قصة "إلى الضيعة".. قصص قصيرة

جهزوا أغراضكم؛ سنسافر غدًا إلى الضيعة لقضاء عطلة الصيف.

قالها والدي الحنون بابتسامته المعهودة حين يفاجئنا بالأخبار المفرحة. (هييي يا للروعة، أخيرًا سنذهب إلى الضيعة).. قمنا نقفز ونغني فرحين بالخبر.

حسنًا لقد أمضينا عامًا دراسيًّا كاملًا في الشام (هكذا كانت تسمى دمشق)، ونستحق بعد هذا العناء، وعلاماتنا الممتازة، وتقديرات وثناءات المعلمين لنا أنا وإخوتي، نستحق إجازة في الضيعة.

نهضنا في الصباح الباكر ولبسنا ثيابنا الجديدة التي اشتراها لنا والدنا أمس، وحزمنا حقائبنا بعد أن أتخمناها بالملابس الصيفية وحاجياتنا، وانطلقنا بسيارة أجرة (طرطيرة) إلى كراجات العباسيين.

كان هذا في عام ألف وتسعمائة وثمانين للميلاد، وكانت هذه وسيلة النقل الشعبية الدارجة في تلك الأيام، وكنت أنا في الصف السادس وقد نجحت إلى الصف السابع بترتيب الأول في مدرستي، وفي الكاراجات كانت باصات السكانيا التي تنقل المسافرين بين المحافظات في ذلك الوقت والتي كانت تُسمى حينها (باصات الهوب هوب) تنتظر أن تمتلئ بالركاب لكي تنطلق باتجاه المدينة المقصودة.

استقللنا الباص الذاهب إلى حمص، كان الطريق طويلًا وصحراويًّا، ولكن الرغبة في الوصول إلى الضيعة أنستنا وألهتنا عن مشقة الطريق وحرارة الجو.

 وصلنا أخيرًا إلى حمص حيث كان هناك في الكاراج باص وحيد ينتظرنا، وعلى أعلى مقدمته لوحة كُتب عليها (حمص- شين)، وكان السائق قد غسل أرضيته للتو بالمازوت (كانت تلك عادة السائقين في ذلك الوقت، لم أكن أعلم لماذا، سوى أنها رائحة مزعجة تثير الغثيان).

ركبنا الباص، وبعد ساعة شعرتها دهرًا انطلق بنا إلى الضيعة الحبيبة، مرَّ الوقت ببطء شديد، لربما من شدة الشوق للوصول شعرناه هكذا، حتى وصلنا عند مفرق الضيعة، وعند المفرق شعور آخر.

 يصبح الهواء نقيًّا وباردًا قليلًا وتتغير رائحته، فتنعشنا نسائم رطبة آتية من البحر القريب وتبعث فينا الأمل بقرب الوصول، وتكتسي جوانب الطريق باللون الأخضر كلما اقتربنا من القرية.

أخيرًا وصلنا، تنبعث من الضيعة روائح (الجلة المشتعلة) في المواقد، تلك الروائح الممزوجة برائحة الحليب الذي يسخن عليها تترك في الذاكرة أثرًا جميلًا من المستحيل أن أنساه مهما تقادمت السنون.. إنها رائحة الضيعة المميزة، يرافقها فرحة جدي وجدتي بلقائنا، وقبلاتهم الحارة النابعة من القلب.

كم هي جميلة تلك الأيام، وكم أتمنى أن تعود، إنها محفورة بذاكرتي طوال العمر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب