ظاهرة البخل في الشعر الجاهلي

مجدُ العرب عبر التاريخ هو خلق الكرم، ويعد من الصفات الأساسية في حياتهم، وينعكس ذلك في أشعارهم التي يغنونها، ودواوينهم الشعرية مملوءة بالمدح على الكرم.

اقرأ أيضاً البخل النفسي وطرق الوقاية منة لحياة نفسية سليمة

البخل في العصر الجاهلي

إلا أن غلبة الكرم بينهم وتقديرهم للكرماء لا ينفي أن بعضهم كان يبخل بأمواله ويتجنب السؤال، وقد سخروا من بعض رجالهم لبخلهم، وانتُقد البخل والبخيل، لأن صفة البخل من الصفات التي تكسب صاحبها الخجل واللوم في عينيه.

لقد تناول الشعراء ظاهرة الجشع في الجاهلية باستفاضة، وانتقدوها وحرموها، ونأوا بأنفسهم عنها، وكان ذلك وسيلة لإيذاء القبيلة والتقليل من قيمتها بين القبائل، فهو سلوك مستهجن ومشين، وهو عار على الفرد والقبيلة، وهو سلاح العنف الذي يستخدمه الشاعر ضد الشاعر، ووسيلة فعالة في مواجهته الأعداء والخصوم.

وشبهوا البخيل بالضال الذي يهدر ماله، وصوروا فزع البخيل إذا جاءه زائر، فلا البخل، ينفع صاحبه ولا يرفع شأنه، بل يزيده ذلًّا وهوانًا، وكانوا يفتخرون أنه لم يكن في قومهم بخيل، وامتنعوا عنه طمعًا، ومرة عاتبوا الخصم على بخله، وطالبوا بالحياة الطيبة ولو كانت قليلة، وانتقدوا البخل على الأحبة، وجعلوا البخل إحدى أسباب لعنات الناس وهجائهم.

وذكر البخل الأخلاقي كبخل المرأة في التواصل وعند التعارف، وبيَّن الشعراء دور المرأة ولا سيما الزوجة في تحريض أزواجهن على الكذب.

يرتبط الشعر الجاهلي ارتباطًا وثيقًا بحياة الجاهليين وعاداتهم وأخلاقهم وعلمهم، لأنه يمثلهم بأمانة قدر الإمكان، ما يجعله شاهدًا على تاريخ العرب قبل الإسلام، ولا يزال الشعر الجاهلي صورة معبرة عن بلاغته وكثافة تأثيره وجلال تأثيره في حياة عرب جزيرتهم طوال عصر الجاهلية.

الحديث عن الكرم والجشع احتل مكانة بارزة في موضوعات شعرهم، فالجشع باعتباره ظاهرة اجتماعية، كان -ولا يزال- يعد في عرف المجتمعات العربية والإسلامية من أدنى الصفات وأفسدها إلى النفوس، ولذلك كان الإنسان الكريم والعطوف موضع ثناء الشعراء وغيرهم من المحتاجين.

وكان الناس الطامعون في الجاه والثروة أكثر تعرضًا لغضب الساخطين وهجائهم، وامتلأت دواوين الشعراء من الجاهلية وما بعدها بتمجيد الكرم وإدانة البخل، لأن البخل عار على العباد، الفرد والقبيلة، وهو سلاح حاد يستخدمه الشاعر ووسيلة فعالة في مواجهة خصومه.

اقرأ أيضاً آفة البخل وأنواعه وهل يستطيع البخيل أن يغير هذه الصفة؟

مفهوم البخل

البخل لغة ضد الكرم، وقد بخل يبخل بخلًا وبخلًا فهو باخل: ذو بخل، والجمع بُخال وبخلاء، والمبخلة: الشيء الذي يحملك على البخل.

وعرفه الراغب الأصفهاني بأنه: (الطمع وهو حبس المال الذي لا حق له في حبسه).

وقد عرفه ابن حجر العسقلاني قائلًا: (البخل هو رد ما يطلبه إلى ما يكتسبه، وشر ما يستحقه الطالب).

ويأخذ الطمع أشكالًا مختلفة، منها: الطمع بالأموال والممتلكات، والطمع مع النفس بعدم تقديمها على محبة الله تعلقًا بالدنيا، والطمع بالهيبة التي يبخل فيها صاحب الهيبة بتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها، وطمع المعرفة، إذ يخفي العارف علمه، ولا ينصح، ولا يقود.

اقرأ أيضاً قراءة في كتاب البخلاء للجاحظ

شعر البخل في عصر الجاهلية

وقال طرفة بن العبد في ذم البخلاء:

أرى قبر نحام بخيل بماله *** كقبر غوي في البطالة مفسد

إذ يرى قبر البخيل بماله مثل قبر من ضل وأفسد بماله.

ويسخر الأعشى من البخيل الذي يفزع عندما يرى زائرًا يأتيه ويقول:

إذا زاره يومًا صديق كأنما *** يرى أسدًا في بيته وأساودًا

وهذا عمرو بن الأهتم يستنكر الطمع ويطلب من زوجته عدم دعوته إليه ويشوه صورته بقوله:

ذريني فإن البخل يا أم هيثم *** لصالح أخلاق الرجال سروق

ذريني وحطي في هواي فإنني *** على الحسب الزاكي الرفيع شفيق

وإني كريم ذو عيال تهمني *** نوائب يغشى رزؤها وحقوق

ويدعو الشاعر زوجته إلى تركه وعدم دعوته إلى البخل والإمساك، لأن البخل سيحرمه من كل الأخلاق الحميدة التي اشتهر بها الرجال، مستخدمًا الاستعارة المجازية التي جعل بها البخل سارقًا لأخلاق الرجال.

زهير بن أبي سلمى يستنكر الطمع

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله *** على قومه يستغن عنه ويذمم.

ويصور الشاعر هنا موقف المجتمع البغيض تجاه البخيل البعيد عنه الذي يعده مقصرًا ومذنبًا، خاصة صاحب الكرم الكبير الذي يبخل بالنعمة على قومه، فيستغنون عنه ويعتمدون على غيره، ويعدونه مستحقًا للوم.

ويقول السموأل بن عاديا مفتخرًا أنه ليس في قومه طماعون:

فنحن كماء المزن ما في نصابنا *** كهام ولا فينا يعد بخيل

 

ويفتخر الشاعر بقومه ويصف نسبهم بأنه واضح ونقي مثل ماء المطر الذي يتساقط صافيًا ومشرقًا، وليس فيهم بخيل، ما يدل على أن البخل مما تنتقده القبائل، وبذلك أراد أن يساوي نقاء سلالاتهم بنقاء مياه الأمطار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة