قصة "أحلام".. قصص قصيرة

كانت أحلام فتاة جميلة ورقيقة وبريئة وغبية، صدَّقت كلامه عن الحب والزواج والعائلة.

 

سألته ذات مرة -هل ستتزوجني رغم فقري. - الحب لا يميز بين فقير وغني - رغم أصلي فوالدي كان حلاقًا (مزين) وأنت ابن قبيلة -الحب لا يفرق بين الناس بل يوحدهم -لكنني لست جميلة -أحببتك روحًا لا جسدًا - ماذا عن أهلك إن لم يقبلوني زوجة لولدهم - إن لم يقبلوا بك فلن أقبل غيرك، سأخوض حربًا لأجلك.

لا نعلم ما الذي يخبئه لنا بحر الحياة، تلاطمنا الأمواج إلى شطآن جزر مختلفة منها النائية فنشعر بالوحدة، ومنها الغريبة فنشعر بالوحدة والوحشة مع أن حولنا ناس كثر، ومنها الخضراء الجميلة كالجنة ولا نعلم ما الذي سيحدث لنا، وقد يحدث أن تغرق الجزيرة التي نكون فيها، قد نغرق وقد ننجو إذا كنت تجيد السباحة، ربما تنجو لكنك قد تضطر إلى السباحة لوقت طويل، فينتهي بك المطاف لإحدى الجزر أو الغرق، أما أحلام جرفتها الحياة إلى جزيرة كانوا يبحثون عن قربان ولم يجدوا أنسب منها.

كثرت لقاءتهم تدريجيًّا، لمحت معه أكثر من مرة شاع الحديث عنهما بين الناس، سألتها والدتها عدة مرات عن صحة ذلك فأنكرت، وفي ذلك اليوم لم تستطع التحمل صرخت -إنه يحبني وسيتزوجني

صفعتها والدتها حتى حفرت أصابعها بذلك الخد الذي أحرقته الشمس في أثناء العمل في حقول الناس، حيث تعرفت أحلام على ذلك الشاب الوسيم أدهم، الذي ظل يلاحقها حتى أحبته ووعدها أنه سيتزوجها

ظلت تقابله بين الحين والآخر وتحدثه عن يومها المملوء بالعمل الشاق في الحقول، وعن أحلامها وحياتها معه. كانت والدتها تعلم أن أدهم لن يتزوجها حتى لو أراد وأنها تستمر بمقابلته فمنعتها من الخروج

صالح رجل غني في منتصف الثلاثينيَّات يعيش في أمريكا مع زوجته وأبنائه، جاء هو وزوجته وأبناؤه لزيارة أهله بعد غربة عشر سنوات، كانت والدته لا تحب جلب خدم غرباء للعمل في حقلها بعد أن سُرِقَت من إحداهن. سمعت بعض الإشاعات عن تلك الفتاة (أحلام)، وفكرت في تزويجها لصالح فقط؛ لتخدم، كما أن زوجة صالح جميلة جدًا لن ينظر إلى فتاة عادية كأحلام

لم يمانع صالح فلا فرق لديه، عندما ذهبت والدة صالح لخطبة أحلام التي ما تزال ممنوعة من الخروج إلى أي مكان، وعندما علمت من أن والدتها تنوي الموافقة (إنه من أبناء جلدتها جده كان حلاقا كما أنه غني وسيكرمك يا ابنتي).. هذا ما قالته والدتها لإقناعها وما فكرت به

هربت من البيت لدقائق معدودة، ذهبت إلى من شغف قلبها حبًّا، رأته واقفًا ولحسن حظها لم يكن أحد في الجوار، لم تطل الوقوف، رمت له رسالة صغيرة كتبت ما فيها على عجل، وعادت هرولة إلى البيت..  

كتبت في تلك الرسالة " لقد عرفت والدتي بأمرنا ومنعتني من الخروج وتريد تزويجي من آخر إن لم تأتِ فسأهلك". جاء رده في اليوم التالي برسالة " آسف لكنني لن أستطيع أن أواجه الأهل والمجتمع". 

صعقت من رده، كانت تظن أنها أحبت رجلًا سيخوض حربًا لأجلها كما قال ذات مرة، لكنه خيَّب ظنها، انسابت دموعها بصمت، شعرت موت روحها. تم الزواج وتجهيزاته خلال ثلاثة أسابيع. الجميع يرقص ويغني في حفل زفافها، وكان قلبها يبكي.

زفت إلى بيت زوجها، كان حفلًا بسيطًا جدًا.. في نهاية اليوم صدمت بأم صالح تأخذها إلى غرفة صغيرة أسفل الدرج تخلو من كل شيء عدا فراش نوم في إحدى الزوايا. أتت والدتها لزيارتها بعد الزواج، لكن والدة صالح استقبلتها بوجه متجهم وغاضب قائلة -ليس لك حق في زيارتها أنت بعتِ ونحن اشترينا -لكني لم أبع بل زوَّجت!- كلاهما واحد لا فرق إلا إذا أردتِ أن أردها إليك.

صمتت والدتها بمرارة، وعادت إلى بيتها حزينة لا تستطيع أن تجعل ابنتها مطلقة خصوصًا بعد أن اكتشفت أنها تعاني سرطانًا في المعدة ولا أمل بالشفاء

استطاعت أن ترى ابنتها فيما بعد دون علم أم صالح، وبمساعدة حياة أخت صالح، التي كانت تشفق على أحلام ولم ترضَ بما يحدث، لكنها لا تستطيع فعل شيء لها

مرت سنتان وأحلام تعمل كالحمار أعمالًا خارج البيت وداخله دون أن تشكو، فلا يحق لها تعمل ليل نهار دون أن تحظى بأي احترام أو تقدير،  كما لم يعد لها أحد، توفيت والدتها قبل سنة، أحلام لم يبقَ لها إلا حلم واحد هو الرحيل من هذا العالم القاسي.. 

ترى متى سترحل! تأملت حولها.. حل الصباح ولم تنم أحلام، قررت تحقيق حلمها الأخير، خرجت مبكرًا، اتجهت نحو تلك القمة المنحدرة التي يخافها الناس، ظلت تصعد مدة طويلة. كان ارتفاعًا شاهقًا ومنحدرًا مخيفًا.. أخيرًا سترتاح سينتهي بؤسها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب