التنمر والسوشيال ميديا.. وتأثيرها على المجتمع

التنمر والسوشيال ميديا، هل توجد علاقة واضحة بينهما؟ هل كان المتنمر ضحية لمتنمر أخر من قبل؟ أتعرف ذاك المشهد المتكرر، حين يهجم أحد أفراد الزومبي على شخص ما ويعضه، فيبدأ ذاك الشخص بالتحول إلى زومبي آخر، هكذا تمامًا التنمر.

فالتنمر سلوك عدواني، يخفى خلفه عدة مشاعر ما بين الألم والغضب، فالمتنمر شخص متألم غاضب، ولعل السوشيال ميديا هي نافذة واضحة لرؤية أشكال التنمر المختلفة.

اقرأ ايضاًَ تنمر الأمهات على مواقع التواصل الإجتماعي وكيفية التعامل معه

كيف يحدث التنمر مباشرة؟

من فم أحد المتنمرين قال: بدأ الأمر حين كنت صغيرًا، أمتلك جسدًا ممتلئًا، ووجهًا لا يرى منه سوى خدان بارزان.

كنت أرى نظرات الحيرة وعدم الرضى في عين أمي عند شراء ملابس جديدة، فملابس من في سني لا تسعني، والأحجام الأكبر لا تناسبني، وتكرر أمي على مسامعي ونحن في غرفة تبديل الملابس، يجب أن تمتنع عن تناول الحلويات الكثيرة انظر لا نجد ملابس تليق بك.

كنت الفريسة الأنسب للعصابة المدرسية، فأنا موجود حين يريدون الضحك والسخرية، وأنا موجود عندما يودون تفريغ غضبهم بالضرب والإهانة، وأنا موجود أيضًا حين يقررون لعب كرة القدم، يخيروني بين مهمتين، إما أن أكون الكرة وإما ذاك الحارس الضخم الذي يسد المرمى حتى لا تخترق الكرة الشباك.

قررت أن أتبع الحمية، وأذهب إلى صالة الجيم، وها أنا أملك جسدًا رياضيًّا، ولا يستطيع أحد أن يتعرض لي ولو بنظرة.

بداخلي شعور غضب وانتقام لا ينتهي، أفرغهما على أي شخص إما بالضرب وإما السخرية، يهدأ ذاك الشعور قليلاً ثم سريعًا ما يعود لأبحث عن فريسة أخرى لأصب عليها غضبي.
هذا هو التنمر المباشر الذي انتشر به السلوك، وعُرف من خلاله، والذي يوجد كثيرًا في العائلات وعلاقات الصداقة والعمل والمدرسة.

اقرأ ايضاً ليزي فيلاسكويز.. المرأة التي قفزت عن جدار التنمر وألهمت العالم

 بداية التنمر والسوشيال ميديا

توجد أيضًا صور غير مباشرة للتنمر، نتعرض له كثيرًا على مدار يومنا، وهو عن طريق مواقع السوشيال ميديا "التنمر الإلكتروني"، فقد أصبح متاح لأي شخص من أي مكان أن يضيف تعليقًا على صورك، ما ينتج عنه شعور بعدم الثقة وتقدير أقل للذات.

وفي بعض الأحيان يصاب ضحايا التنمر الإلكتروني بالاكتئاب، والانعزال عن الناس، لذلك فإن في عدد من مناطق الولايات المتحدة الأمريكية، أدخلت السلطات قانون معاقبة التنمر الإلكتروني، ونفذته في يونيو ٢٠٠٨.

اقرأ ايضاً يسرا اللوزي وظاهرة التنمر على ابنتها وطريقة تعاملها مع الأمر

الآثار الضارة للتنمر 

الآثار الضارة للتنمر لا تتوقف عند الاكتئاب والعزلة فقط، بل تأخذ ما أخطر من ذلك، ما يؤدي إلى الانتحار وعدم الرغبة في الحياة، وبحسب مركز دراسة الأمراض أن ما يقرب من ٤٥ ألف حالة وفاة تحدث بسبب الانتحار كل عام، لأن كل ١٠٠ محاولة انتحار تنجح محاولة على الأقل، وهذا يوضح مدى خطورة شعور رفض وعدم قبول الآخرين.

فإن أثمن ما يمكنك أن تهبه إلى أي إنسان أن تشعره بأنك تقبل اختلافه وسقطاته َحتى عيوبه التي يدركها هو جيدًا، فقبولك له يساوي إعطاءك له فرصة جديدة للحياة.

لذلك فإننا نرى فئة المراهقين كثيرًا ما يعانون من الاكتئاب والعزلة بسبب رفض من حولهم لأفكارهم وشخصياتهم الجديدة، ولذلك فإن أكثر من ١٤٪ من الطلاب في تلك المرحلة العمرية يفكر في الانتحار، ونحو ٧٪ منهم يحاول الانتحار.

اقرأ ايضاً التنمر والعنصرية للهجات العربية عبر التواصل الاجتماعي والمجتمع

بداية أنتشار التنمر من السوشيال ميديا 

بدأت في الانتشار مؤخرًا من خلال مواقع السوشيال ميديا ظاهرة "الكلاب البشرية"، وصل عدد المنخرطين بهذه الظاهرة في بريطانيا وحدها ١٠ آلاف فرد، وتكشف تقارير إخبارية عن أن أكثر المنضمين لهذه الظاهرة هم ممن تعرضوا لمشكلات في صغرهم سواء تنمر أو عدم ثقة بالنفس.

التنمر ليس هو السبب الوحيد وراء هذه الظاهرة، ولكنه دافع أساسي لهؤلاء الأفراد الذين قرروا أن يعيشوا بطريقة الكلاب، رغبة في الحصول على القبول، والرضى من الآخرين لإشباع احتياجهم الداخلي العميق بالقبول دون الاكتراث إلى كيفية الحصول عليه.

وأعتقد أن هذه الظاهرة لن تكون الأخيرة، فقد نرى ظواهر أخرى أشد غرابة في وقت لاحق، وإذا كانت ظاهرة الكلاب البشرية هي آخر نتائج سلوك التنمر، فكيف ومتى بدأ في الماضي؟

أرى أنه بدأ مع بداية الخليقة، فإن جاز التعبير فقد تنمر إبليس على أدم عليه السلام، فقد ورد في سورة "ص" أية "٧٦" قال تعالى: {أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين} وقد سرى هذا السلوك عبر العصور والأزمان إلى يومنا هذا، ولهذا حذرت منه الشرائع وفرضت الدول العقوبات على المتنمرين، وأُقيمت ضده الحملات.

إجراءات مواجهة التنمر 

ومن الإجراءات التي اتخذت لمواجهة التنمر في مصر، انطلاق أول حملة قومية مصرية ضد التنمر في ٥ سبتمبر ٢٠١٨ تحت رعاية المجلس القومي للطفولة والأمومة، وذلك بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، وقد شارك فيها بعض المشاهير، وأفصحوا عن تجاربهم الشخصية المؤلمة واقترحوا بعض الحلول والنصائح.

بالإضافة إلى الموافقة على أول مشروع قانون يتصدى لظاهرة التنمر، ووضع عقوبة له في قانون العقوبات المصري في ١٧ سبتمبر ٢٠٢٠، وذلك من خلال إدخال تعريف واضح للتنمر؛ لأنه يعد تنمرًا "كل مَن استعرض بنفسه أو بواسطة غيره القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد بأيهما أو استخدامه ضد المجني عليه.

أو اتخاذ تدابير أخرى غير مشروعة بقصد الإساءة للمجني عليه، كالجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعي، بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحط من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي".

أشد العقوبات لمواجهة التنمر

يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 30 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ومن الإجراءات التي اتخذت أيضًا لمنع وتقليل هذه الظاهرة، أن أصدر مركز الأزهر العالمي الفتوى الإلكترونية في ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٠ "إن احترام إنسانية الناس ومشاعرهم أمر واجب، ومؤكد أن التنمر سلوك مرفوض ومحرم".

هل تكفي كل هذه الإجراءات؟

ستظل كل تلك الحملات والقوانين والفتاوي أسوارًا خارجية مهمة، تقلل بعض أذى المتنمرين، ولكن من الوارد أن يتعرض لك أحد المتنمرين ولا تستطيع تطبيق القانون عليه، ولا تردعه الفتوى، ولم يؤثر فيه كلام الحملات.

لذا من الضروري أن يهتم كل إنسان ببناء سور وحصن داخلي خاص به يحميه من أي أذى، وأرى أن الحجر الأول لبناء الحصن الداخلي هو أن يكف الإنسان أذاه أولًا عن الآخرين، ويعزم على أن يقول خيرًا أو ليصمت.

وتلك القاعدة الوحيدة التي تطبق على الجميع، ولا توجد قواعد أخرى ثابتة، فكل شخص على حسب أفكاره ومشاعره وحدوده، ولا يوجد أحد يستطيع أن يعلمك كيف تبني حصنك، إلا أنت فقط مَن عليه أن يعرف.

حساب مصري معني بالشأن الثقافي والكتابة الإبداعية بكل أشكالها والجوائز الأدبية في مختلف فروع الإبداع الكتابي..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

حساب مصري معني بالشأن الثقافي والكتابة الإبداعية بكل أشكالها والجوائز الأدبية في مختلف فروع الإبداع الكتابي..