قصة "أما هي فهكذا أحببتها".. قصة حقيقية

في حياة الإنسان سينبض القلب بقوةٍ غير متناهية لمرة واحدة فقط، سيتوقف الزمن للحظات، ستتمنى لو كنت تمثالًا جمَّده الوقت لآلاف السنين على هذا الإحساس وتلك اللحظات، ستشعر بأنك لا ترى ولا تسمع سواها هي، نعم ذلك هو ما شعرت به تمامًا حال جلوسي أمامها ممسكًا يدها للمرة الأولى معترفًا لها بحبي، نسيت أن أخبركم: أنا محمد محمد كمال، وتلك هي حبيبتي ياسمين.

مرت تلك الدقائق عليّ وأنا أنتظر في شغف جالسًا في سيارتي معلقًا نظري نحو أحد أبواب النوادي الاجتماعية الشهيرة منتظرًا خروجها منه، كانت تلك هي المرة الأولى التي سأراها فيها، أخيرًا، وبعد مدة من حديثي معها وارتياحي لها لتكون مشروع صديقة لا غبار على صداقتها.

كل ما كنت أنتظره هو أن يرى بعضنا البعض حتى تدب الطمأنينة في قلب كل منا تجاه الآخر، وليتأكد كلّ منا أن الشخص الذي سمعه وتحدث معه وجبل قلبه على الارتياح إليه هو ذات الصورة التي رسمها كل منا في خياله، كنت أراهن نفسي هل سأعرفها من أول وهلة؟ هل تشبه كثيرًا صورها أم أنها أجمل من ذلك؟

هل تلك الفتاة التي ارتضيت لقلبي أن يكون لها أخ وصديق، وارتاح لساني وعقلي وقلبي للحديث معها والتحدث عن أدق تفاصيل حياتي لها ستكون كما تخيلتها ورسمتها؟

كنت قد أخذت وقتًا طويلًا في اكتشافها محاولًا تكوين صورة لها، ليس لأنه كانت بيننا ثمة علاقة خاصة، لكن لكونها مختلفة، فقد كانت من بين الجميع محل بحثي واهتمامي ورغبتي لمعرفة تفاصيل حياتها، وكيف ساعدت الظروف في تكوين مثل تلك الصداقة.

من الصعب أن تجد في تلك الأيام شخصًا مختلفًا، فقد تشابه الجميع وتسابقوا على ارتكاب الأخطاء واصطناع الشر، والتفنن في كيفية الفراق وأساليب الأذية.

لحظات قليلة تلك التي كنت أنتظرها في صمت، لكن جال في خيالي مئات الكلمات التي دارت بيننا منذ أن تعارفنا، وكيف كانت الصدفة التي جمعتنا معًا، ويا لها من صدفة شاء القدر ألا يكتمها عن اثنين كان من المستحيل يومًا أن يتعارفا! لكنها إرادة الله الذي جمع بين المشرق والمغرب، فكان من اليسير عليه أن يجمع بين شخصين لا تربطهما أي صلة، وكان له في ذلك حكمة.

قطع صمتي خروجها بسيارتها من ذلك النادي، وكان الاتفاق بيننا أن تخرج لنجتمع في مكان قريب، أدرت سيارتي ببطءٍ شديدٍ؛ لعله ذلك التوتر الذي كان يحركني، ليس لأنها كانت المرة الأولى التي أخرج فيها مع فتاة، لكنه كان ذلك التوتر الممزوج بروعة اللقاء وانتظاره منذ زمن.

سرت خلفها حتى ركنت سيارتها بجوار أحد المقاهي الشهيرة، وتركت سيارتي بجوارها منتظرًا إياها للخروج من سيارتها.

لا أخفيكم شيئًا، إني كنت شديد الخجل حتى إنني لم أستطع أن تقع عيناي عليها قبل أن تفتح باب سيارتها للنزول منها.

إن كنت لم تقرأ عن توقف الزمن من قبل فأنت لا تعرف معناه، ولا بد لك أن تجربه بنفسك.

تلك اللحظات التي توقف فيها الزمن فعليًا، ووقفت حواسه كليًا عن أي شيء محيط به إلّاها، صُمّت أذناي عن أي صوت آخر سوى صوتها، ولم ترَ عيناي إلا وجهها فقط، وكأن الرؤية اقتصرت على مجرد وجودها، وانعدمت رؤية الباقين.

سرت قشعريرة باردة في كل أنحاء جسدي جعلته ينتفض داخليًا مئات المرات، أحسست بنبض قلبي وكأن القلب انتقل إلى الأذن، فكنت أسمع نبضاته بوضوح حتى إني لم أكن أعرف سببًا يفسر ذلك، لكني أدركت فجأة أني لا أقف أمام بشر عادي، فكان لزامًا على جسدي أن يفعل ذلك دون أن يدرك كيف لهذا الملاك أن يكون أمامي؟ وكيف يكون قادمًا من أجل رؤيتي؟

كانت جميلة بطريقة دعتني للاعتقاد أن نصف جمال الأرض ليوسف والنصف الآخر لها، فضحكتها كانت صافية صفاء البحر في لحظة شروق سحرية، وملامحها بريئة حد الاعتقاد بأنها ستعيش طفلة حتى الممات، كأنها لوحة لو رسمها أعظم فناني الأرض كدافنشي لما أبدع في رسمها هكذا، ولمَ لا؟ وقد رسمها الإله الأعظم رب كل الفنانين فأبدع فيها.

كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بما حدث داخلي، لكني أصررت على أن أتماسك أمامها حتى أجد تفسيرًا لما يحدث، كانت المرة الأولى التي أرى فيها هذا الملاك بكل تفاصيله الجميلة.

لن أنسى أبدًا أول مرة وقعت عيناي داخل عينيها وكأنها أسرتني وتحفظت عليّ داخلهما، فلم أعد أرى من حينها إلا صورتها في وجه كل من أراه.

كانت المرة الأولى التي تغيّر بعدها كل شيء، كانت المرة التي غيّرت حياة كل منا للأبد، وكان اللقاء الأول.

لم يكن مهمًا عندي كم الساعة الآن؟ في أي مكان نجلس؟ من يجلس بجوارنا؟ كل ما كان يشغل بالي حينها أنها معي للمرة الأولى.

عن روعة ذلك اللقاء، لم أنسَ منه جزءًا من اللحظة حتى يومنا هذا، كل تفصيلةٍ حدثت كانت ذكرى منفصلة حفرت في عقلي ولن أنساها إلى الأبد.

بدأت تحكي، وبدأت أركز، ويا له من كلام، تفاصيل كثيرة بدأت تُكشف لي ولها، حياتنا الشخصية أصبحت واضحة أكثر فأكثر، الطريق أصبح أكثر سهولة للوصول إلى قلب كل منا.

كانت استثنائية، وكنت أظن نفسي عندها كذلك، كل شيء أصبح محفورًا في ذاكرتي، المشهد لا يزال حيًّا، وتفاصيله لا تزال تتكرر أمامي ببطء كلما أردت تذكر ذلك اللقاء.

حتى تلك اللحظة كنت أظن أن الحبَّ كذبة وأن المشاعر هي الوسيلة التي يضحك بها بعضنا على الآخر فقط لكي يتمكن من العيش بجواره، ومنذ تلك اللحظة تبدل كل شيء، انتهى اللقاء سريعًا رغم كل تفاصيله الجميلة، لكنها النسبية الحمقاء، فالوقت الجميل يمر بسرعة الصاروخ، والوقت المرّ يمر ببطء كسلحفاة أرادات أن تحفر المرارة في قلبك وهي تخطو خطواتها البطيئة تلك، فمنذ ذلك اللقاء تحول خريفي إلى ربيع ولم أعد أكتب شيئًا إلا عنها.

كفى حروبًا، وكفى سياسة، وكفى ألمًا، وكفى أن تكون هي موجودة.

لم أعد أريد غيرها، نعم لم أكن لأقول وأفصح عما اعتراني من مشاعر أبدًا خوفًا من فقدها، كنت أتحرك بحذرٍ وأتكلم بحذرٍ، وأتصرف بحذرٍ، كل ذلك من أجل الحفاظ عليها.

لم أكن لأبدأ يومًا من أيامي إلا وقد جعلتها صباحي، وكأنها من كانت تصنع ألوان طيفه فتبهجه، وعندما ترد عليّ الصباح وكأنها أعطتني إذنًا ليبدأ يومي وعملي، وليستمر نبضي وتصبح كل أفعالي سعيدة.

أستمع إلى كل أغاني الدنيا وكأني أسمعها للمرة الأولى، شيءٌ جديدٌ قد بدأ يتحرك داخلي لم أشعر به من قبل، نبضات عجيبة تلك التي كانت تدق ببطء في قلبي ليتمكن من الإحساس بها، سخونة وجهي عند الحديث إليها أو لمجرد أن أفتح صفحتها على أحد مواقع التواصل، كان يشعرني كل ذلك بسعادة عارمة لم أعرفها من قبل، كيف لكل سنواتي الفائتة أن تمر دون تلك الحياة ودون ذلك الشعور.

لم أنسَ أبدًا ذلك الشعور حينما كانت تبادلني بعض الأغاني، وكنا نستمع إليها ساعات، لم أنسَ أبدًا ذوقها الرفيع في اختيار ملابسها، وكيف كانت تبدو في كل لقاء ألتقيها فيه.

لم أنسَ أبدًا عينيها وأنا أقرب كل صورة إليها للنظر إليهما بدقة، لم أنسَ أبدًا كيف كنت أقضي كثيرًا من الساعات أقرأ كل شيء عنها، وكل كلمة كتبتها من قبل على صفحاتها في مواقع التواصل، وكيف كان ردها على كل تدوينة دونتها.

لم أنسَ أبدًا كيف كان أصدقاؤها وكيف كانت طريقة تفكيرهم وكتابتهم واهتماماتهم أيضًا، حتى أمكنتها المفضلة التي تخرج إليها لم أنسها أبدًا.

حاولت مرارًا وتكرارًا معرفة كل ما تحبه وتفضله، ألوانها المفضلة؛ الأبيض والأسود، ولن أحكي لكم كيف تعشق هذين اللونين، الأيام المفضلة إليها هي أيام الجامعة، وكيف كانت تقضيها بشغف الطفلة الذي داخلها.

الأمكنة التي تفضل الخروج إليها، والروائح التي تضعها، نوع السيارات المفضل لديها، كلبها الذي مات، وكلبها الذي اشترته مؤخرًا، عملها الذي احتارت كثيرًا في أن تكمل فيه أم لا، مديرها في الشغل وحليته فاقعة الألوان والورد الذي يحضره معه في أثناء قدومه للعمل، كوب القهوة أو النسكافيه الذي كانت تحتسيه وهي في مكتبها، حبها الجم للانطلاق والخروج وتجربة أمكنة جديدة مع الاحتفاظ برونق الذكريات القديمة لديها، مئات المئات من التفاصيل الأخرى جعلت منها لي حياة.

ارتبطت روحي بروحها ارتباطًا لا يقبل التجزئة، وإن كنتم تعتقدون أني بدأت بسبب ما فات من حديث فأنتم لا تعرفون شيئًا، هكذا فقط كانت البداية، هكذا فقط بدأت في حبها.

هل تعرفون للشوق وزنًا؟ هل تعرفون للحب قيمة؟ هل تدركون كيف يخفق القلب؟

هل تدركون معنى الحب والشوق والاشتياق والغيرة والحلم واللوعة والخوف والاهتمام والطيبة والقلق والألم والمعاناة والاحتضار؟

هل جرب أحدٌ منكم أوجاع القلوب؟

لا بأس إن كنتم لا تعرفون، فمن الآن وصاعدًا ستفهمون كيف كان كل ذلك داخلي.

اجتاحت أوصالي كمٌّ من المشاعر قلما اجتمعت في قلب أحدهم إلا قلوب العاشقين الذين أفنوا ما تقدم وما تأخر من عمرهم في سبيل الوصول إلى قلوب أحبابهم، كنت قد أحببتها حبًا جمًا.

لم تكن الفتاة الأولى بالطبع التي أتحدث إليها، وكذلك لم أكن أنا بالنسبة إليها، لكن ما الذي سيشكله ذلك من فارق؟ كانت طالما هي الفريدة من بينهن التي جعلت قلبي يخفق هكذا، ورسمت البهجة على كل روحي بهذا القدر، وجعلتني في لحظة أنسى كل من قابلتهن من نساء.

الحب يا سادة حقيقي، كائن حي له شعور وطعم ورائحة، لا يقتصر على كلمات العشق والجمل المتكررة، ستجد نفسك هكذا إن أحببت حقًا، ستخرج الكلمات من فمك كما لم تخرج من قبل، ستشعر بأدق التفاصيل وتجد لها رونقًا خاصًا، وكانت هي مليئة بالتفاصيل الرائعة؛ عيناها الصافية التي تنظر في خجل وسحر رائعين كلما نظرت إليك أو سمعت كلماتك، خصل شعرها الناعمة وهي تحركها بيدها في بطء لترى القمر أمامك بدرًا، رائحة عطرها وساعة يدها والسلسلة المتدلية على رقبتها، كل شيء ستراه واضحًا جميلًا فريدًا، وسيمرّ عليك الوقت طالبًا من الله ألا ينتهي أبدًا وقت الرحيل كما آدم عندما خرج من الجنة إلى الأرض.

كنت آدم وكانت هي جنتي وأرضي وملكتي التي أتنفس بوجودها وأعيش من أجلها.

بدأت معها صديقًا وتحدثنا مرات عدة، اقتربت منها أكثر وأكثر، حكت لي عن نفسها وعن ماضيها وحكيت لها، رقنا لبعضنا البعض وكثر حديثنا، وكيف لا أكثر منه وأنا أسمع ذلك الصوت الملائكي عذب النبرة المختلف في نعومته وسحره؟ تقابلنا مرات عدة، اعتدت على وجودها حد الإدمان حتى كان ذلك اليوم.

عندما نظرنا إلى بعض عدة دقائق دون أي حديث، وكان كل منا ينتظر الآخر للبوحِ بما يعتريه، وعندما تحدثت قالت:

- محمد، أنا لن أنتظر أكثر من ذلك...

وسارعتُ في البوح قبلها...

- ياسمين، أنا أحبك.

- وأنا أيضًا أحبك يا حبيبي.

كنت أود أن أضمها إليَّ في تلك اللحظة ساعات وساعات، كنت أريد أن أوصل ما بداخلي إليها دون أن أتكلم حرفًا واحدًا.

كانت ستعرف حينها أنني لم أقصد بكلمة أحبك المعنى الحرفي لها: "أ ح ب ك"، إنما كنت أذوب فيها عشقًا، أشعر بأنها أنا، وأنا هي.

أحبك تعني أني اعتنقت مذهبكِ، تعني أني آمنت بكِ وبوجودك في حياتي، تعني أنكِ أصبحت في قلبي ودمي، أحبك تعني أني لا أستطيع كرهك، أحبك تعني ملايين من المشاعر التي لن تصفها كلمات كل لغات العالم.

تكلمنا يومها ساعات دون أن يكل واحد منا من حديث الآخر.

- تكلمي يا حبيبتي، أريد أن أسمع صوتك العذب، لماذا اخترت الصمت؟

- أريد أن أسمعك وأنت تتكلم يا حبيبي، أحب صوتك حين يتحدث.

كل ألوان الدنيا لو اجتمعت في تلك الأيام لما رسمت شيئًا من الحالة التي كان كلّ منا يعيشها، لم تكن علاقتنا كأي علاقة، فظروف حياتنا لم تكن كأي ظروف، كانت ستمنعنا حتمًا من كتابة نهاية سعيدة كالتي تنتهي بها أي قصة حب عادية وصادقة، كنت أعرف وكانت تعرف، لكني كنت أحبها وكانت تحبني، وقد كان الحب كافيًا حينها.

الحب بداية ونهاية، الحب خريفٌ وربيع، الحبٌ ليلٌ ونهار، الحب عتمة ونور، الحب حياة، اتخذت قراري الخاص حينها، أحبها وسأظل، سأكون لها خادمًا مخلصًا وسيدًا حنونًا، سأكون طيبًا صادقًا وواعدًا منفذًا، سأضم روحي إلى روحها؛ فإن ذهبت ذهبت روحي معها.

لو كانت عصا القدر معي لأمرت كل الكواكب والنجوم والمجرات والبشر والشجر والبحار والأنهار أن تخضع لها، تختار منها ما تشاء وتفعل بها ما تشاء.

كانت ملكتي ومليكتي وملكتي وملاكي، كانت جوهرتي الغالية، وكانت تلك بداية المشكلة الحقيقية؛ إنني لا أراها إلا جوهرة ثمينة، والمجوهرات لا يمتلكها أي بشر حتى إن النظر إليها محرمٌ إلا لمالكها؛ لأنه إن كان يملك ثمنها الغالي لن يسمح لآخر أن يسترق النظر إليها.

