خاطرة "لست وحدك هنا".. خواطر وجدانية

لا تتحدث، يجب أن تصمت، هذا ليس من شأنك، ما هي خبرتك في الحياة كي نثق برأيك، أظن أن مؤهلاتك لا تسمح لك، جميل جميل ولكن هذا ليس وقت سماع هذه الثرثرة، اصمت اصمت، من طلب منك التحدُّث، لا تظن أنك الوحيد الذي يملك معلومة على هذا الكوكب، هل تعلم أنه يوجد من هو أفضل منك، لا يزال ينقصك الكثير يا بني...

كل هذه الكلمات نتعامل بها أو يتعامل بها الناس معنا أو مع غيرنا بشكل يومي، مزيد من كسرة النفس وعدم مراعاة شعور من حولنا، نظن أننا الوحيدون من نملك ونفهم ونتحكم في كل شيء، ولا نعلم ثقل هذه الكلمات على من تقع عليه، نروي ظمأ نقصنا بمزيد من العدوانية على نفوس البشر.

أحيانًا نقابل من يتصدى لنا ويكسر كبرياءنا، ومرَّات عديدة نكسب من أول جولة، نتعالى ونتنمر على مريض نفسي أو طفل صغير أو رجل طاعن في السن، تغلبنا شقوتنا في تصيد أخطاء من لا يستطيع صياغة الكلام أو من يتلعثم في أثناء الحديث، نمسك بطرف خيط ضعيف وواهٍ، ولمجرد أننا نمتلك أو نظن أننا نمتلك الحكمة..

نصوغ ما نصوغ لنقلب كفة القضية في صالحنا، ولا نعلم أننا ببضع كلمات، ندمر ونقتل ونتسبب في مزيد من المشكلات النفسية لمن يعانون الهشاشة في شخصيتهم، لا ندرك أهمية الكلمة وتأثيرها سواء بالسلب أو بالإيجاب على من حولنا، فأثر الكلمة عظيم، أثر الكلمة مميت، تتحشرج الكلمات في صدورنا وتأبى أن تخرج لمجرد أننا خائفون من رد فعل من هو أفصح منا لسانا، وأشد منا قوة.

كلمات بسيطة لها ثقلها، تشعل حروبًا وتدمر أجيالًا وتنشر الفتن وتؤثر فيمن لا حول له ولا قوة، الأطفال، الأطفال من حولنا هم مرآة لما نفعله فاحذروا الحذر كله، وإياكم ثم إياكم، فما تزرعونه فيهم الآن هو ما سيشكل هيئة المجتمع بعد مدة، لا أظن أننا نمتلك الشجاعة الكافية لتحطيم تلك الأصنام المحيطة بنا، لم نتدرب على ذلك، ولم تسنح لنا الفرصة للمقاومة.

 فالسطحية تتملك من كل شيء، كل شيء سطحي وركيك وضعيف، وصياغة الكلمات مسمومة والمواضيع المعروضة للنقاش لا ترقى لأن تعرض أصلًا للنقاش، فالسطحية والركاكة تملأ الأفلام، والمسلسلات والبرامج، وتملأ لوحات الإعلانات في الشوارع، وتملأ دفاتر الأوامر للجهات الحكومية والشركات الخاصة، فلا يكاد يخلو منشور واحد أو تعليمات إدارية أو لوحة تحذيرات أو احتياطات أمنية أو بيان ملقى أو خطاب، المفروض أنه مدروس من أخطاء إملائية وضعف في الصياغة وفقر في اختيار الكلمات وافتقار في سرد المواضيع.

كل ما حولنا يوحي بشيء واحد، يوحي بأننا ننحدر نحو المستنقع وبسرعة، إن لم يكن قد استقرينا بالفعل في قاعه... كل ما حولنا مبهم ولست وحدك من تسكن هذا الكوكب، فحياة من بجانبك مهمة بالنسبة له كما تظن بأن حياتك مهمة بالنسبة لك، الأمور تبدو نسبية، فما يهمك وما يرضيك وما ينفعك وما يسعدك وما يحزنك، ليس بالضروري أن يقع على غيرك بنفس تأثيره فيك، الطفل الصغير له حياته، ومن فقد عقله له حياته، والفتاة لها أسلوبها وحياتها والمثقف.     

والجاهل والمتعلم والأمي والطويل والقصير والبدين والنحيف والأبيض والأسود والمريض والصحيح والرياضي وغير الرياضي والفصيح والمتلعثم، جميع ما سبق له ما له ويستحق ما يستحق وكلا منهم يمتلك أشياء لا يمتلكها غيره.

الأمر نسبي كما قلت لك، جرِّب أن تركب قطارًا وتجلس بجانب الشباك، وثبت عينك على الخارج، سترى آلاف من الحيوات تمر أمامك، رحلتك لا تستغرق سوى بضع ساعات، ولكن إذا جربت أن تنزل وتقف على كل من تقع عليه عينك في أثناء الرحلة -وهذا طبعًا افتراض مستحيل أن يحدث- ستجد أنك لو وقفت دقيقة مع كل شخص تقع عليه عينك، فلسوف تصل إلى وجهتك على ميعاد دفنك لا أكثر.

وهنا نتكلم عن دقيقة واحدة لا أكثر، تعبير مجازي إن فهمت قصدي، ما أريد أن أوصله لك بأن الثواني البسيطة التي رأيت فيها في أثناء مرورك، حوارًا دائرًا أو شخصًا مترجلًا أو خناقة بسيطة أو طفلًا حاملاً حقيبته في أثناء الذهاب للمدرسة أو فلاحًا ذاهب إلى الحقل، أو امرأة عابرة الطريق يستند إليها زوجها المريض، أو مجموعة من الشباب الكادحين المتسلقين على ظهر سيارة مكشوفة من أجل لقمة العيش، أو كثير مما ستراه في أثناء رحلتك..

كل هذه المواقف والأشياء ما هي إلا بضع ثوانٍ مرَّت أمام عينيك، لكن في الحقيقة وما أريد أن يصل إليك، أن ما رأيته ما هو إلا جزء بسيط من حيوات كثيرة مرَّت أمامك، كلا منهم في همه ومشاغله وقصته، وكل واحد فيهم له روايته الخاصة كروايتك، وله حياته الخاصة كحياتك، ويشغله ما يشغله مثل ما يشغلك، فلا تظن أنك وحدك على هذا الكوكب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب