خاطرة "الحاكم الدكتاتوري"

تأخذ بعض الأكلات ساعتين كاملتين لتنضج، وإن نقصتا دقائق قليلة قد يتأثر الطعم النهائي بهما، فيُنسى مجهود ساعات من الإعداد والطهي ويُذكَر نقص تلك الدقائق مع أول قضمة!

في وكالة ناسا، قد يفسد مخطط أشهر كاملة بسبب زيادة تلك الدقائق على موعد الإقلاع أو توازي ظهور جرم سماوي في تلك الدقائق.

وأن إنسانًا قويًّا قد يموت لو بقي تلك الدقائق تحت الماء!

ولو أخبرتَ أحدًا ما في قمة سعادته أن تلك السعادة ستنتهي منه بعد دقائق لسرقت أنتَ من بهجة تلك السعادة، ولو فعلت ذات فعلتك مع أحدٍ ما متقوقع في قاع حزنه لأعطيته من الصبر ما يهون عليه حزنه ويطرد هيمنته عليه.

هل كان الاعتذار ليمحو أثر الإساءة لو تأخر عن وقته؟ هل كانت النار لتنتظر دقائق حتى نطفئها؟

ثم كانت الصلاة على المؤمنين كتابًا موقوتًا!

الوقت، الوقت، الوقت...

الخفي الذي يسلب ويمنح الأشياء القيمة، إن تأخرت كلمة أحبك فقد ضيعتَ الفرصة وإن تسرعت بقولها ضعت أنت..

محدودية الحياة تجعلنا على شرارة التنافس وتسارع الأحداث ووتيرة اللحظة، نخرج من أنا التعاظم لذل الجري واللحاق وراء حاجاتنا وشهواتنا وطموحاتنا، نهرول للإصلاح ونركض نحو المال والشهرة ونتقاعس عن العبادات، نتغافل عن لحظات ونحاول تجميد بعض الدقائق لكنه يأبى!

يأبى التوقف!
يأبى الانتظار!
يأبى أن يهدأ من روعه ويتأنى قليلًا.

لا شيء يخرج عن سلطته من جمادات تزداد قيمة بمروره، إلى أرواح تتناقص قيمة بمضيه.. فرص تمتلك القوة بسببه وأخرى تفقدها لانقضائه!
هل جعلكم يومًا تتساءلون من الأقوى في المعادلة! الملوك أم الوقت؟ الطبيعة أم الوقت؟ القدر أم الوقت؟ المشاعر أم الوقت؟!

ما الذي يجعل من لحظات الألم تبدو ساعات؟! ومن ساعات الفرح تبدو دقائق؟! كيف نروض هذا الحاكم؟! كيف ننال رضاه؟! 
لماذا لا يلبث أن يرافقنا وينغص علينا لحظاتنا متلاعبًا بوطأة مشاعرنا، خالقًا من اللذة نسمات ومن المعاناة جحيمًا! 

أقول متيقنةً إن التلاعب بهذا الحساس الخفي قادر على خلق حياة أو إعدامها، فالدائم مهمل وإن كان قيمًا، والمحدود ثمين وإن ساءت قيمته، وإن مجهوليته هي المحرك الأكبر لقيمته، لتلقى الصدف نصيبها من البهجة وتأخذ الفرص قسطها من السعي وتأخذ الغفلة وقودها لإشعال فتيلة الندم.
يأخذ أشكالًا لا حصر لها، فنراه ضيق الصدر عند الانتظار وغزالة شاردة من حتفها عند الفرح، وسائلًا هلاميًّا ثقيلًا عند الحزن، ونشعر بتوقفه في الفواجع وصديقًا خفيف الظل لا نود مفارقته عندما نحب.

ولعله يكون العدو اللدود لكل من رغب بالبقاء وجابه للصمود، لكن لم ولن ينال منه إلا القليل، فالجبروت والسلطة والكذب والحب والظلم والسعادة والعلو منتهية لا محالة، فلا بد لكل حاكم أن تنتهي سلطته وأن يفنى جبروته مهما عَظُم سلطانه، ولكل كذبة مهما طالت ودُفِنت أن يكشف الوقت حقيقتها، ولكل حكاية حب عظيمة أن يدركها الموت، ولكل اضطهاد وقمع وإن طال أن يندثر، ولكل سعادة أن تفنى، ولكل عليٍّ أن تنتهي حقبته وينطفئ بريقه.

يجبرنا هذا على التساؤل: لمَ كل هذا التمسك والفناء حاصل لا محال؟! لمَ الإطالة ولمَ العجلة وكلٌّ منقضٍ رغم أنوفنا؟ هل منا على مر التاريخ والأزمان من استطاع مجابهة الوقت أو التلاعب به أو حتى الظفر ولو بثوانٍ قليلة إضافية؟! هل منا من استطاع سرقة لحظات مضت وأقفلها الزمن؟! هل يعرف أحدنا عدد الرمال المتبقية له في ساعته الرملية؟

لكننا نتغافل لنزداد حماقة ونضيع اللحظة بما مضى وما هو قادم، فنفقد (الآن) بين ماضٍ ومستقبل، ونقع في ذات الفخ للندم عما بدر والتخطيط لما هو قادم، ثم لا نستطيع إفلات الزمانين، فيضيع كلاهما منا.

إن المهارة الأهم على الإطلاق للانتصار -ليس على الوقت، إنما الظفر بأقصى درجات الحياة بواسطته- هي مهارة ترويضه واكتسابه وتنظيمه، ولا يمكننا ذلك إلا بالتواضع له والترحيب به ضيفًا نرجسيًّا يريدك كلك له، انتباهك الكامل، تركيزك وإنصاتك وحضورك، فإن أغفلته سرق منك عمرك، وإن أكرمته نلت ما يسُرك، فهو راحل بغتةً لا يبلغك ولا يستأذنك الرحيل.

فعش بذهنك فيما تملك واترك للأموات أذيال الندم التي تحيكها أنتَ بتغيبك عن وجودك وسفرك عبر خيالك اللص لحاضرك وواقعك المؤقت، فنحن في النهاية لا نخاف من الوقت ومضيه بقدر ما نخاف من ضياعه ونحن ثابتون، رحيله بلا ثمار ولا حصاد، نتخوف من غفلتنا عن سعادتنا وأن يسرقنا الوهم والأمل والغرور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب