قصة "الصندوق الأسود".. قصص قصيرة

توافق أهل الحي على تسمية أطلقتها زوجة الزبال على شريك حياتها، (أبو طفران)، لأنَّه يُبقي جيوبه خارج سترته، وكثيرًا ما يصاب أبو طفران بحالات تأمُّل وهو يمارس عمله في تنظيف الشوارع..

ذات يوم أسند أبو طفران ظهره على الرصيف وبقي شاردًا وهو يحملق في "توسع البيوت"، ويختبر إمكاناته بأنَّه يميز بيت الفاسدين من بيوت الشرفاء، إلى أن قاطعه زميله المنهمك في تنظيف الشارع من الجهة المقابلة، وقد حظي بتسمية (أبو مكنسة) من جيرانه في الحي؛ لأنَّه يشتهر بتزيين مكنسته بشرائط ملونة..

أبو مكنسة: يكفي تأملًا يا زميل.. زبالة الشارع تنتظرنا!

كان أبو طفران مصابًا بنوبة «تأمُّل» يسميها خلال نقاشاته المحتدمة مع زوجته (نوبة تأمُّل تنموي)، ويحاججها عندما تطالبه بألاَّ يحشر أنفه في (رزق) الناس، فيردُّ عليها: أنظف الشوارع من نفاياتهم، وتنحشر روائحها في أنفي، أفلا يحق لي أن أحشر أنفي في أحوالهم و«أتـأمل» في فسادهم؟!

أحدث (تأملاته التنموية) انطلقت من سؤاله الذاتي: لماذا هو يغصّ بلقمة الخبز، بينما لا «يغصّ» من بلعوا ويبلعون خيرات الناس وأحلامهم، وإلى متى ينشغل باكتشاف البالعين والمبلوعين من خلال أنواع قمامتهم؟!

يحكم على التنمية من أساليب رمي القمامة في الشوارع، ومنذ تزيينه لعربته بجملة (عين الحسود تبلى بالعمى..).

يردّ على تقريع أبو مكنسة بالقول: نتفرغ أنا وأنت لتنظيف الشارع من القمامة، ولكن من ينظّف الشارع من الفاسدين؟! يقهقه أبو مكنسة وهو يتلقى سؤالًا ساخرًا من زميله:

-كيف أصبح مسؤولًا تنمويًّا؟!

 يجيبه وهو يمسّد شرائط الزينة في مكنسته: بإخلاصك لعملك وبرضا الوالدين.

يهزّ أبو طفران جيوبه المتهدلة ويقول: أمضيت عمري مخلصًا وبرضا الوالدين، وما زلت أنظّف مخلفات التنمية من الشوارع!

تركه أبو مكنسة ودفع عربته المزينة بجملة (لا تلحقني مخطوبة!) إلى الشارع المجاور، ثمّ أنهى أبو طفران (نوبته التأملية)، محدّثًا نفسه: سأقوم بواجبي كي لا أصبح فاسدًا في عملي، واستنفر بعمله فصدمته سيارة فارهة مسرعة لم يتوقف سائقها الذي تابع إلى وجهته مواصلًا رعونة فظّة..

استنفر بعض المارة واتصلوا بسيارة الإسعاف، وتبيَّن أنَّه يتعذر قيامها بعملها بسبب واقع الشوارع، وتبرَّع أحد المارة بإسعافه بسيارته، ومع تمكنه من اختراق عراقيل بعض الشوارع اصطدم بشوارع غير آمنة منعته من إيصال الزبَّال المصاب إلى المشفى حتى لفظ أبو طفران أنفاسه الأخيرة بعدما همس بضع مرات: حرام يا بلد!

يكسر نحيب أم طفران في غرفة العزاء صمت النسوة المعزيات فتقول: قاتل أبو طفران لم يتنازل كي يسعفه، تركه بجوار عربة الزبالة..

تعلق ابنتها بصوتها المنهك الحزين: استكثروا على أبي حتى حلمه بلحظة إسعاف!

تتقاطع أصوات النسوة:

-"الله يرحمك.. كنت مخلصًا بعملك وطيبًا ودرويشًا.."

-الله يحسن إليك كنت شهمًا وصبورًا..

- رحمه الله، فقد ارتاح من هموم الحياة، وهموم هذا البلد..

بعد مدة التحق أبو مكنسة بالعمل وشطب من عربة الزبالة جملة (لا تلحقني مخطوبة) واستبدلها بكلمة: أسعفوني إن دهستموني..

أبو مكنسة كصديقه الراحل مدمن على فرز بعض نفايات البيوت، وهو لا يستطيع السيطرة على نفسه من إغراءات بعض المخلفات التي يرميها أصحاب بيوت ثرية..

وتكرر احتفاظه ببعض الأجهزة والآنية المنزلية المرمية في القمامة، فينظفها ويقوم بصيانتها واستخدامها في بيته أو يبيعها كأجهزة مستعملة..

ذات صباح شتوي باكر تسمَّر أبو مكنسة أمام صندوق أسود قرب حاوية القمامة، صندوق خشبي يحمل تشكيلات تراثية، جعل أبو مكنسة يرسم أحلام ثراء، ولم يتخيل سوى أنَّه صندوق يمتلئ بالذهب والأموال، وحلم أنَّه سينقل تصنيفه من طبقة المهمَّشين إلى طبقة المتنفذين..

تجمَّدت يداه، رمى بمكنسته جانبًا وتقدم نحو الصندوق، نظر برهة في شتى الاتجاهات ومد يده كمن يقبض على حلم لا يريد أن يشاركه بشري به..

لا شيء يوثق لحظة محاولته فتح الصندوق سوى صوت انفجار..

تحوّل أبو مكنسة إلى أشلاء ضاعت معالمها في شظايا الرصيف وزجاج نوافذ البيوت المجاورة، بينما يتجمهر الناس حول المكان المزدحم بالخراب، ويتابعون تأكيدات الأخبار التي تقول: انفجار عبوة ناسفة مرمية في القمامة وأودت بحياة عامل نظافة..

كاتب وإعلامي وباحث في شؤون الخطاب الإعلامي والسياسات الإعلامية، أحمل إجازة جامعية في الإعلام، ومهتم أيضاً بالكتابة الساخرة الصحفية والأدبية وسبق أن واظبت على نشر صفحتين ساخرتين في إحدى المجلات لثماني سنوات من دون انقطاع.. مهتم أيضاً بالكتابة الدرامية والتحرير التلفزيوني حيث سبق وأنجزت عملاً درامياً خاصاً بشخصيات كرتونية، وقمت بإعداد برنامج تلفزيوني لمدة سنتين، وفيلماً وثائقياً..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب وإعلامي وباحث في شؤون الخطاب الإعلامي والسياسات الإعلامية، أحمل إجازة جامعية في الإعلام، ومهتم أيضاً بالكتابة الساخرة الصحفية والأدبية وسبق أن واظبت على نشر صفحتين ساخرتين في إحدى المجلات لثماني سنوات من دون انقطاع.. مهتم أيضاً بالكتابة الدرامية والتحرير التلفزيوني حيث سبق وأنجزت عملاً درامياً خاصاً بشخصيات كرتونية، وقمت بإعداد برنامج تلفزيوني لمدة سنتين، وفيلماً وثائقياً..