قصة "أدركتُ قيمة ما فقدت".. قصة قصيرة

أنا سامي، شاب في السادسة عشرة من عمري، أسرد قصتي.

تبدأ قصتي مع صديق تعرَّفت عليه في السادسة من عمري، اعتقدت أنه مثله مثل أي شخص أو صديق في مسيرة حياتي، لكن كامل لم يكن صديقًا عاديًّا، فقد استمرت صداقتنا عشر سنوات وما زالت إلى الآن.

كامل الصديق الوفي مستعد للتضحية بأي شيء لي وأنا أيضًا، فأنا أعدُّه أخي بما أني وحيد أمي وأبي، كامل كان فردًا من العائلة، ولطالما كنا ندعوه لتناول الطعام أو اللعب معي.

وفي بعض الأوقات يدعوني إلى منزله لقضاء الوقت أو مذاكرة الدروس، فقد كان منزلي منزله ومنزله منزلي.

نعم.. وأكثر من ذلك، حتى إننا كنا السبب في قرب عائلاتنا من بعضهما بعضًا.

وفي يوم وصلت إلى المنزل عندما انتهيتُ من المدرسة، وعندما وصلتُ كالعادة استقبلتني أمي بابتسامة مشرقة وبادرت بسؤال: كيف كان يومك الدراسي؟

أجبت: كان مملًّا؛ فلم يأتِ كامل إلى المدرسة، وأنا أُجبرت على البقاء وحدي في المقعد والملعب، ولا أحد كان برفقتي.

أجابت وهي مستغربة: لمَ؟ ألا تملك أصدقاءً غير كامل؟ أين أصدقاؤك يا سامي، وائل وغيره من أصدقائك.

أجاب بملل: لي أصدقاء، لكن لا تعجبني طريقتهم باللعب وأيضًا أسلوبهم، فالوحيد الذي أستمتع معه هو كامل.

حان وقت الغداء، جلسنا أنا وأمي وأبي، كان أبي يشعر أنني ضجر ولا آكل جيدًا فبادر وسألني: ما بك بني؟ لما أنت هكذا؟ أتشعر بالملل؟ لِمَ لم تدع صديقك كامل لتناول الغداء معنا؟

أجبته: لم يأتِ إلى المدرسة اليوم، قد يكون مريضًا، سأذهب لزيارته بعد الغداء.

أجابت أمي بنبرة حازمة: لا؛ يجب أن تنهي فروضك أولًا ودروسك، وعندما تنتهي اذهب إلى كامل.

لم يكن لي خيار فصعدت إلى غرفتي أنجز ما عليَّ من وظائف ودروس رغم أنني لم أكن أعطي لها بالًا؛ لأني كنت مشغولًا بسبب غياب كامل.

انتهيتُ وذهبتُ متجهًا إلى منزل كامل، وصلت وباحترام طرقت الباب ثلاث طرقات، انتظرت بضع ثوانٍ وأعدت الطرق فلم يجبني أحد. مضت عشر دقائق ولم يُفتح الباب.

عدتُ إلى المنزل وأخذت أفكر..

هل يا تُرى كامل قد رحل هو ووالداه؟

ولكن لِمَ لم يودعني أو أنه فقط يريد المزاح معي أم ماذا؟ أم أنهم ذهبوا لزيارة أحد ما؟

وسرعان ما أبعدت تلك الأفكار وذهبت إلى الهاتف واتصلت بأم وائل، سمعت صوتًا يقول: ألو من على الخط.

- أنا سامي.

- أهلًا سامي كيف حالك.

- بخير الحمد لله، اتصلت لأسأل عن كامل لِمَ لم يأت للمدرسة اليوم.

- لا أعلم ماذا أقول لك يا سامي، فالكلمات لا تكاد تخرج من فمي، لقد تعرض كامل لحادثة سيارة وسقط على رأسه؛ ما أدى إلى ارتجاج في دماغه ونحن الآن في المستشفى.

حينئذ شعرت بأن الدم توقف عن الجريان في عروقي، أو أن قلبي توقف عن النبض. أخذت منها بعض المعلومات ونظرت إلى الساعة، كانت الساعة الخامسة.

نزلتُ مسرعًا إلى والديَّ وأخبرتهما بما حصل، ولم أشعر إلا ونحن في المستشفى. ركضت إلى أم كامل وأمسكت يدها، نظرت لي نظرات باكية.

سألتها: كيف هو كامل الآن؟ أرجو أنه بخير.

أجابتني أن ذلك قد يؤثر في ذاكرته سلبيًّا.

تجمدت للحظات ولكن سرعان ما تذكرت أنني أعز أصدقائه وكأخيه ولن ينساني طبعًا. بعد مرور ساعة خرج الدكتور وكان رافض التحدث عن أي شيء. قال يمكن لكم الدخول.

قررنا أن ندخل أنا والخالة أم كامل، دخلت وإذا بكامل جالسًا على سرير أبيض اللون ومستيقظًا ينظر لنا..

حينئذ كانت الصدمة؛ فكامل تذكر والدته وأباه، ولكن لم يستطع تذكر أي شيء عني وعن أمي وأبي ولا عن صداقتنا الدائمة سنوات.

حينها شعرت أن قلبي انشطر نصفين ولم أعد أرى بوضوح بسبب الدموع في مقلتي. خرجت وجلست في حديقة المستشفى وأنا أبكي.

ألهذه الدرجة يا كامل؟

ألم تكن صداقتنا متينة حتى تنساها أنت بساعات؟

هل نسيت عشر سنين من حياتك ونسيتني معها؟ هل قلبت صفحة كتابك وجعلتها من الماضي وقلبتني معها؟ هل ستعود الحياة إلى مجراها؟

لكن قاطعني صوت، هذا الصوت كان نابعًا من أعماقي يقول: إن كامل لا ذنب له بما حصل، هو الآن المتألم وليس أنا.

عدتُ وجلستُ مع كامل ساعات أحدثه وأخبره، ولكنه كالغريب لا يستجيب.

انقضى شهر وأنا أحاول تذكير كامل بالكلام لكن لم ينفع ذلك. فقررت أخذه إلى المحالِّ التي كنا نذهب إليها قديمًا، حينها بدأ كامل يستعيد جزءًا من ذاكرته، فقد تذكر محل الآيس كريم الذي كنا نأكل منه، وتذكر المدرسة.

وفي يوم أتى كامل يركض إلى المدرسة يصرخ ويقول: سامي، وائل، رامي، اشتقت لكم، أشعر أنني لم أتحدث إليكم منذ زمن.

هنا صعقنا، هل يا ترى استعاد كامل ذاكرته؟ ركضنا إليه ونحن متشوقون لمعرفة ما حصل.

وقتئذ عادت لكامل ذاكرته، وأدركت أن كاملًا كان كل شيء لي، فهو صديقي وأخي ومن يقف معي دائمًا، أخبرته عن محاولتي إنعاش ذاكرته وصعابي وألمي لشعوري كأنني غريب عنه، حتى وائل ورامي كانا يحاولان تذكيره ومساعدتي، وحينئذ أدركت معنى وقيمة الصداقات.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب