خاطرة "الثلث الأخير من العمر".. خواطر اجتماعية

لا يوجد أسرع من سنوات العمر، فالعمر أسرع مما نتخيل.. يجري الزمان وتغيب عن النفس البشرية حاجتها إلى حصر أيامها وعدِّ سنواتها، إلا وقت الذكرى السنوية لتاريخ الميلاد من كل عام..

إننا نعد الأموال، ونحصي الممتلكات، وننسى أن نعد الأيام والشهور والسنوات، وهي أحوج أن نراقبها ولا ندعها تتفلت منا، بل وجب أن نقطر في بذلها، ونبخل في إنفاقها، ذلك إن كان في غير ضرورة أو واجب.

نظن أننا معمرون فنحيا حياة الخالدين، ونعيش كما يعيش المنذرون - إلا من رحم الله رب العالمين -، نتغافل عن نهاية محتومة هي خاتمة كل كائن حي وحقيقة لا شك فيها، الموت المحقق في النهاية.

فها قد انقضى أربعون عاماً من العمر، أربعون عاماً على ظهر الأرض، أربعون عاماً يمثلان في عرف الأعمار ثلثي سنين العمر، لنلج بعد الأربعين إلى بوابة الثلث الأخير.. الثلث الأخير من العمر.

فقبل العشرين، كانت تحوي حياتنا طفولة غراء ثم صبا متفتحًا نضرًا وتطلعًا إلى مجهول مشرق، لا نتحمل جسام المسؤوليات، فهي لم تلقَ بعد على عواتقنا، يكثر فيها خطأنا ويسهل معه المحو والتعديل، لا نؤاخذ على ما نفعل، وكثيراً ما نفعل ما لا يضيرنا إن أخذ علينا.

ليس لثقتنا بأنفسنا حدود، لا عن علم ودراية بل عن جهل وغضاضة.

ثم يمضي بنا الزمان رغماً عن كل محاولاتنا ألا يمضي، ومع بداية الثلث الثاني، مع بداية العشرين وقبيل الأربعين ينعطف العمر إلى مسلك أكثر واقعية وتجارب متباينة أكثر تعليماً وإيلاماً، مدة من أعمارنا لا يسهل فيها محو أخطائها، نحرص فيها ألا نخطئ ونتريث قبل أن نقرر ونفعل.

نخط فيها أقدارنا ونصنع فيها مصائرنا، ونجوب الأرض ضاربين السبل كلها، نعيش في هذه الحقبة الزمنية مدة بينية تتوسط العمر في كل شيء، تخلط قليلاً من اللعب بكثير من الجَد، ونعد لها أوقاتها من البذل والجِد.

نرسم فيها لأنفسنا صورة نصدرها للعالم من حولنا، فقد مضى زمن التلقائية والعفوية، وأصبح ليس لنا من طفولتنا ومطلع شبابنا إلا ذكريات سحيقة لا تستدعي أعلى وجوهنا سوى بسمات رزينة، ولا داخل وجداننا سوى مشاعر حبيسة.

مدة ينخفض فيها سقف توقعاتنا من الناس، ويرتفع سقف توقعات الناس من حولنا.

حتى تدق ساعة النضج ويصل خط الشباب إلى نقطة الإقلاب، فهنيئًا لمن ادخر لهذه الساعة من شبابه، وأنفق لها من فراغه، وأعد لها من بذله واجتهاده.

إنها ساعة الأربعين ونقطة التحول، وبداية الثلث الأخير من العمر، حين تسلم بالقضاء ويستوي عندك العسل بالماء، أو هكذا يجب.

هنا نستقبل رتابة الأيام بكثير من الحكمة والامتنان، ونستدبر زلات الماضي بالاستغفار وطلب الغفران.

نرمم ما أفسدناه في ماضينا، ونقيم ما اعوج في أنفسنا، ونستشرف مستقبلاً بات أقصر من الماضي.

نألف الغريب ولا ننكر العجيب، لا نحب بالكلية كما لا نكره بالكلية، نهجر الضجيج ونركن للهدوء.

فترة هي من التمحيص والاختبار، كساعة امتحان تأتي بعد عام دراسي عريض، فيه كانت الحرية طاغية، والاختيار مملوكًا، والوقت متاحًا، واللهو مباحًا، فتأتي هذه الساعة ليُعلم من استعد ممن لهى وبعد.

الثلث الأخير من العمر .. يا له من إحساس مرعب يختلط بسرعة تلاحق الزمان، واقتراب الأوان، وبداية ظهور الشيب، فيا رب ببليغ كرمك وجزيل عطائك أحسن لنا ما بقي من أعمارنا، واغفر لنا ما انقضى منها، وارحم والدينا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، واجعله الوارث منا، ولا تخزنا يوم العرض عليك.

مهندس ومدون مصري، ولا عجب أن تجد المهندس في ميدان كتابة المحتوى، اسعى لمشاركة تجاربي في مجال العمل الحر والتدوين، للمزيد عني ستجدني في انتظارك هنا: madbology.com

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

مهندس ومدون مصري، ولا عجب أن تجد المهندس في ميدان كتابة المحتوى، اسعى لمشاركة تجاربي في مجال العمل الحر والتدوين، للمزيد عني ستجدني في انتظارك هنا: madbology.com