خاطرة "مقعد الحافلة".. خواطر وجدانية

أضيع بين الناس.. تتبعثر طاقتي ويتشتت تركيزي، لا أستطيع فصل تحليلي الهوسي في التفاصيل، ولا أن أكبح جماح خيالي الخصب عن محيطي.

أختلس نظرات للناس بعيدًا عن الطريق؛ لأتلذذ في فحص شخصياتهم واختبار ملاحظتي عليهم، أنت تحكي عن نفسك الكثير دون أن تنطق كلمة واحدة.

في الحافلة، أجلس متعمدة في المقعد الثنائي؛ لأرى زوَّاري يستقرون ويرتحلون، يبدأ الأمر بجلوسهم بهدوء أم باندفاع، بترتيب أم بحذر وتحفظ! ثم انتظام أنفاسهم أو تسارعها..

رائحة العطر ! أهي قوية أم ضعيفة، هل تلائم جنس واضعها، أم مختلطة وتحمل معها قصصًا وشكوكًا!

هل يجلس هادئًا أم كثير الحركة! هل يكون متأملًا للطريق مثلي أم منجذبًا لجواله؟ ثم أتلصص النظر لما يسمح لي الأدب باختطافه...

الأيادي.. إنها مكشوفة ومتاحٌ النظر إليهما دائمًا، فضلًا عن وقوعهما في زاوية مريحة للعين..

هل هما نظيفتان، أم يحملان بصمات العمل؟ هل تدلان على مرض، أم صحة جيدة، أم تحكيان عن شخصية مهندمة!

جافتان، جميلتان، متسختان، متآكلتان! يوجد الكثير من القصص التي تحكيها اليدان..

كم من تجاعيد تحمل، وهل تخبرنا عمرًا أم ألمًا وشقاءً؟ هل يوجد ندوب تروي قصصًا!

هناك من ينظر إلى الساعة كثيرًا، فأتطفل لأعرف فضولًا أهو التوتر أم أن لديه موعدًا جادًا..

أطرح السؤال مباشرة بعد نظره للساعة.. إن كان ينتظر موعدًا فسيجيب دون النظر مرة أخرى، لكن إن كان توترًا فسيعيد النظر إليها مجددًا؛ لأن المرة الأولى كانت معمية بفعل التوتر، هي حركة لا إرادية يجبره شعوره عليها.

جلست بجانبي اليوم فتاة يقدر عمرها في أواخر العشرين أو في مطلع الثلاثينيَّات -إن خاب ظني بالتخمين الأول- نقلت لي طاقة كبيرة من الوهن والضعف فور جلوسها بجانبي، (فأنا أؤمن بأن المشاعر لها عدوى تمامًا كالمرض)، لم أشعر بهذا من قبل، جلستْ بهدوء وتردد، انحازتْ لطرف الكرسي وحوطتْ حقيبتها بكلتا يديها، يداها متعبتان وجافتان، تبدو متزوجة.

بدا لي أنها مُخضعة، وهناك بعض أو الكثير من المشكلات الأسرية التي طمست طاقتها وكيانها..

وردها اتصال، فأجابت بصوتٍ هادئ وكلمات مدروسة، شفقتُ لحالها رغم حسن هندامها ونظافة ملابسها، لم أشم رائحة لها إلا أن بياض حذائها أنهى تقييم مظهرها.

ورغم ذلك، الداخل المهزوز محى حسن مظهرها، فبات المُعفّر الواثق أفضل مظهرًا منها! أخذتني تلك الفتاة لرحلة ذهنية بعد أن ارتجَلتُ من الحافلة قبلها.. ما الذي يطمس كيان الإنسان وكبرياءه؟ ما الذي يضعفه حتى بعيدًا عن مصدر تهديده! يموت بريقه فلا يملك الجرأة حتى لممارسة شخصيته القديمة، أو حتى لممارسة أي نوع من القوة، بات يظن أن المصدر يكمن في ظله، فلا مهرب ولا مفر منه لأن الخارج من الداخل.

كم تحتاج من الوقت تلك الفتاة لبناء شخصيتها من جديد؟ للضعف أناسه الذين يُصنَع لهم قالبه منذ صغرهم، لكني أجزم بأنه لا يليق بها، ذلك الضعف مستجد دخيل؛ لأن عيناها كانتا تقاومان، رَمَق أخير رفض التخلّي عنها... لكن إلى متى سيظل هذا الرمق ! من سينتصر! هل ستُبعَث الحياة منه من جديد، أم ستستسلم فيُدفَن وتدفن هي معه؟! ظلّت تلك الأسئلة تجوب في عقلي إلى أن وصلت لمحطتي التالية..

جلستْ أخرى بجانبي في حافلة أخرى، فتاة في مقتبل العشرينيَّات، كادحة في عملها، يبدو هذا على أظافرها ومظهرها العملي، جلستْ بارتياح كمن يجلس في بيته، لديها قدر جيد من الثقة، كان لديها شقٌ بسيط من الابتسامة، وازداد عندما ألقى السائق دعابة على زميله..

لحسن الحظ أنني تمكنت وهي تسير نحوي من اقتناص عينيها اللتين يملؤهما الحب.

زاد تأكدي بذلك عندما جلستْ وبدأت بالاستماع لأغانٍ مخصصة للمحبين، أغانٍ تحكي عن الحب وسكونه، وكانت أذناها تنصتان وعيناها سارحتان.

كان صوت السماعة مسموعًا لحد ما، وكأن القدر يساعدني على التحري!

لم تغلق المحادثة بعد نصحي لها بوضع مطرتها بجانبها بدلًا من الأرض، فبادرت بالشرح عن السبب ثم شكرتني.. نزلت بهدوء قبلي لكنَّ ابتسامتها كانت قد تلاشت عند وصولها، فتبادر لذهني: هل تراها تكره المنزل أم من بداخله؟ هل هو منزل أم مأوى فقط؟ هل قصة عشقها تلك سرية وستدفن الآن إلى حين خروجها من المنزل مرة أخرى؟ والكثير من الأسئلة...

أمّا المحطة الأخيرة...

فكانت الأفضل على الإطلاق، عندما جلست أم ثلاثينية العمر، وعلى حضنها لميس ذات الأربع سنوات، تلهو وتلعب غير مكترثة للغرباء من حولها، أحببتُ والدتها لما كانت تمنحها من اهتمام وحوار رغم تحفظ واستحياء المعظم من الأمهات على فعل ذلك في العلن، كانتا في عالم آخر مملوء بالحب والانسجام والراحة، انفصلتا عن المحيط بطريقة شدتني للانغماس معهما، فعرضتُ أنا على لميس قطعة حلوى من تلك التي أحتفظ بها في حقيبتي دائمًا إلى حين مصادفة أطفال صغار في الطريق (لا شيء يشبه بهجة الأطفال).

تناولتها لميس من يدي، ثم نظرت بابتسامة شكر وصلتني، ثم نظرت إلى والدتها منتظرة إشارة الموافقة، فأجابت والدتها: ماذا نقول عندما يعطينا شخص ما شيئًا؟

أجابت لميس بفرح: شكرًا، ثم فتحتها وتناولتها وعيناها تسترقان النظر إليَّ، ثم أكملت والدتها تسميع بعض الكلمات الإنجليزية لها، ثم بعض الآيات؛ تلتها معها تشجيعًا لها.

أصابتني عدوى فرحهما، ومدحتُ في نفسي أمومة تلك السيدة الجميلة التي عرفت سرَّ التربية الحسنة بالنسبة لي "الحب"

وهنا لا وجود لموهبتي التفحصية في الناس، بل ظهر الحب للجميع، فرآه الأعمى وسمعه الأصم وشعرته أنا.

ثم أعود متغافلة عما وجدته في طريقي، فلا أحمل معي للمنزل إلا بعض القصص التي تركت في نفسي بذرة أو تساؤلًا أو أثرًا.

في غرفتي أحتوي نفسي، أتقوقع على ذاتي، أنا فقط.. أنا أعرفني وأطمئن لي وأفهمني، يصبح العالم ضيق المساحة واسع الأفق والراحة، يشبه خروج أفكاري بعدها كحيوان أليف خائف ومختبئ في مكان غريب، متردد فيبدأ بالظهور شيئًا فشيئًا حتى يطمئن لخلوّ المكان، فيجوبه بكامل حريته وانطلاقته، راسمًا قوس قزح بألوانه وحماسه وطربه ثم أنام مطمئنة!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب