتك كما ينبغي، فالإنسان الذي يعيش حياة كاملة يكون مستعدًّا للموت في أي وقت، بتعبير الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين.

كاتب، باحث، محاضر، مهندس زراعي، قاص، ناقد أدبي، صانع محتوى تليفزيوني على العديد من تطبيقات السيوشيال ميديا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب، باحث، محاضر، مهندس زراعي، قاص، ناقد أدبي، صانع محتوى تليفزيوني على العديد من تطبيقات السيوشيال ميديا.