السناتو كارهًا موقف الإمبراطور تيبيريوس.. ماذا أرادوا؟

كان مجلس الشيوخ يحتفظ بحكم الولايات التي كانت تتاخم البحر المتوسط، إذ كان المجلس يعين سنويًّا عددًا من أعضائه قناصل سابقين حكامًا لهذه الولايات مدة عام أو ثلاثة أعوام؛ لذلك أصبح يوجد ما يشبه التوازن بين سلطات مجلس الشيوخ وسلطة الإمبراطور أغسطس، وبعبارة أخرى كان المجلس يحكم الولايات الداخلية المستقرة، في حين اقتصر حكم الإمبراطور على المناطق المتاخمة للحدود، لا سيما المناطق المضطربة.

اقرأ أيضاً الإمبراطور تيبيريوس والمطففين الرومانيين

التوازن بين سلطات مجلس الشيوخ

وهذا التوازن في السلطة بين المجلس والإمبراطور كان ظاهريًّا؛ لأن الإمبراطور لم يكن قائدًا أعلى فحسب، بل كان يتدخل في مرافق الدولة.

وعلى الرغم من تخليه عن منصب القنصلية عام (23ق.م)، لكنه مُنح السلطة البرو قنصلية (Imperium Proconsulare) التي تخوِّل له حكم الولايات، علمًا أن هذه السلطة (Imperum) قد وضعته في مصاف نواب القناصل ونواب البريتوري؛ وذلك لأن سلطة البريتوري التي جعلت منه شخصًا مقدسًا لا تُخرق له حرمة، منحته القدرة على الاعتراض على أي إجراء يصدر من مجلس الشيوخ إذا اقتضت الضرورة؛ لذلك قدر لأغسطس حق مشاركة مجلس الشيوخ بمهام الحكم في الإمبراطورية الرومانية.

تميز تيبيريوس بالإخلاص لأعمال الإمبراطور أغسطس، فآمن بها وعدَّها أشبه بالقوانين التي لا يجوز مساسها؛ لذلك حرص على اتباع سياسة أغسطس مع أعضاء مجلس الشيوخ القائمة على التعاون الوثيق مع رجال المجلس، على الرغم من أن أعضاء المجلس سببوا له موضوعات تنذر بالخطر، إذ نشروا أخبارًا مفادها (أن تيبيريوس نفسه حسب قول تأسيتوس كان لا يستسيغ هذا الزحف الخادع أمامه، وأنه اعتاد لدى خروجه من مجلس المشيخة أن يدلي بهذه الأقوال المليئة احتقارًا، فهيَّأ هؤلاء الناس للذل والمهانة) لذلك نشأ بينهم خلاف لمرات عدة، إذ إن كره عدد من الأعضاء له أدى إلى تآمرهم على حياته.

اقرأ أيضاً الإمبراطور تيبيريوس حاكم عسكري لولايات روما

تولي تيبيريوس الحكم

ظهر تيبيريوس أمام مجلس الشيوخ بعد أربعة اسابيع من وفاة الإمبراطور أغسطس، وكان يجمع في نفسه حزنًا مضاعفًا وذلك لطلاقه فيبسانيا وزواجه التعس من جوليا، وطلب منه أن يقرر إعادة الجمهورية.

فتظاهر أمام أعضائه بأنه لا يصلح لحكم هذه الدولة المترامية الأطراف (وأن خير طريقة لإدارة أعمال المصالح المختلفة التي تشرف على الشؤون العامة في المدينة احتوت هذا العدد الجم من الرجال النابهين ذوي الأخلاق العالية... أن يتولاها جماعة مؤتلفون من خير الموظفين وأعظمهم كفاية).

لم يجرؤ أعضاء المجلس على أن يصدقوا ما قاله، فحيُّوه كما حيَّاهم بطأطأة رؤوسهم، وما زالوا يتناقشون معه حتى قبل أن يتولى السلطة، التي قال عنها (إنها استرقاق مبهظ مذل) أو أنه كان يبغي من تصرفه هذا جعل أعضاء المجلس يلحون عليه، وقـد يكون إدراكه كره كثير من أعضاء المجلس له هو السبب، لا سيما وقد أثار هذا التردد ريبة لدى كثير من أعضاء المجلس.

