خاطرة "الحاسة الخفية".. خواطر وجدانية

في الحقيقة إنه لإحساس غريب أن تترك لخيالك فسحة التخمين أو التأمل، بفضاءات وعوالم بعيدة جدًّا عن عالمك المعاش. بحيث يسافر التفكير بك إلى حيث لا تدري، فقد يعود بك إلى حنين طفولتك بكل ما تحمل من دلالات لديك، وقد يرحل بك إلى الأمام، فتجد نفسك تلامس سن الشيخوخة أو سن الحكمة إن صح التعبير.

والعجيب أن هذا السفر الافتراضي يبدو كأنه يسابق الزمن الواقعي الذي نتعايش بداخله، فتارة يتوارى خلال أوقات، وفي أخرى يبرز فجأة، لربما حسب ما قد تكون عليه نفسيتنا حينها، في حين قد ندرك قيمة زمننا الآني عند انتباهنا له أحيانًا. وكما يحتسب الزمن على سجل أعمارنا دون علم منا.

رغم أننا نتقاسم كل أنواع الشخصيات العاقلة والمختلفة أحيانًا عنا، بصفة لا يقابلها شك أو ريب؛ لأنها لا تعصي مبادئ أو خصوصية «الأنا» بداخلنا. بحيث لا يمكن أن ينكر أحدنا أنه منذ صبانا ونحن نلعب عن وعي أو لا، أدوارًا رئيسة وأخرى ثانوية وغير ذلك من ردود أفعال مناسبة أو لا كذلك، حسب ما نحس به حينها.

وقد تبقى لدينا بعض الأشياء مبهمة وغير قابلة للتقصي مهما حاولنا انتساب أو ربط الأحداث ببعضها بصفة أكثر واقعية أو ذات منظور حدسي وبمقاربة جلية ومؤثرة، وفي هذه الحالة توجد أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، مهما كانت نوايانا واقعية طوعًا أم إجباريًّا.

وأحيانًا كذلك، قد يستهوينا الحال إلى درجة لا يمكننا أن نفارق تقمصنا ذاك إلا حسب الضرورة، ولو كان ذلك على حساب تحملنا ما لا طاقة لنا به أحيانًا أخرى. فعندما يكون القلب دليلك، قد يساعدك هذا الشعور في تفسير بعض الإشارات الباطنية التي تنظم بعض وظائف الذات لتسمح بتفاعل شامل أحيانًا مع محيطنا. وقد يكون الفهم الأفضل لجميع العوامل التي تؤثر في القدرة البينية أمرًا مهمًّا.

لتطوير تعامل الفرد مع الآخر. وكأنه يتفاعل مع ذاته، لقوة تحسسه لما يدور بمحيطه الخارجي، حين تصله منه إشارات استباقية عبر جسر التواصل المباشر المرئي أو السمعي أو هما معًا، الشيء الذي يترجم إلى حدس أو تنبؤ أو فراسة المتخيل، أقرب ما يكون لواقع بيِّن وواضح، وغالبًا ما يبهر المتلقي إلى حدود الذهول.

فكثيرًا ما يأتينا مثل هذا الإحساس العجيب عن طريق شفافية النفس وصفاء الذهن وهدوء الأعصاب والغوص في التأمل إلى أبعد الحدود. لأنها حاسة مرتبطة بالإحساس بقيمة الزمن ومعالجة أمره بداخل الدماغ بدون إذن منا كذلك، وكأننا مسحورون بليونة المشهد أو مبهورون بقوة الحدث أو لأننا نغوص في التفكير تحت تأثير جاذبية لا تقاوم. لهذا تجد أن كل من استطاع المرور إلى الجانب الآخر من الزمن، سكنه الحال وأبهره.

وتظل أسئلة عديدة حارقة بدون أجوبة شافية لقلتها، لكن قد نقتنع في الأخير بقبول ضعف حيلنا أمام هذا الواقع منيع الفهم؛ لأن عدد حواسنا لا يعلمها إلا الخالق، ولأننا ما زلنا لم نحسن بعدُ الكشف عمَّا خفي عنا إلى يومنا هذا، وعليه ستبقى فرضية معرفة عددها مرهونة بما جاد به علماؤنا المتخصصون في هذا المجال الشائك والمعقد.

وقطعًا كذلك، لما ستتوصل إليه أجهزتهم من اكتشافات وبحوث جادة ومستفيضة في هذا المضمار لفهم كيفية استشعار الإنسان تلك الإشارات الغريبة.

التي تكشف عن أشياء لا يستطيع الجسم الشعور بها عن طريق حواسه الخمس المعروفة؛ لأنها تصله كتنبيه حسي لما سيقع، أو أنه يساعد في فهم بعض أو عديد من العمليات النفسية. بما في ذلك صنع القرار، وكذا كسب القدرة الاجتماعية، وتحصيل الرفاهية العاطفية، وغيرها من أحاسيس مبهمة، غالبًا ما تحير العقل.

كثيرون هم من زعم أو شبَّه هذه الحاسة الخفية بتلك العين الثالثة، كدلالة على قيمة هذه الحاسة كنوع من أشكال الاستشعار الطبيعي والفطري لدى الإنسان العاقل. والذي قد يتميز بملكة الفراسة وليس بالضرورة أن يكون ذكيًّا أو ذا مكتسبات خارقة. بل فقط، عليه أن يطلق العنان لبصيرة قلبه.

لكي يتسنى له أن يحس بما لا يلمس، وما خفي لربما كان أبهى. فلا مجال لفرملة عجلة البحث العلمي في هذا الشأن وغيره، لأن العلم نور ويجب أن نتمسك به أكثر فأكثر؛ لأنه لا محال سيكشف لنا عن ملكوته في يوم من الأيام.

شكرا لمنصة جوك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

شكرا لمنصة جوك.