خاطرة.. الإحباط وعلاقته بالتنمر عند المراهقين

على بعد متر مني يركن "أمين" في حالة من الشرود يفتل شاربه تارَّة، ويمسح رأسه تارَّة أخرى غير آبهٍ بالكلام، ولا يرغب في الكثير من الحديث، لديه عقدة مع العديد من المترادفات، ويكره الكثير من الأسئلة (كيف هي أخبارك، أين وصلت، ماذا فعلت، كيف حالك، إلخ).

تبدأ قصَّته منذ ما يقارب 4 سنوات، حيث كانت البداية لأول وعد بتحقيق إحدى متطلباته، لكن لم تمضِ أيام حتى وصل الأمر بعد ذلك إلى حالة من الركود، ومع تكرار العديد من الأسئلة، وتقديم الكثير من الاستفسارات، ارتقى الأمر إلى ذروته، وهكذا تكرَّر الأمر بوعودهم بين الصعود والهبوط، ليقف بعد أربع سنين في حالة تأمل وتذكر للمواعيد، فتتمثل أمامه وكأنها منحنى لدالة جيب الزاوية.

لستُ هنا لأسرد لكم قصَّة ربما تتكرَّر في واقعكم، لكن ما أريده هو الوقوف عند معاناة شخص يرافقه الإحباط لسنوات ليستنزف كل قواه الفكرية، وينتصر على جميع وسائل الصبر المستخدمة لديه ليصنع منه شخصية محطَّمة معنوياً يعتريها اليأس في كل لحظة، حاملاً معه كل أشكال الحزن والهم.

تتعدَّد أشكال التنمر، وتختلف بناءً على البيئة التي يقطنها الفرد كما أنها تختلف وفقاً لدرجة الأذى الذي يتلقاه الفرد سواء أكان حسياً أو معنوياً.

يُعدّ الإحباط أحد الأسباب الداعية للتنمر، فقد أكد كلا من دولارد ودرب وميلر وسيرز أن الإحباط يُنتِج دافعاً عدوانياً يستثير سلوك إيذاء الآخرين، وأن هذا الدافع ينخفض تدريجياً بعد إلحاق الأذى بالشخص الآخر، حيث تسمى هذه العملية بالتنفيس أو التفريغ؛ لأن الإحباط يسبب الغضب والشعور بالظلم، مما يجعل الفرد مهيأ للقيام بالعدوان.

-لم أعُد أطيق الكذب ولم يتبقَ لدي شيء من الثقة بالآخرين هكذا يجيب "أمين" حين تسأله عن علاقته مع الآخرين، ثم ردف ذلك بالقول: (لقد صنعوا مني شخصية غير متزنة، أفقدوني الثقة بكل شيء حتى بنفسي، أصبحت أشك في قدراتي وإمكانيتي، وبت أخاف من الفشل في كل شيء، ولذا فإن اهتمامي بنفسي أصبح ضئيلا جدا، فشكلي لم يعُد مرتباً، وليس لي اهتمام بنظافتي أو هندامي، وأعظم من ذلك هو أن صلتي بالله أصبحت هشة، فالعبادات لم تعُد من أولوياتي).

في مرحلة المراهقة يتضاءل السلوك الطفولي لدى الشاب ويصبح التعامل معه بشيء من التسويف أو المماطلة بمثابة سلاح فتاك يحمل في مكنونه الكثير من الأضرار أقلها السخرية، والتقليل من قدراته الفكرية والعقلية، وهذا بدوره يقود إلى حالة من التنمر التلقائية.

يلجأ المراهق إلى التمرُّد على الأنظمة حاملاً معه أفكاراً عدائية تجاه الآخرين في محاولة منه لاستثارة ردودهم تجاهه مع إحساس ينشأ لديه بأنه مظلوم، أو أن أحد لا يثق به، أو يهتم به، وفي خلال تلك المرحلة قد تواجهه ردَّات فعل سلبية تزيد من حدة توتره، مما قد يؤدي إلى انغماس المراهق في ألوان من السلوك المنحرف، وهذا بدوره يُحدِث أضراراً كثيرة على مستوى الفرد أو المجتمع من حوله.

يردف "أمين "قائلاً (لقد حاولت استثارتهم باستخدام الكثير من الأساليب العدائية ابتداء بالاعتداء الجسدي على الآخرين، ومن ثم الاستيلاء على أشياء لديهم، غير آبه بكل أنواع العقوبات التي ألاقيها من قبلهم، مع العلم أنني أمقت تلك الأفعال، وأعترف بأخطائي فور سؤالي عنها.)

البعض منكم قد يتساءل عن قدراته ويصف ركونه إلى الآخرين والاعتماد عليهم خنوعاً وذلة، فمدة أربع سنوات كافية لاعتماد الشخص على ذاته وبناء مستقبل يركن إليه أحلامه، وهذا ما يؤكده أصحاب التنمية البشرية، لكنه يجيب على ذلك بقوله (أعترف أنه كان بإمكاني بناء ذاتي باعتماد كلي على قدراتي الشخصية، لكن وعودهم المتتالية جعلت مني أعيش في حالة تربص وانتظار تبدو معها كل الفرص المتاحة لي وكأنها غير مناسبة أو أنها لا تليق بي، مما يجعل من قدراتي غير متكافئة، ولذا قد ينظر إليَّ الآخرون بنظرات مقت وتمحيص وكأني لا أصلح لشيء أو غير قادر على القيام بأي شيء، مع العلم أنه كان بإمكاني الاستمتاع بمهامي وأدائها على أكمل وجه، لولا حالات التشتت الذهني التي كانت تعتريني نتيجة التعلق بوعودهم المتتابعة).

إن الشعور بالثقة بالنفس والميل إلى الاستقلال تُعدُّ من أهم خصائص فترة المراهقة، التي ينبغي على الأب الاهتمام بها عن طريق تنميتها وزرعها في ذات الفرد ابتداءً من فترات زمنية سابقة حتى لا تحدث صدمة لدى الفرد عند محاولته القيام بها دون خبرات سابقة؛ لأن هذا قد يجعل منه شخصية هشة لا يراعي قيمته الذاتية، ويرى أنه دون الآخرين أو أقل منهم في القدرات العقلية والجسدية، وهذا بدوره ينمي لدى الفرد صفات البغض والكره تجاه الآخرين مع محاولة للانتقام منهم، لذا فإن ردَّات فعله تكون عدوانية.

أخيراً،

يبقى المراهق وكذلك الآباء بحاجة إلى توعية في كيفية التعامل مع الشاب المراهق حتى لا ينشأ جيل متشتت ينظر إلى الحياة بطريقة سلبية مقيتة ومشؤومة، وتبقى قصة "أمين" كرسالة لإعادة النظر في قضايا المراهقين والعمل على تقديم الحلول لها بدلاً من توجيه أساليب اللوم عليهم وربط الفشل بهم.

 

اقرأ أيضاً

بكالوريوس رياضيات-كلية التربيه طالب ماجستير احصاء-كلية التجاره

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

بكالوريوس رياضيات-كلية التربيه طالب ماجستير احصاء-كلية التجاره