اقرأ أيضاً وصول الأمير ولي العهد تيبيريوس إمبراطورًا

أول أعمال تيبيريوس في المجلس

كان تيبيريوس راغبًا في تولي الزعامة، وكان يوجد كثير من السبل التي تمكِّنه من التخلي منها، وأن مجلس الشيوخ كان يخشاه ويبغضه، ولكنه كان يرهب عودة الجمهورية، فكما كانت الجمهورية تقوم على جمعيات تُعد من الوجهة النظرية مصدر السلطات جميعًا، فقد كان يرغب في قيام نظام أقل ديمقراطية من النظام المذكورة آنفًا.

كان أول أعماله مع المجلس هو توجيه رسالة إلى أعضاء المجلس في جلسته الأولى المنعقدة، يدعو فيها إلى تنظيم تشييع رسمي لجثمان الإمبراطور الراحل وتأليهه وسماع وصيته.

كان تيبيريوس يعيش وضعًا غير طبيعي، يُشعره بإنذار مستمر، لا سيما وأنه ذو طبع غير اجتماعي ومرتاب، بداية حاول أن يرى الجميع احترامه لمجلس الشيوخ والمؤسسات الأخرى، فبات ينهض لدى استقبال القناصل، ويقبل حرية النقاش، ومنع أحدًا أن يناديه بلقب (سيد) فهو سيد العبيد كما يقول، وكان إمبراطور الجنود، وأمير الشعب، لذلك كان كثيرًا ما يدخل مبنى المجلس للقاء أعضائه دون حراسة شخصية، يؤدي التحية للقنصلين ويتنحى عن مكانه لهما، وعمل على أن يكون أحد أعضاء اللجان مع رجال المجلس.

تيبيريوس وعلاقته بمجلس الشيوخ

كان تيبيريوس يكنُّ احترامًا كبيرًا لأعضاء مجلس الشيوخ، إذ كان يحضر اجتماعات المجلس ويحيل إليه حتى أصغر الأمور ليحكم فيها، ويتكلم وكأنه عضو عادي لا أكثر، وكثيرًا ما كان بجانب الأقلية، ولم يحتجَّ يومًا من الأيام إذا وافق المجلس على قرارات تتعارض مع رغبته التي أبداها، فضلًا عن رفضه اقتراحًا طلب فيه إعادة النظر فيمن يختارون لعضوية المجلس، إذ قال: (إنه لا شيء يفوق احترامه لهذه الجمعية، جمعية الملوك). 

وفي السنوات الأولى من حكمه حاول أن يكون ديمقراطيًا، وأن يتجنب تدمير القيم الجمهورية.

كان تيبيريوس يعد نفسه رأس مجلس الشيوخ وذراعه المنفذ، لذلك رفض كل الألقاب التي تشير أو تحمل صفة للملكية، ومنع لقب زعيم الشيوخ (Princeps Senatus)، وقضى على كل محاولة ترمي إلى تأليهه أو عبادة روحه، ومن هذا المبدأ رفض أن يسمى شهر باسمه، علمًا بأن مجلس الشيوخ سبق وأن سمَّى شهرين من السنة أحدهما تموز (يوليو) نسبة إلى يوليوس قيصر، والآخر آب (أغسطس) نسبة إلى أغسطس، إذ ردَّ ذلك ردًّا ينطوي على العكس، فقال: (وماذا تفعلون إذا وجد لديكم ثلاثة عشر قيصرًا).

ولشدة ما أثار من مشاعر أعضاء المجلس حين أقنعهم أن يأخذ من الجمعية المئوية (ComitlaCenturiatus) حق اختيار الموظفين العموميين، الأمر الذي لم ينل رضا كثير من المواطنين، إذ خسروا الأموال التي كان يبتاع بها أصواتهم، لذلك لم يبق من السلطة لعامة الناس إلا سلطة اختيار الإمبراطور، ذلك أن الديمقراطية بعد تيبيريوس قد انتقلت من الجمعيات إلى الجيش، وكانت أداة الانتخابات حد السيف.

اهتم تيبيريوس بتحقيق العدالة، إذ جعل من مجلس الشيوخ محكمة للجنايات العليا، ورفض تنفيذ حكم الإعدام قبل مرور تسعة أيام على صدوره.

كل ذلك لم يجد نفعًا مع أعضاء المجلس، إذ رأى فيهم جبنًا وخداعًا، بل ومكرًا، وبدأ يخشى المبادرة، بل اعتاد أكثر على تسليم الشؤون المهمة إلى مجلسه الخاص، ولا سيما الذين لا يشغلون أية وظيفة عامة، إنما اختارهم لجدارتهم وحنكتهم.

رسالة ماجستير تاريخ قديم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

رسالة ماجستير تاريخ قديم