خاطرة "في ظلالهم".. خواطر اجتماعية

أشرقت شمس القرية وما حولها... على وجه مختلف لكنه لم يكن جديدًا في تفاصيله، فقد امتلأت الطُّرقات والأزِقّة بالجنود، ربضت الشاحنات بأنواع وأحجام تحمل أسلحة وذخائر من كل نوع، أُجْبِر أصحاب المحال التجارية والمهن الأخرى على الإغلاق التام حتى إشعار آخر، كذلك كل من خرج من داره يبتغي قضاء حاجة أعيد إليه؛ لأن حظرًا للتجول مفروض حتى إشعار آخر، النوافذ والأبواب أوصدت بإحكام بعد تهديد ووعيد بالسلاح.

أوقفت كل أنشطة الحياة وشُلَّت في صبيحة هذا اليوم الشبيه بما كان يقوم به المحتل الغاصب في حملاته العسكرية البرية دومًا حين يداهمون الديار بحثًا عن الجرحى أو المطلوبين من المقاومة بعد قصف على مواقع في الجبال المحيطة.

لكنه مختلف في هوية من يُطَوِّقهم ويَفْرِض الحصار الخانق عليهم فهم: من لِسانهم، من لونِ أرضِهِم، من لحمهم ومن دمهم، من عقيدتهم، من بطون أمهاتهم وأصلاب ظهور آبائهم، ومن تراب بلادهم نبتوا... ومن... ومن... ومما للانتماء ولا للإحصاء فيه نهاية.

في الصباح اجتمع القائد -المُفَدَّى- كما انطلقت تصدحُ مكبرات الصوت معلنة وما نطقت به رسله المرسلة دارًا دارًا لكبار الرؤوس وأصحاب القرار بين عشائرهم، قابل الشيوخ مُنْفردين مُسْتَفْرِدًا بكل منهم على حدة، متدرِّجًا في الغواية واستمالة الأنفس وإن باءت كلها بالفشل انقلبت إلى تهديد مبطَّن وإن استعصى أكثر فبتهديد جهير صريح.

تراوحت عناصر الجذب معهم ما بين دسٍّ في الأيدي قطعًا برَّاقة، وإن تغلَّى واحدهم زادها صُرَّةً أو صرتيْن من الأحجار، وإن امتنع وامتقع أشدُّهم زاد عليها دارًا في الشمال وأرضًا سيقتطعها بعد الرحيل لعشيرته لا تزاحمه عليها عشائر أخرى، وإن رفض أعْتاهم قطعًا وحزمًا وانقلب زاد عليها مجتمعة وَعْدًا بمنصب ورواتب لا تنقطع له ولعشيرته الأقربين.
ثم لقاهم مجتمعين بعد أنْ فرَّق كلمتهم وأوقع بينهم الحسد والبغضاء، وأوغر القلوب بعضها على بعض، زين لهم وجمَّل نفسه بأعينهم، أبهرهم وسحرهم بوعوده: «أترفض وغيرك قَبِل؟ وعدني ابن فلان بحماية ظهري هنا... وأقسم ابن فلان بشرفه أنه بعشيرته وأنسابه من القرى المجاورة سيضم إلى جنودي خيرة المقاتلين بينهم...

آه صحيح، نسيت أن أخبرك أن ابن فلان وابن فلان قرَّرا ودون مجادلة الرحيل بعشيرتيهما بل بقبيلتيهما إلى الشمال حيث اقتطعت لهما أرضًا باسميهما، وهناك سيكونان سندًا وعونًا لي في ضبط أمور البلاد وملاحقة المُنْشَقِّين والمُخَرِّبين والمُنْقَلِبين -تسميات لم يسمعوها إلا من فمه ولم يفهموا المقصودين بها إلا بعد فوات الأوان والانغماس في الملذات التي لا غنى عنها وآمنوا أنها أساسيات حياة...

ألم يخبرك ابن فلان أنه سيقيم احتفالًا على شرفي يدعو فيها كبار المشايخ ثلاث ليال لن تهدأ فيها الطبول المصحوبة بالأهازيج والمواويل...

ألا ترى يا ابن فلان بعينيك ما أنا قادر عليه، جئت بجنود مجهزين بالسلاح والعتاد مدَّ بصرك من بلادنا وغيرها ما عجزتم عنه وستبقون طالما بقيتم هنا، وألزمتم أنفسكم اتباع كل قديم بالٍ رثٍّ، انظر ما قدرت عليه في سويعات إذ نقلت بإشارة مني والدي إلى بلاد ثانية وبطائرة كانت قبل ذلك تنقل القنابل لتفجرها على رؤوسكم.

هل تحتاج لأكثر من هذا حتى تتركوا هنا وتنتقلوا معي إلى هناك، حيث التجارة والمكاسب والغنى والرفاهية، السلام قد حل وبيديَّ أنا ولم أحمل حتى سلاحًا به أقاتل، ها... ماذا قلت؟!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب