الحب في الأدب النسائي القديم

لا شك أن المرأة تمتلك عمق العاطفة، وحنان الشعور، ولطف الطبع، وحساسية الشعور بما لا نجده عند الرجل، وهي أقدر على وصف حالات الإنسان، والنفس، وآلام الحب حلوها ومرها في ارتباطها وهجرها.

إلا أن الرجل العربي يتمتع بحرية التعبير والعمل، ما لا تتمتع بها المرأة، وتتوافق التقاليد والعادات التي سادت المجتمع العربي عبر تاريخه مع طبيعة السلطة الأبوية في المجتمع، وترسيخ سيطرة الرجل على المرأة، ومصادرة حقوق المرأة لمصلحة الرجل.

اقرأ أيضًا وظيفة الأدب وأهميته في الحياة

الرجل هو الطرف المعبّر عن المشاعر

الرجل هو العنصر الفاعل في المجتمع والمرأة تابعة له وملتصقة به حتى في أمور الحب والعاطفة، الرجال هم العشاق والنساء هن المحبوبات، والعشاق يعبرون عن الشوق والرغبة التي تشتعل بداخلهم وانبهارهم بمفاتن النساء، يؤلفون القصائد ويروون المغامرات، والدواوين الشعرية والكتب الأدبية مملوءة، بغزلهن وأخبارهن.

الحب علاقة إنسانية فاعلة بين الرجل والمرأة، لكن يبدو لنا في قصة العشاق العرب أن الرجل هو الفاعل في هذه العلاقة، والمرأة هي المتأثرة والمتلقية.

الشاعر في الحب يعبر عن حبه ويزيده، ويستطيع أن يسرد محبوباته، كما نجد مثلًا عند امرؤ القيس على سبيل المثال لا الحصر، الذي يسرد أربعة من محبوباته في بيت واحد نحو:

دار لهندٍ والرباب وفرتني *** ولميس قبل حوادث الأيام

على العكس من ذلك، كان الشاعر يبدأ قصيدته أحيانًا بالغزل، ليس تعبيرًا عن مشاعره الداخلية بالحب والشوق، بل لأنه تقليد شعري اعتاده الشعراء.

أما المرأة العاشقة فهي غير قادرة على التعبير عما تفيض به روحها وما يمتلئ به قلبها، فنقرأ قصص وأشعار قيس بن ذريح في حب لبنى، ولكننا لا نقرأ القصص والأشعار، للبنى في حب قيس، ونقرأ ديوان جميل في حب بثينة، ولا نجد في جميل سوى بيتين قالتهما في تأبينها عندما علمت بوفاته:

وإن سلوِّي عن جميلٍ لساعة *** من الدهر ما جاءت ولا حان حينُها

سواءٌ علينا يا جميلُ بن معمرٍ *** إذا مت بأساء الحياة ولينها

اقرأ أيضًا الأدب الشعبي في جنوب إفريقيا والبلدان النامية

مجنون ليلى العامرية

للمجنون ديوان شعر عن حب ليلى العامرية، وليس لدى ليلى سوى أبيات قليلة عن المجنون، قالتها خجلًا بعد أن أذابها السر وشفيت بالعاطفة:

باح مجنون عامر بهواه *** وكتمت الهوى فمت بوجدي

فإذا كان في القيامة نودي *** من قتيل الهوى تقدَّمت وحدي

تشعر ليلى بإحساس قوي يفرضه النظام الاجتماعي للتقاليد الذي يقيد المرأة ويطلق الرجل، فالأمر متروك لها في البوح وعليها الحفاظ على السر، وتصوغ العامرية هذه المعادلة الظالمة في شعر يذوب بالحنان ويقطر حزنًا:

لم يكن المجنون في حالة *** إلا وقد كنت كما كانا

لكنه باح بسر الهوى *** وإنني قد ذبت كتمانا

أمثال العامرية هم من الذين كانوا شديدي العناد والكتمان في تراث الحب العربي، لقد تحملوا نار الهوى بين ضلوعهم، وصبروا على البلاء والجهد، ولم يخرجوا عن الأعراف، والمجتمع، ولا تمردوا على مفاهيمه، حتى باتوا على شفا الموت.

ومن هؤلاء الشعراء الجاهليين سعادة الأسدية التي استسلمت لوصية أبيها ولم تعصه جدًّا ولا مزحًا، ولم تكشف عن حبها وتكتب عنه شعرًا، حتى كادت روحها أن تموت.

ثم انطلقت بالأبيات المبهمة وأسلمت روحها لسيدها، وذكر الرواة أنها كانت تحب أحد أبناء عمومتها، لكن والدها منعها من ذلك، وزوجها من رجل لم تحبه فاشتدت مشاعرها وأخفت ذلك، واشتدت مشاعر ابن عمها، فأرسل لها رسالتين يشكو فيها حبه، فأجابت:

حبيبي لا تعجلْ لتفهم حجتي *** كفاني ما بي من بلاءٍ ومن جَهْدٍ

ومن عبراتٍ تعتريني وزفرةٍ *** تكاد لها نفسي تسيلُ من الوجدِ

غلبت على نفسي جَهارًا ولم أطِقْ  *** خلافًا على أهلي بهزلٍ ولا جِدِّ

ولن يمنعوني أن أموتَ بزعمهم  *** غدًا خوفَ هذا العار في حدثٍ وحدي

فلا تنسَ أن تأتي هناك فتلتمسْ *** مكاني فنشكو ما تحَمَّلْتَ من جَهْدٍ

فجاء إليها في الوقت المحدد فوجدها ميتة.

أما أسماء العذرية فكانت أكثر حظًّا وأكثر همة من التي قتلت في الهوى السعدي، أحبت شابًا من قبيلتها يُدعى «جَعْد» وكان يحبها، ولم تعبر عن حبها له، حتى تزوجها، وبعد الزواج أظهرت له كثيرًا من المودة والحب الذي كانت تغلي بداخلها وتخفيه، وقبل الزفاف سألها عن ذلك فقالت:

كتمت الهوى إني رأيتك جازعًا *** فقلتُ فتىً بُعد الصديق يريد

فإن تطَّرحني أو تقولَ فتَّية *** يضرّ بها برحُ الهوى فتعودُ

فوريَّت عما بي وفي الكبد والحشا *** من الوجد برح فاعلمنَّ شديد

اقرأ أيضًا الأدب العربي | عصوره وأقسامه وعلاقته بالقرآن الكريم

شعراء امتلكوا الجرأة في التعبير

إلا أن أدبنا العربي قد ذكر بعض الشعراء الذين امتلكوا الجرأة على التعبير عن أسرار النفس الحميمة والتعبير عن الحب النقي الشريف الذي يشتعل في داخلهم.

ومنهم ليلى الأخيلية، وكانت جميلة ورائعة، شاعرة فصيحة، بارزة في قومها، عالمة بزمن العرب وأنسابهم وأشعارهم، واشتهرت، وكانت تحب توبة بن الحمير، وكان لها في حبها أشعار جميلة، كما كان له في حبه.

كانت متزوجة، فلم يكن بينهما إلا تبادل الأشعار واللقاءات العفيفة، وسألها الحجاج الثقفي ذات مرة: هل دارت بينكما شبهات قط؟ قالت: لا، والذي أسأله سلامتك، إلا أنني رأيته قال شيئًا فظننت أنه استسلم لشيء، فقلت:

وذي حاجة قلن له لا نبح بها *** فليس إليها ما حييت سبيل

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه *** وأنت لأخرى صاحب وخليل

تخالك تهوى غيرها فكأنما *** لها من تَظَنّيها عليك دليل

ولم يحدثني بعد ذلك بشيء حتى فرقني الموت عنه.

وبفضل بلاغته ومكانته بين قومه استطاعت الأخيلية أن تعلن حبها وتكتب عنه قصائد جميلة وعذبة، لكنها لم تذهب أبعد من ذلك وبقيت متمسكة بمفهوم مجتمعها عن الحب.

ففصلت بين الحب والزواج، ثم بين الحب والجنس، وعدت الزواج الإطار القانوني الوحيد له، سواء اقترن بالحب أم لا.

ورغم أنها ترفض العلاقة الجنسية الإنسانية العميقة والفعالة القائمة على الحب خارج الإطار القانوني الذي يحدده المجتمع، فإنها ترى أن العشاق ليس لديهم إلا ما يمكن أن يقدمه الزمن من لقاء عفيف أو شعر لطيف.

وغني عن القول إن الجنس إذا تجرد من الحب الذي يكوِّن بعده الإنساني العميق، فإنه يصبح غريزة حيوانية وفعلًا ميكانيكيًّا يتساوى فيه الإنسان والحيوان، سواء تم ذلك ضمن إطاره القانوني أو خارجه.

اقرأ أيضًا الفرق في الأدب العربي بين الماضي و الحاضر.. معلومات لا تفوتك

الشعور بالنقص من الرجل

ولعلنا نجد كثيرًا من الشاعرات في الحب لا يحدن عن المفاهيم التي رسمها المجتمع الأبوي، بل يشعرن في أعماق نفوسهن بالنقص من الرجل، ولا تطمح رؤاهن إلى المساواة في الحب بين الرجل والمرأة، وهنا أم خالد التي تقتصر أحلامها في الحب على أن تكون جارية لحبيبها أو ظله:

أقول ودمع العين يستنّ بالقذى *** كما استنَّ جاري جدولٍ يتفجر

ألا ليتني للحاجريِّ وليدةً *** ويا ليتني ظل له حين يظهرُ

ويا ليتني بُرْدٌ له حين يتَّقى به *** شَغيفَ الصبَّا أو نصلُه حين يحصر

ومن الشعراء الذين تحدثوا عن سر الهوى ووصفوا جمال الحبيب، خولة بنت ثابت وهي أخت الشاعر حسان بن ثابت، كانت تحب عمارة بن الوليد المخزومي، وكان رجلًا وسيمًا، شابًّا حسن المظهر، فقالت:

يا خليلي نابني سهدي *** لم تنم عيني ولم تكدِ

فشرابي ما أسيغ وما *** أشتكي ما بي إلى أحدِ

كيف تلحوني على رجلٍ *** آنسَ تلتذُّه كبدي

مثل ضوء البدر صورتُه *** ليس بالزُمَّيْلة النكِدِ

نظرت يومًا فلا نظرتْ *** بعده عيني إلى أحد

أما فتاة بني عجل فقد ذهبت أبعد في مجال العاطفة، فقد أظهرت نفسها واضحة غير مراوغة، جريئة، في مجتمع يرى أن الحياء زينة المرأة، صريحة لا تخاف، مما يقوله الناس، أحبت أحد أبناء عمومتها، وكان في حرب الأزارقة مع المهلب، فكتبت إليه تطلب النصيحة، فاعتذر منها لخوفها من عقاب الأمير، فأجابت:

ليس المحبُّ الذي يخشى العقابَ ولو *** كانت عقوبته في إلفه النارُ

بل المحبُّ الذي لا شيء يمنعُه *** أو تستقرُّ ومن يهوى به الدارُ

لذلك انتقل إلى هناك، وترك وظيفته.

اقرأ أيضًا ما الأدب العربي الحديث وما مميزاته؟

نبضات الهوى في سكون الليل

أما «المتمنيَّة» فريعة بنت همام، فقد كانت وحيدة في سكون الليل، وهاجتها نبضات الشهوة والهوى، فخاطبت روحها وكشفت عن أمنيتها، وذكرت ذلك الذي من تشتاق إليه روحها، وتطمئن إلى أنه لن يسمعها أحد:

يا ليت شعري عن نفسي أزاهقةٌ *** مني ولم أقضِ ما فيها من الحاجِ

ألا سبيلَ إلى خمر فأشربها *** أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج

يا منيةً لم أرُمْ فيها بضائرة *** والناس من صادق منها ومن راجِ

ولم تكن تعلم فريعة بنت همام أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يتفقد شؤون المدينة وأحوال الناس ليلًا، سمعها وذلك لسوء حظها.

فنفى نصرًا من المدينة، وأمره أن يحلق شعره لئلا تفتن به النساء، وكان لديه شعر مستقيم جميل، وخافت فريعة عندما علمت أن عمر قد اكتشف سرها، فأرسلت له اعتذارًا عما فعلته، وبحثت عن حيل لتأويل كلامها ووضع حد له:

قل للإمام الذي تخشى بوادره *** مالي وللخمر أو نصر بن حجّاج

إني عنيت أبا حفص بعدِّهما *** شربَ الحليب وطرفي قاصر ساج

لا تجعل الظن أو تيقّنه *** إن السبيل سبيلُ الخائف الراجي

إن الهوى زمّه التقوى وقيّده *** حتى أقِرَّ بإلجامِ وإسراجِ

 فريعة عُرفت في ما بعد بـ"التي تتمنى" ولوم أولادها في ما بعد على ذلك!!

نزلت السياط وارتفعت من جسد بنت حباب، لأنها أحبت يحيى بن حمزة رغم بعد المسافة بين بيتها وشط المزار، قالت:

أأضْرَبُ في يحيى وبيني وبينه *** تنايفُ لو تسري بها الريح كلّتِ

ألا ليت يحيى يومَ عَبْهَل زارنا *** وإن نهلَتْ مِنَّا السيّاطُ وعلَّتِ

اقرأ أيضًا كيف يجب ان يكون استغلال الفرص للأدباء العرب؟

قوانين المجتمع والشعر النسائي

أم ضغيم البلوية، شاعرة أموية، استطاعت أن تسبق الشعراء السابقين بطرق باب الحب لحبيبها، ووصفت إعجابها به، وسرد مغامراتها معه، في غزل جريء ممزوج بالدعاية والفخر، كما يفعل الشعراء حين يحبون محبوبهم:

فما نطفة منه ماء بَهْمينَ عذبةٌ *** تمَتَّعُ من أيدي السُّقاةٍ أرُومها

بأطيب من فيه لو أنك ذُقتَهُ *** إذا ليلةٌ سحَّت وغابَ نجومها

فهل ليلة البطحاء عائدة لنا *** فدتها الليالي خيُرها وذميمُها

فإن هي عادت مثلها فأليَّة *** عليَّ وأيّام الحَرورِ أصومُها

وفي أبيات أخرى تروي إحدى مغامراتها مع حبيبها:

وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم *** ولا نحن بالأعداءِ مختلطان

وبِتْنا يقينًا ساقط الطّلِ والندى *** من الليل بردا يمنة عطران

نذود بذكر الله عنا من الصِّبَا *** إذا كان قلبانا بنا يجفان

ونَصدر عن أمر العفاف وربما *** نقعنا غليل النفس بالرشفانِ

وكعادة الشعراء تخاطب رفاقها في أثناء مرورهم ببيت حبيبها لتخبره بذلك، لأن رغبتها في حديثه قد شفيت وأرهقت قلبها، وهي تصر على الطيبة رغم الوشاية والحاقدين، متحدية وسائل القمع البشعة التي يمارسها المجتمع الرجالي على المرأة العاشقة:

خليلي إن أصعدتما أو هبطتما *** بلادًا هوى نفسي بها فاذكرانيا

ولا تدعا إنْ لامَني ثمَّ لائمٌ *** على سخط الواشين أن تَعْذرانيا

فقد شفَّ قلبي بعد طول تجلُّد *** أحاديثُ من يحيى تُشيب النواصيا

سأرعى ليحيى الودَّ ما هبَّتِ الصبَّا *** وإنْ قطعوا في ذاك عَمْدًا لسانيا

وتعد البلوية خطوة جريئة في تاريخ الشعر النسائي، لقد تجرأت على تحدي الأعراف والتقاليد الصارمة للمجتمع الأبوي عندما وجدت أن المفاهيم السائدة في المجتمع قد حرمتها من حقوقها الطبيعية والأساسية، لقد تحركت عبر هذه المفاهيم بجرأة وتحدٍ، وأعطت نفسها ما رأت أنها حقوق لها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة