الليل والحشيش.. خاطرة

جَالَسَ نَفْسَهُ حيث لا يجدُ نَفَساً لِلبَشَر، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيس بوَحِيد بِوُجُودِ القَمَر..

فبَدَلًا مِن ذَمِّ نَفْسِهِ أَرَادَ أَن يُجَامِلَ سِيجَارَةَ الحَشيش المَحبوسة بين قُضبانِ يَدِه؛ ليحكُمَ بِنَفيِها إلى غَياهِبِ رأسِه لإصلاحِ الخراب الذي فيه، ولو لِثَوَانٍ...

جَلَسَ يُلاحِظُ الفَرقَ بين لَيالي كُؤوسِ الحُزن وليالي لُفَافَةِ اللامُبَالاة...

تَكَلَّمَ أخيرًا...

مع من كان يتحدث؟

لا يهم، ما لم يكن هناك من يقاطع حديثه..

لُفَافَةٌ تَرمِي على رَأسِي رِمَاحَهَا

تُصِيبُ أَفكارًا وعَقلِي نَائِمُ

أُشعِلُهَا فَتَبسُطُ في الرَّأسِ فِرَاشَهَا

الشَّمْسُ حَارِقَةٌ وَاللَّيْلُ قاتِمُ

أُدَخِّنُهَا فَيَغْرَقُ قَارِبُهَا

وَقَارِبُ رَأْسِي يَبْقَى عَائِمُ

كَأْسُ الخَمرِ تَبكِي على أَطلالِهَا

وَلُفَافَةُ الحَشِيشِ تَرْكُلُ الدُنيَا وَتَضْحَكُ

فَالفَارِقُ بَينَ التي تَحْتَسِي حُبَّهَا

وَبينَ التي بِشَفَتَيْهَا تَتَنَفَّسُ

كَالفَرْقِ بينَ التي تَبْكِي على صَدرِكَ دُمُوعَهَا

وَبينَ التي تَخْلُو بِكَ في غُرْفَةٍ وَتَرْقُصُ

تَبْدُو لَيْلَتِي كَسَجَائِرِي بِطُولِهَا

فَنَمْ هَنِيئًا يَا قَمَرُ وَأَنَا لَكَ حَارِسُ

ليس بوحيد بعدما أخَذَتْهُ تلك السيجارة إلى عوالِمَ حيث تعيشُ الوُحوش في سلام، وتتكلم عن أساطيرِ الشًّرِ والخبث الذي يجول في عالم الإنسان الطَّيب، يَسْرُدُ أبْياتًا في رأسِهِ من جديد...

اقرأ أيضًا: الثنائيات الجمالية المتطرفة في ديوان اشتعال الجسد

ولم نَلُفَّ سِيجارةً لِيَأسٍ من الدُنيا أو عَطَب

فَكَم تَجَرَّعنا من مَصَائِب وبها سَكِرنَا

وما الحَشِيشُ لِنَارِ العَقلِ إلاَّ حَطَبُ

بل نَلُفُّ السَّجائِر، وإذا مَالَتِ الدُنيا مِلْنَا

نحن الذين إن عُرِضَ عَلَيْهِم كَأْسُ سُمٍ بِعِزٍ شَرِبُوا

وما هَمُّنَا إن مَاتَ البَشَرُ إذ نحنُ مِتْنَا

بِعِزِنَا وشَرَفِنَا نَحيَا وهُم بِنِفَاقِهِم صُلِبُوا

فنحن بِعِزِنَا نَفُوزُ وإن خَسِرنَا

من هم؟

غيري...

أما نحن فلن تعرفنا ولن تفهم..

ربما بعد أن أناولك سيجارةً لم تَلُفَّهَا المصانع..

وإن كانت كذلك فالمصانع هي يداي..

لن تفهمني بحروف، بل بدخان...

ليس الذي تُخرِجُهُ من فمك..

بل الذي يبقى يسبح في رأسك...

وَمَا تَقَرُّبُنَا مِن النَّاسِ لِحَاجَةٍ..

وَمَا كَانَ الذَّكِيُّ ذَكِيًّا إِن لَم يَتَسَلَّ بِالأَغْبِيَاءِ...

هكذَا تَلاَ بيتاً وحيداً كَحَالِه، وهو يَلُفُّ السيجارة الثالثة، وعادةً ما تُصيبه فيها أمواج العَظَمَة، رغم أنه ماهر في السباحة، إلا أنه لن يسبح وفي يده تلك اللُفافة، فَيَغْرَقُ مُنْشِدًا:

اقرأ أيضًا: مسحراتي العروبة.. فؤاد حداد

إٍذَا رَمَتْنَا الأَقْدَارُ في جَحِيمِ نَارِ

وَعُرِضَ عَلَيْنَا ظِلٌّ بِذُلٍ عَصَيْنَاهُ

نَحنُ الذين إذَا أَعْرَضَتْ آذَانٌ عَن سَمَاعِ شِعْرِنَا

تَقَرَّبَ الشِّعْرُ مِنَّا نَاصِتًا وَبِهِ سَمَّعْنَاهُ

وَمَا فِتْنَةُ الدُّنْيَا كَانَتْ عَظِيمَةً عَلَيْنَا

فَكَيْفَ إِذَا خَرَجَ الدَجَّالُ فِينَا فَتَنَّاهُ

نَحْنُ الذينَ إِذَا اخْتَلَتِ السُيُوفُ بِرِقَابِنَا أَطَاعَتْنَا

وَإِذَا أَدَارَ عَلَيْنَا الزَّمَانُ ظَهْرَهُ نَكَحْنَاهُ

وَمَا كَانَتْ لَنَا لِبَشَرٍ طَاعَةٌ

إِلَّا إن كَانَ رَبُّهُمْ هُوَ رَبُنَا فَأَطَعْنَاهُ

وهكذا يغرق تفكيره في بحيرةِ الماضي تارةً، وبحر المستقبل تارةً أخرى دون أن يصل إلى جزيرة الحاضر التي تنجيه من دوامة الأحلام والتفكير إلا بعدَ أن يصحو من أحد العالَمَيْن...

ليس قبل أن يوجهَ رسالةَ بُغْضٍ وَعِرفان إلى بعض الأشياء التي كانت يومًا بجانبه، مُنشِدًا مُجَدَّدًا:

رَكِبْتُ أَمْوَاجًا عَلَى           بَحْرِ دُمُوعِ أَعْدَائِي

ظَنُوا أَنْفُسَهُمْ أُسُودًا           فاتَّضَحَ أَنَّهُمْ جِرَائِي

كُنْتُ أَمْلِكُ جِرَاءً             وَأَضَعْتُهُمْ في البَيْدَاءِ

بَعْدَ أَن أَكْرَمْتُهُم              أَحْسَنُوا عَوِيلًا في هِجَائِي

تُهَاجِمُنِي وَمَا كَانَتْ أَنْيَابُهَا   سِوَى أَن تُلاَمِسَ حِذَائِي

وَإِن كُنْتُ قَدْ قَرَّبْتُ أَنْذَالًا    فِي حَيَاتِي، فَذَاكَ مِنْ غَبَائِي

أيتها السيجارة.. لا تنطفئي..

حقًا أُريدُ أَن أكون وحدي..

لكن ليس دون سيجارة..

نور تلك الجمرة في هذا الليل..

والدخان الذي يُدْفِئُ جَوْفَ صدري..

وفكرة أَنَّكِ تستمعين إليَّ أيتها السيجارة رغمَ أنَّكِ لا تبادلينني الحديث..

ما الذي يُعابُ في الوِحدة؟

إنها أَزْكَى من رائحة الازدحام...

أُذِنَ لِلفَجْرِ أن يَنجَلي بعدَ أن مَلَّتِ النُجومُ مِن ثَرثَرَتِه...

إلَّا أنَّ القَمَرَ لَم يبتعِد كَثيرًا..

ربما لأنَّهُ يَرَى فيهِ مُؤنِسًا لِوِحدَتِهِ هُوَ الآخَر...

أُنَاسٌ مِثله، يَفْهَمون ثَرْثَرَتَه..

رُبَّمَا يُثَرثِرون أَكثَرَ مِنه..

لَكِن في صَمت.

اقرأ أيضًا

- خاطرة | نور في عمق الظلام

-قصيدة انتصاف الليل بهجة وأشواق

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب