الرومانسية في شعر أحمد الصافي النجفي

اتفق كثير من المؤلفين على أن النزعة الرومانسية هي تلك الصورة والطابع القاتم من الألم والأسى والضيق الشديد والصبر الساحق والرغبات المشتعلة التي تظهر على لسان المحب بعد الحرمان، فهذه هي تلك المشاعر النفسية المضطربة وتلك المشاعر الشديدة التي تعصف بها الرغبات المعذبة والآمال المثمرة.

وينشأ ذلك من خيبة الأمل وعدم قدرة الرومانسيين على تحقيق ما يطمحون إليه.

اقرأ أيضًا روايات رومانسية مصرية أثرت في تاريخ الأدب العربى

كيف بدأت النزعة الرومانسية في الأدب؟

ويجمع بعض المؤلفين أيضًا على أن هذا الاتجاه بدأ في فرنسا بعد سقوط نابليون، ثم انتشر في جميع أنحاء أوروبا ومنها انتشر إلى الدول العربية، قال فان تيجيم، بصفة أساسية، إنها كانت مركزية للحياة الأوروبية من عام 1820 إلى 1850 م.

كما حدد إلياس أبو شبكة في كتابه (روابط الفكر والروح بين العرب والإفرنج) صفحة 80 سنة 1858م، انتشار الرومانسية في شرقنا العربي.

لكن بعضهم يذهب بالرومانسية إلى أبعد من ذلك، إذ يرجع البعض ولادة هذا الاتجاه إلى القرن الأول الهجري، مشيرين إلى أنه ورد في أشعار وقصص العذارى العرب، الذي يقوم على الإخلاص للمحبوب والعمل على إرضائه.

كما يقول المستشرق (جيب) "إن أوروبا لم تعرف تقاليدها ومثالها الاجتماعي والديني، حتى وصل القرن الحادي عشر الميلادي وانتقلت قصص الحب والأشعار العربية من الأندلس العربية إلى فرنسا، وهناك جوهر الأدب الرومانسي".

ومنهم من جعل هذا الاتجاه مذهبًا عند رواده ومريديه، كما يقول الأستاذ محمود العبطة المحامي في مقاله بعنوان (خليل مطران شاعر العاطفة والعقل): "إن كلمة الإبداع هي ترجمة تقريبية لكلمة (الرومانسية) وهي عنوان المذهب الأدبي الذي ولد في نهاية القرن الثامن عشر في فرنسا وانتشر منها إلى بلاد أوروبا، وهو مذهب يقوم على العاطفة الشديدة والثورة الجامحة والكفر بالقيم والسخط على المجتمع".

اقرأ أيضًا أفضل روايات رومانسية ناقشت قصص حب تاريخية

هل الرومانسية مدرسة أم عقيدة؟

ومنهم من يجعل من هذه الصفة مدرسة لها طلابها ومن يقودها، كما ذكر الأستاذ عبد السميع المصري متحدثًا عن أحمد زكي أبو شادي وولائه لأستاذه الشاعر خليل مطران، وقال: "وكان وفاؤه لأستاذه الشاعر خليل مطران -صاحب المدرسة الرومانسية الحديثة في الشعر العربي- من أروع أمثلة الوفاء".

 كما ذكر البروفيسور عدنان الداعوق مثل هذا القول في كلمته عن فيكتور هوغو قائلًا: "لقد استوحى هوغو من نظرات زوجته الساحرة التي كانت تشع بالطهر والوفاء، روائع شعره".

ولهذا نشر أول ديوان من شعره عام 1826م، وهو الوقت الذي شهد (الرومانسية) الجديدة، وبدأت الحركة المدرسية تستعد للقضاء على المدرسة القديمة (الكلاسيكية)، فجعل بعض الكتاب المحدثين (هوجو) رائدًا في القضاء على (الكلاسيكية).

وكما يقول في مكان آخر «ففي عام 1830 ظهرت مسرحيته الجديدة (هرناتي) التي تعد أساسًا متينًا لأسس المدرسة الرومانسية الحديثة».

والحقيقة أن الرومانسية ليست عقيدة ولا مدرسة كما يراها بعضهم، بل هي هواجس نفسية تصيب الرومانسيين، قابضة على قلوبهم المنكوبة وتفيض بمشاعر مكبوتة.

فيغمرهم الألم والخوف بعد الأمل، واليأس بعد الإيمان والعزيمة، ترى الاكتئاب مكتوبًا على وجوههم، وترى السخط على المجتمع واضحًا في أحاديثهم، وطبيعة الألم والاستياء والزهد تظهر أحيانًا في كثير مما يكتبون وينظمون.

ويرجع ذلك إلى أن الرومانسيين لا يدركون الهدف والتطلعات المنشودة، التي طالما غنوا بها وعملوا من أجلها في شبابهم، لكنهم فشلوا في تحقيقها، ويرون في المجتمع أحد الأسباب التي أدت إلى فشل هذه الآمال، ثم ينتقمون.

اقرأ أيضًا روايات رومانسية حقيقية ج2.. تعرف عليها الآن

الرومانسية بعد الحرب

اعتقد أجدادنا أن حضارتنا ستبني جنة لأحفادهم، لكن الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية بددت آمالهم وزادت عدد الرومانسيين الراضين عن الحياة والمجتمع ولجؤوا إلى الطبيعة لنشر آمالهم وهمومهم.

ومنهم من لا يجد ما يناسب أفكاره في المجتمع، فيبني عالمه المثالي الخاص، فيذهب إلى الطبيعة، مبتعدًا عن الأشخاص الذين يظن أنهم لا يفهمونه ولا يحاولون فهمه، كما يجد في الطبيعة متنفسًا للقمع الذي يحتدم في ذهنه.

ومنهم من يذرف الدموع على حبيب أقسم أن يسعده طوال حياته ويتمنى أن يكون نصيبه، وينثر الورد على الأرض ويذرف العطر في الهواء طلبًا لمتعته.. إن حبيبته قد حرمت عليه، فملكه الحزن، وملكه الألم، فأخذ يكلم العندليب، ويمشي مع البستان، ويداعب الجدول، ويندم.

ومن خلال هذا نرى التناقض يظهر بين هاجس رومانسي وآخر، الجميع يبث ما يشعر به ويعبر عما يحدث في مخيلته وحده، حتى لو كانت الشخصية التي تميزه هي شخصية الألم والحرمان.

أي أنهم لا يلتزمون قواعد معينة، ولا أهدافًا محددة وثابتة، كما هو الحال في بقية الطوائف والمدارس التي تلتزم قواعد معينة، وأهدافًا ثابتة ومقررة.

ويختلف هذا الدافع الشعري في جزيئاته من شاعر رومانسي إلى آخر، لأن الرومانسية أقرب إلى كونها ناقلة لجو عاطفي منبثق من شخصية الشاعر المشبعة بفرديته، منها إلى المدرسة المبنية على أسس ثابتة وجامدة مع مواضيع دقيقة، وهذا أمر منطقي بقدر ما تكون الرومانسية حركة تحرر وتعبير عن الذات.

وعليه فإن الرومانسية هي الصفة التي تعبر عن المشاعر والأحاسيس الداخلية للفرد، وهي تنبع من عدة أسباب ذكرنا بعضها، كل منها يكفي لجعل الفرد الحساس يعيش في عالم خيالي يهتم بالطبيعة، ويعتزل المجتمع الأناني الذي يرى فيه أس البلاء ويعزو إليه بوادر الذل والخنا والانحطاط.

اقرأ أيضًا أغنية المطر.. تغيير الرؤية الرومانسية للشاعر بدر السياب

أحمد الصافي والنزعة الرومانسية

فماذا عنكم وقد اجتمع أكثر من سبب لشاعرنا الطاهر، المعروف بحساسيته واستجابته لنداء الإنسانية وتضحياته في سبيل إسعاد الآخرين؟ ولذلك فلا غرابة أن يرى قلبه يفيض بالمشاعر المؤلمة والمشاعر الشديدة واللجوء إلى الطبيعة.

أحب الصافي في شبابه وصدق في حبه، وكان يتمنى أن يتمكن من النجوم لإرضاء محبوبته، عاش على أمل الزواج، داعبت الذكريات مخيلته وتأثرت مشاعره من خلال أمنيات حالمة.

ولما غلبته الرغبة وكان الجو حارًّا تقدم للزواج، لكن عرضه رُفض، وعارض ذلك شقيقه محمد رضا الصافي الذي كفله بعد وفاة والديه، وفرض عليه ابنة عمه لكنه رفض، وقضى حياته وحيدًا في الوفاء بالحب وصدق إحساس القلب، وكان هذا أول الفرج.

ويوجد سبب آخر جعل الصافي رومانسيًّا، لأنه كان يعتقد أن مجتمعنا سيخلق عالمًا فاضلًا مملوءًا بالإنسانية الحقيقية ويبني حضارة رائعة، وليس حضارة زائفة، ويُظهر استياءه من المجتمع في عدد من قصائده، ومن ذلك قوله إن الشرقيين يقلدون غيرهم في أتفه الأمور.