لم يترك أحد منا يد الثاني يومًا، كان معظم حديثنا صمتًا، لكن العيون تحدثت بمئات الكلمات، كل شيء أضحى له طعمًا خاصًا بعد ذلك، ابتسامتي لم تفارق وجهي وكأني أراها في وجه الجميع، كلمات الأغاني أصبحت تؤثر فيّ أخيرًا، وتروق لسمعي بعد أن كنت زهدتها جميعًا، تحسنت طريقة لبسي واعتدل هندامي كثيرًا، أصبحت أمارس الرياضة وأنام مبكرًا، كل حياتي تبدل نظامها، لقد غيرتني يا ياسمينتي، أصبحت بك أقوى وأفضل، ولا أريد في الدنيا سواك.

كانت لنا عدة لحظات فريدة في حياتنا، تلك الورود التي أرسلتها إليّ في عملي، الهدايا التي تبادلناها في كل الأوقات، اللقاء الحار بعد مدة من الغياب، الضحكات والطرف وذكرياتنا القديمة، كل شيء، بل كل الأشياء كانت معها حياة مختلفة وعمرًا جديدًا.

الحياة تعطيك كثيرًا وأحيانًا أكثر مما تستحق، لكن إن قررت معاقبتك فسيكون عقابها قاسيًا، القسوة التي تجعل أحدهم يقدم على الانتحار أو يستقر به الحال مريضًا في إحدى دور الشفاء النفسي، أو تائهًا حائرًا من جديد لا يتمنى سوى أن يتمكن من التقاط أنفاسه فقط ليعيش، فقط ليحيا.

كانت كل الأمور جميلة، كانت الحياة مبهجة، تغطي جنباتها الألوان حتى ذلك اليوم وحتى تلك اللحظة التي تغير بعدها كل شيء.

كان لقاء الحب الأخير، الآن سأقابلها بعد أن باحت قلوبنا لبعضها بما داخلها، من المؤكد أن اليوم الذي سبق تلك المقابلة لم أستطع فيه النوم من شدة فرحي وقلقي؛ ماذا سأرتدي؟ ارتديت جميع ملابسي مجربًا هذا على ذاك، وذاك على هذا، حتى إنني في نهاية الأمر ارتديت أقرب قطعتين إلى يدي من شدة حيرتي، هل أحلق ذقني أم أتركها هكذا؟ بالطبع حلقتها فهي كانت تفضل ذلك، كيف أمشط شعري؟ أي حذاء مناسب أكثر؟ أي رائحة من الممكن أن تفضلها؟ هل تحب الشوكولاتة؟ من المؤكد، لا تكن غبيًا، ما من فتاة إلا وتعشقها.

هل أجلب لها معي؟ لا تفكر كالحمقى، بالطبع يجب أن تحضر معك.

في أي مكان سنجلس؟ بماذا أبدأ حديثي؟ هل أحتضنها بمجرد رؤيتي لها؟ هل ستجلس بجواري؟ هل سأستطيع أخيرًا تقبيل يدها والإمساك بها؟

لا يهم كل ذلك، دع ما يحدث يحدث، المهم ألا تتأخر عليها كعادتك الدنيئة.

استقللت سيارتي وطويت الطريق مسرعًا محاولًا الوصول قبلها تلك المرة، ها أنا أجلس أنتظرها، وها هي قد جاءت.

ما هذه الأناقة؟ يا لروعة تلك الابتسامة! هذه المرأة حبيبتي؟ نعم، إنها كذلك، وقفت أمامي، لا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك، أخذتها في حضني وقلت:

- وحشتيني.. وحشتيني أوي.. بحبك يا غالية.

قالت لي:

- لا أريدك أن تترك يدي أبدًا ما دمنا جالسين مع بعضنا البعض.

- حبيبتي، أنا لن أترك يدك ما حييت، أعشق القدر الذي جمعني بك، أعشقك...

ويا له من يوم!

الحبّ حالة من الاطمئنان، تدوي بقلوب المحبين فيرتاح كل منهما للآخر، لم يكن عندي من الموانع أن أنادي بأعلى صوتي في كل الأماكن "أحبك"، لم يكن عندي من الموانع من أن أحتضنك في وسط الشوارع، أن أصر، أن أفعل ذلك في أكثر الأمكنة ازدحامًا وأمام جميع البشر.

ولمَ لا؟ والحب جنون، ولولاكِ وخوفي من أن يسبب ذلك لكِ أي نوع من الإحراج لما ترددت لحظة في أن أفعل ذلك مرارًا وتكرارًا، فخورًا بما أملك، عاشقًا لما أحب، كانت كل مشكلتي أنني أفكر معك في التو واللحظة، لا أخشى المستقبل، ولا أنظر إليه، ولا أخاف منه ما دمنا معًا الآن، وما دمنا نحافظ على ذلك الحب لحظة بلحظة، لن نخاف من شيء، أي شيء.. كانت كل آمالي حينها متى سأقدم لك باقة استثنائيّة فريدًة من الورد الأحمر؟ وكيف سأفاجئك بها؟

متى سنرقص معًا أحلى رقصة منفردة لي ولك وأنا أضمك لحضني؟

متى سنسافر معًا إلى إحدى الأمكنة بمفردنا لنقضي أوقات كثيرًا ما تمنى العاشقون أن يحيوها؟

متى سأجعل مني طريقًا لك تمشين فيه حتى أضمن الاطمئنان عليك؟

متى وكيف ولمَ تأخر كل هذا؟ كيف أجعل منك أسعد المخلوقات وأكثرها رضا؟

لكني ربما كنت ساذجًا حين فكرت بتلك الطريقة، ربما يا غالية كنت تافهًا، ولكن المؤكد لي أنني كنت أحبك، أحبك فقط.

قابلتها تلك المرة بعد طول غيابٍ، كانت تنتظر في سيارتها حتى قدومي، كان الجو ممطرًا والهواء ممزوجًا برائحة المطر، نزلت من سيارتي ونزلت واقتربنا من بعضنا في هدوء أسفل المطر غير مبالين، ابتسمت لها ودون أي حديث يذكر ودون أي ترتيبٍ وجدت نفسي أحضنها في مشهدٍ ليس بسينمائي، وإنما كان حقيقيًا جدًا، اقتربت من أذنها هامسًا:

- وحشتيني...

تحت المطر احتضنتها حضننا الأول وكان الأخير، دخلنا معًا إلى أحد المقاهي، وككل مرة تبادلنا الأحاديث، ولن أنسى أبدًا يومها حين عاهد كل منا الآخر ألا يتخلى أحد عن الآخر مهما حدث، بالطبع سأفعل دون أي وعد، كيف لي أن أتخلى عن جزء من روحي إن لم تكن كلها، دقت الساعة التاسعة مساءً، أخبرتني بوجوب رحيلها فالجو ممطر، ولا بد لها من العودة مبكرًا، ودعتها وركب كل منا سيارته ورحلنا، رحت أفكر في طريقي عن حديثنا ومستقبلنا، وعن ذلك الحضن الذي لا أتمنى أن ينفك أبدًا ما حييت يهتف بتفكيري، صوت هاتفي يعلن عن قرب انتهاء شحنه، بحثت عن شاحني فلم أجده في السيارة، تذكرت...

لقد تركت الشاحن على المنضدة حين كنت جالسًا مع حبيبتي وتركته، بالطبع سأعود لاسترجاعه، إذ كيف لي أن أنتظر دون أن أطمئن عليها حال رجوعها إلى منزلها، ركنت السيارة مسرعًا في أي مكان خارج المقهى، ودخلت مبتسمًا إلى النادل متجهًا إلى المنضدة، وكانت المفاجأة، وكانت الصدمة.

كانت ياسمين أمامي مباشرة تجلس على أريكة أمام المنضدة برفقة أحدهم، ممسكة يديه وتنظر إليه تلك النظرة التي كانت تبادلني إياها منذ قليل.

تسمَّرت في مكاني، أحسست بانخفاض خفقان قلبي الشديد وصعود الصداع إلى رأسي في ثوانٍ معدودة.

ما هذا؟ كيف تجرأت تلك الحقيرة على اللعب بي هكذا، تقدمت خطوة في اتجاههما ثم تراجعت، لم أكن أتمالك نفسي ولا أدري ماذا أفعل؟ الغريب في الأمر أنني وقفت عدة ثوانٍ دون حتى أن تلاحظ وجودي، ها هي عيناها وقعت في عيني، تركت يده في سرعة ممزوجة بالتوتر، ونظرت إلي نظرة المصدومة، نظرة الخائنة، تركت ذلك العبث خارجًا وركبت سيارتي وانفرطت في البكاء.

مرت الذكريات الجميلة تلك على رأسي مؤلمة متسارعة، رحت أخبط في كل شيء حولي وأنا أبكي بحرقة المهزوم، حرقة من مات والده أمام عينيه منذ ثوانٍ معدودة، وجدتها تخرج إلي مهرولة وهي تنادي عليَّ:

- محمد.. محمد.

أدرت السيارة، وسرت بها مسرعًا، قدت السيارة إلى إحدى الطرق السريعة المظلمة وأوقفتها، نزلت مسرعًا لأفرغ كل ما في معدتي، ووقفت أنظر إلى المجهول صارخًا:

- لماذا؟ لماذا؟

أيام مظلمة كثيرة مرت، بدأ الجميع يلاحظ ضياعي واحمرار عيني وذبول ملامح وجهي.

لم يكن الأمر سهلًا، لم يكن كذلك أبدًا.

دعاني الفضول لأجد تفسيرًا واحدًا لما حدث، عرفت بعد مدة أن ذاك الشخص كان موجودًا في حياتها قبلي، لم أكن حبيبك أبدًا يا ياسمين، كيف لروحين اتحدا حبًا أن يفترقا؟ كيف لطفل صغير مثلي أن يعيش يتيمًا دونك؟ كيف أعيش دون وطن... دون مسكن... دونك؟ كيف لك ألا تتمسكين بي وأنا أغرق، وأنا أنظر إليك نظرة غريق قبل الموت؟

كيف لك تركي أموت أمام ناظريك مبتسمة؟ أما كان لكِ أن تنظري إليّ بعين العطف؟ بعين الشفقة؟ بعين الرحمة؟ بعينيكِ؟

ألم يتحرك قلبك من أجلي للحظة؟ من أجل أي لحظة عشناها معًا؟ من أجل ضحكي معك، من أجل دموعي، من أجل خوفي واهتمامي بكِ؟

ألم تتوقفي للحظة لتفكري مع نفسك، لماذا فعلتِ به هكذا؟ لماذا جعلت نبضات قلبه تتسارع حد الوقوف هكذا؟ الحب يا حبيبتي كان عندي أن أرى فيكِ كل بنات الدنيا لا لأراكِ وأنتِ معهم.

كنت مجرد عابرًا في الطريق تنسين به همومك وعثرات قلبك الفائتة، كنتِ تحاولين نسيانه بي، لكنك لم تجدي ضالتك.

ترى كم عابرٍ في الطريق غيري حاولت بهم نسيان الآخرين؟

كم قلبٍ دمرته وجعلته مولعًا بكِ؟ أعتقد وجود بعضهم، لكن أبدًا لم يحبك منهم أحد مثلي، حتى ذلك الغريب ربما كان أحد هؤلاء العابرين.

لم أجد تفسيرًا أبدًا، لكني احتفظت بتلك الذكريات الجميلة من قبل أن أراكِ هكذا في مخيلتي إلى الأبد.

للأسف أحببتك بصدق، وتلك الصورة الملائكية القديمة لم أستطع يومًا نسيانها.

انسحبت ببطء أنا وذكرياتي إلى المجهول، إلى عالمي الجديد دونك يا من كنتِ حبيبتي.

ذات يوم راجعتْ ذهني بعض ذكرياتي القديمة من سنوات تتجاوز الثمانية.

كانت توجد إحدى الفتيات التي تدعى سمر تحبني حبًا جمًا، لم أكن أحبها، لكني لم أكن أخفي إعجابي باهتمامها بي؛ تلك النظرات والهدايا والاهتمام والأغاني القديمة، كنت فرحًا بذلك كله، فرحة الطفل الذي يحب اللهو واللعب كثيرًا دون أدنى اعتبار لما يجول بمخيلة تلك المسكينة من مشاعر صادقة.

أتذكر ذلك اليوم الذي أتت إلي فيه بالجامعة دون أن تخبرني كنوع من أنواع المفاجأة، ورأتني مع فتاة أخرى نتبادل الحديث، رأيتها فهربت ولم أحس بأدنى شعور من الألم سوى أنها صعبت علي قليلًا، تمنيت فقط الاعتذار في الأقل، لكنها كانت المرة الأخيرة التي أراها بها.

ذلك الدَين القديم أدفع فاتورته الآن، لا بد أن سمر صرخت وبكت وانهارت كما حدث لي.

أن تكسر قلب أحدهم فهذا دين لا بد أن يوفيه قلبك مكسورًا، سمر هكذا أحبتني أما ياسمين فهكذا أحببتها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب