دعوة على العشاء.. قصة قصيرة

حينما كنتُ معانقًا للوسادة غارقًا في النوم، بدأ الهاتف بالصياح..

استيقظتُ بتململ، نظرتُ لساعة الحائط، كانت تشير للرابعة عصرًا، تناولتُ سماعة الهاتف وتحدثت:

-من معي؟

-أسعد الله أوقاتك أستاذ، نعتذر إن تسببنا لك بالإزعاج، معك قسم الريسبشن "Recepion" من مطعم الشرق.

-أهلاً بك، لا مشكلة، ما الأمر؟

-توجد دعوة لك على العشاء اليوم في المطعم.

-لي أنا؟

-نعم أستاذ، لك.

-ممن الدعوة؟

-في الحقيقة لا نعلم، أتى شخص وأوصل رسالة باسمك، ورقم هاتفك، لندعوك لتناول العشاء.

-إنه أمر غريب حقًّا..

-نحن في انتظارك في تمام الساعة التاسعة، هل تعلم عنوان المطعم؟

-نعم، أعرف العنوان.

-حسنًا أستاذ، نحن بانتظاركم، ونأسف على الإزعاج مرة أخرى.

-لا مشكلة، شكرًا لك.

أغلقتُ سماعة الهاتف، وجلستُ أحاول فهم ما يجري..

قد يعجبك أيضًا المشهد الأخير.. قصة قصيرة

تُرى مَن أرسل لي هذه الدعوة؟

لا أعرف أحدًا قد يفعل ذلك، بل إنه ليس لديَّ الكثير من العلاقات، جميع الذين أعرفهم هم بعض الزملاء في العمل وعلاقتي تنتهي بهم بانتهاء الدوام.

تُرى مَن يكون هذا الشخص؟ أهو فتاة أم رجل؟

بدأ الفضول يزداد رويدًا رويدًا، ورحتُ أنتظر الوقت ليمضي والأفكار تجوب رأسي، ولا ترسو على أحد أعرفه، ثم قلتُ في نفسي:

-ربما إحدى الزميلات في العمل تود التقرب مني، فلم تجد سوى هذه الطريقة.

ومضى الوقت بثقله، وقبل الموعد بساعتين ذهبتُ للحلاق لأهذب شعري وذقني، ثم عدت للمنزل لأستحم وأجهز نفسي.

أردتُ أن أكون بكامل أناقتي، ارتديت بِزّة (بدلة) رسمية سوداء يتخللها قميص أبيض، وصففت شعري، ورششت العطر، ومسحتُ حذائي، وانطلقتُ.

أردت الوصول في الموعد المحدد تمامًا، ليس قبله ولا بعده، ودخلت المطعم، ونظرتُ إلى الساعة، كانت تشير إلى التاسعة تمامًا.

كان المطعم هادئًا جدًّا، ليس هنا الكثير من الرُّواد، الأضواء الهادئة، وصوت موسيقى خفيف يبعث على الراحة، جميع الأشياء مرتّبة وأنيقة، حتى من يمارسون الضيافة بالمطعم كان لباسهم مرتَّبًا ونظيفًا، ورائحة العطر تنبعث من كل صوب.

اقترب أحدهم وقال لي:

-أهلاً بك أستاذ، تشرفنا بحضورك، هل تود الجلوس بمكان محدد؟

قلتُ له:

-عفوًا، ولكن قد تلقيتُ دعوة على العشاء في مطعمكم.

أخرجَ دفترًا صغيرًا من جيبه، ونظر فيه ثم قال:

-عفوًا.. هل من الممكن أن أتعرف إليك؟

-اسمي وائل الحسن.

نظر في دفتره ثم ابتسم وقال:

- نعم، هذا الاسم موجود، تفضَّل معي لو سمحت، واصطحبني إلى طاولة بالقرب من النافذة؛ والتي كانت تشرف على المدينة كاملة، وقال لي:

-تفضل بالجلوس هنا.

جلستُ وأنا أنظر من حولي ثم قال:

-هل تريد شيئًا الآن أم أعود بعد قليل؟

قلت له:

-شكرًا لك، سأنتظر قليلاً.

-حسنًا أستاذ، إذا احتجت لشيء أشر إليَّ بيدك، وسأكون في خدمتك.

-شكرًا لك.

وانصرف، في حين أنا أحدِّق بباب المطعم منتظرًا أن يدخل الشخص الذي دعاني، مضت خمس عشرة دقيقة ولم يدخل أحد.

قد يعجبك أيضًا حلم عابر.. خاطرة وجدانية

بدأتُ أنظر في المكان من حولي ربما هو جالس في مكان ما يراقبني، لكن لم ألاحظ وجود أحد، لم يكن هناك سوى عائلة مكونة من رجل وزوجته وبصحبتهم طفلان، وحول طاولة أخرى كان يجلس شاب وفتاة بالقرب من بعضهما يتهامسان ويبتسمان، على ما يبدو هما عاشقان، وغير ذلك، لم ألاحظ وجود أحد..

اقترب النادل مني مبتسمًا وانخفض قليلًا، ثم همس لي بصوت لطيف وهادئ:

-أستاذ.. اقترب موعد العشاء، هل هناك شيء محدد تود أن تطلبه؟

قلت له:

-بصراحة فضولي يمنعني من تناول الطعام، فأنا أود أن أنتظر الشخص الذي دعاني، لننتظر قليلاً، قد يأتي الآن، ولكن أحضرْ لي فنجان قهوة يخلو من ذرة سكر لو سمحت..

وبلطف مبالغ فيه قال:

-كما تريد أستاذ..

وجهتُ نظري للنافذة، كانت أضواء المدينة تتلألأ مثل النجوم، كل شيء كان يبدو صغيرًا جدًّا، وبدت أضواء المدينة ملتصقة ببعضها..

عادت الأفكار إلى رأسي، الفضول يلتهمني، مَن الذي دعاني؟

لماذا لم يأتِ إلى الآن؟ ما هذه الأحجية؟

إذا كان لا يريد أن يأتي لماذا دعاني إذن؟

وأنا في شرود تام قطعه صوت النادل

-تفضل أستاذ، فنجان القهوة الذي طلبت.

-شكرًا لك..

وبابتسامة أجاب:

-عفوًا، وانصرف..

أخذتُ أتأمل فنجان القهوة والبخار المتصاعد منه، والأفكار تصول وتجول في رأسي، تناولت رشفة من القهوة، بدأت أتململ في جلستي، بدا التوتر ظاهرًا عليَّ.

أشرتُ بيدي إلى لنادل، فأتى مسرعًا، وكالعادة ابتسامته تعلو وجهه، اقترب وانخفض، وبصوته الهادئ:

-تفضل أستاذ..

قلت له:

-هل من الممكن أن أرى الشخص الذي اتصل بي وأخبرني عن الدعوة؟

قال لي:

-حسنًا، سأدعوه لك..

-شكرًا..

-عفوًا...

انصرف النادل، وبعد دقائق أتى رجل يرتدي الزي ذاته الذي يرتديه النادل، ويعلو وجهه الابتسامة ذاته..

اقترب مني وقال بنبرة الصوت الهادئة ذاتها: تفضل أستاذ، طلبتني؟

-نعم، أنت الشخص الذي اتصل بي ليبلغني عن دعوة العشاء؟

-نعم أنا، هل توجد مشكلة؟

-نعم، توجد مشكلة، أريد أن أعرف من دعاني.

بدت الدهشة على وجهه ثم قال:

-عفوًا أستاذ، أنتَ مَن أتيتَ، وأعطيتني الظرف الذي به اسمك ورقم هاتفك، وطلبت مني أن أتصل بصاحب هذا الرقم، وأبلغه بأنه مدعو على العشاء الليلة...

أصابني الذهول واعتلى وجهي خجلٌ شديدٌ، تلعثم لساني ولم أعد أعرف ماذا أقول..

عندما رآني على هذه الحال أراد أن يخرجني من خجلي، قال لي:

-حسناً أستاذ، إن كنت تريد شيئًا آخر أرسل بطلبي وسأكون في خدمتك، عشاءً هنيئًا.. ثم انصرف.

لم أستطع أن أبوح بكلمة واحدة، أدرت وجهي للنافذة حتى لا تقع عيني في عين أحد، فيرى الخيبة تجتاحني..

نعم.. أنا مَن أتيتُ في الصباح للمطعم، وأعطيتُ الظرف للنادل، وطلبت منه أن يتصل بصاحب الرقم في تمام الساعة الرابعة ليدعوني إلى العشاء.

-نعم، أنا مَن فعلت ذلك، كيف نسيت هذا؟

شربتُ القهوة مسرعًا، وأشرتُ إلى النادل، وطلبتُ الحساب، دفعتُ له وخرجت مسرعًا أجرُّ خجلي وخيبتي ورائي، عدتُ للمنزل، عانقت الوسادة وغفوت دون عشاء...

قد يعجبك أيضًا

-الجاكيت الأخضر.. قصة قصيرة

-حين وقع في حبي.. رسالة الاختطاف 

لو كانتْ ولادتي مرهونةً بإرادتي ، لرفضتُ الوجودَ قي ظروفٍ ساخرةٍ إلى هذا الحد

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

لو كانتْ ولادتي مرهونةً بإرادتي ، لرفضتُ الوجودَ قي ظروفٍ ساخرةٍ إلى هذا الحد