جنون بهذا الخلق موه بالحجى *** فقد عطل التقليد عقلهم الأصلي

وقوله أيضًا:

تقلد يا شرقي غيرك دائبًا *** فتحسب موجودًا وما أنت موجود

لقد سلب التقيد عقلك كله *** فسخفك موجود ورشدك مفقود

تقلد في أكل وشرب وملبس *** ويعروك للتقليد في الليل تسهيد

وإن سخطه على المجتمع الذي يرى أن داء الفساد قد انتشر في جسده واشتد حتى لا دواء له، يتجلى في كلامه الذي ينفثه كما ينفث البركان على من لا يستحق أن يعيش.

أتيت مجتمع الدنيا أطهره *** جهلًا فدنس مني الروح والغرضا

وقوله أيضًا:

ألا تبًّا لمجتمع دني *** تكون جنسه من كل رجس

أتيت لأنشر الإصلاح فيه *** فلم أصلحه بل أفسدت نفسي

ونظر الصافي إلى المجتمع عن كثب فرأى مجتمعًا قد اختفى منه حس العزة والإنسانية، وأصبح ماهرًا في الشر والخبث والخيانة، فقال:

أرى معشرًا مات الشعور لديهم *** وقد أتقنوا فن النميمة والذم

لغير الأذى لا يصلحون لأنهم *** جمود بإحساس نوابغ في اللؤم

اقرأ أيضًا تحليل قصيدة الفردوس المفقود للشاعر "إدريس الجاي"

الطبيعة والرومانسية

والطبيعة هي ملجأ الرومانسيين ومصدر إلهامهم، وهي وحدها القادرة على سماع شكاواهم، وزفرات حرارتهم، وآلامهم المكبوتة، وعواطفهم الجريحة، وهي الوحيدة التي تفهم ما يطمحون إليه وتتقبله بعد أن رفضهم المجتمع، وهي وحدها التي تدرك ما يصبون إليه فتحتضنهم بعد أن يتنكر لهم المجتمع.

قصدت الطبيعة مستنجدًا *** بها هاربًا من جميع البشر

فجئت إلى روضة غضة *** تعانق فيها قدود الزهر

يسامرها بالغنا طائر *** يساجله بالنشيد النهر

فأصغي لأعذب أنشودة *** مقطعة بحفيف الشجر

دخلت كآدم في جنة *** وما لي كآدم عنها سفر

وقوله:

إني نظرت إلى الأنام يسودهم *** جهل يحارب أو هموم تنهك

ثم التفتُّ إلى الطبيعة باحثًا *** ما عندها فإذا الطبيعة تضحك

وهكذا يهرب شاعرنا أحمد الصافي النجفي من المجتمع الذي لا يفهمه، ولا يطلق العنان لهوسه، أو الذي لا يخفف قلقه، ويصادق الطبيعة التي لا يرى فيها مللًا، والتي تتكلم بألف لسان:

أنا إن جلست إلى الطبيعة صامتًا *** لم أخشَ من ملل ومن أحزان

الكائنات جميعهن خلائق *** يتحدثون معي بألف لسان

وإذا كانت النغمة الحزينة هي الطابع المميز للاتجاه الرومانسي، فإن قصيدة (وحشة) للشاعر الصافي خير دليل:

أستقبل الستين مستوحشًا *** لا أهل ولا مال ولا ولد

لا مسكن آوي له ثابت *** لا سكن لا هند لا دعد

أحفاد أصحابي لهم ولد *** وها أنا من عمري جند

كأنني أسلك في ظلمة *** وما أرى نجا بها يبدو

كعاشق ماتت لديه المنى *** وقائد أسلمه الجند

مشرد ليست له غاية *** في مهمه ليس له حد

كتائه يضرب في حيرة *** وسائر ما إن له قصد

أو زورق يخيط في لجة *** لا الجزر ينجيه ولا المد

لم يبق فرط الحس لي عالمًا *** آلفه لو أنه الخلد

لم أدر أيان مبيتي ولا *** أعلم أيان غدًا أغدو

في الشيب هل تصلح لي حالة *** ما صلحت والشعر مسود

تعود الشوك على مهجتي *** من بعد ما قاطعها الورد

عكازتي من أمل واهن *** أمشي بها والجسم ينهد

يدخر الناس لشيخوخة *** وكل ذخري ربي الفرد

وهذا غيض من فيض وقطرة من مصدر مما كتب في مصنفات الشاعر أحمد الصافي النجفي، وهذا يدل بوضوح على النزعة الرومانسية للشاعر، وهي مشاعر قوية تشير بلا شك إلى عواطف إنسانية تسعى لخير الجميع وتتميز بالغضب ضد من يعدون حجر عثرة أمام المصلحين والمرشدين، وعائقًا منيعًا دون تحقيق الهدف المطلوب.

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.