الإمبراطور أوكتافيوس وتجديد نظام مصر الإداري

أدخل الإمبراطور أوكتافيوس بعض التعديلات على النظام الإداري في مصر بعد اعتماده على النظام البطلمي، إذْ كان الملك هو الحاكم الشرعي.

ففي عهد الإمبراطور أوكتافيوس أصبح هو الملك الشرعي وفرعون مصر، كما كان البطالمة يمثلون من قبل في زي الفراعنة المصريين، لأن ذلك من ضروريات الحياة التي لا تستقيم إلا بوجود فرعون حتى ولو كان وجودًا رمزيًّا.

اقرأ أيضًا ظهور أوكتافيوس عام 44 ق.م والمؤامرات التي قام بها ضد أنطونيوس

اختيار الوالي من طبقة الفرسان

أما من الناحية العملية فقد أقام الإمبراطور أوكتافيوس موظفًا جديدًا ينوب عنه في حكم مصر، ومن أجل أن يمارس سلطات الملك السابق وهو الوالي الذي أخذ لقبه من ألقاب هيأة الفرسان وهو برفكت Praefctus أي بمعنى رقيب أو وكيل أو يذكر اللقب بالكامل للوالي في الوثائق الرسمية، ويدعى بوالي الإسكندرية ومصر Praefcus Alexandreae et Aegupti؛ لأنه لم تكن مدينة الإسكندرية في عصر الرومان تُعد ضمن مصر الرومانية بل متاخمة لمصر.

وكان أمر اختيار الوالي من طبقة الفرسانوليس من طبقة رجال السناتو؛ فيرجع ذلك إلى أمرين:

أولهما: عدم ثقة الإمبراطور أوكتافيوس في أعضاء الطبقة الأخيرة من ناحية الولاء له والكفاءة في الإدارة.

أما الأمر الثاني: فهو أن هذه الطبقة (الفرسان) امتازت بولائها لهُ وكذلك أفرادها لديهم خبرة عملية بالشؤون المالية والتجارة، وكان يفترض فيمن يختار منهم لمنصب الوالي أنهُ مارس من قبل المنصب إدارة التموين بيرفكت أنورار Praefctu Annorare، في العاصمة روما ومن ثم كانوا أقدر فئات الرومان على إدارة مصر.

لذا مُنح الوالي سلطات استثنائية من أجل ممارسة منصب بروقنصل التي كانت تقتصر فقط على أعضاء طبقة السناتو، وبهذا أصبح الوالي قائد الحامية العسكرية والحاكم الفعلي في مصر والرئيس الإداري والقاضي الأعلى لجميع أنواع القضايا.

إذْ يستمد سلطاته من الإمبراطور نفسه، وكذلك له حق تعيين موظفي الإدارة في جميع مستوياتها، وكان يتمتع بحق مصادرة الأملاك وإصدار الأحكام، وإليه تقدم الشكليات.

اقرأ أيضًا القضاء على سكتوس بومبي وتفرد أوكتافيوس بحكم الغرب

الرئيس القضائي

وعلى الرغم من تركيز كافة السلطات في يد الوالي لكنها لم تكن مطلقة لأنها خاضعة لسلطة الإمبراطور الذي كان يعيَّن من قبله ويعزل من قبله، ولا يحق له تحديد مقدار الضرائب العينية والنقدية التي تُجبى سنويًّا من مصر، ولا يحق له أن يصدر قرارًا لا يتماشى مع سياسة الإمبراطور.

لذا يصح القول إنه إذْا كان الوالي بنظر سكان مصر حاكمًا مطلق السلطات مثله كمثل الفرعون تمامًا، لكن كان في نظر الإمبراطور أداة طيعة تأتمر بأمره وتنفذ الأوامر الإمبراطورية.

أما المنصب الثاني الذي يلي الوالي في الإدارة المركزية فهو منصب الرئيس القضائي جوريديكوس Juridicus ويُعدَ هذا المنصب فضلًا عن منصب الوالي أهم تجديد أدخله الإمبراطور أوكتافيوس على النظام الإداري.

وكان يهدف من وراء استحداث هذه الوظيفة أن يزود الإدارة الرومانية في مصر بالخبرة القانونية، ولاسيما أنه كان في البلاد قوانين خاصة بالمصريين وأخرى باليونان وثالثة خاصة بالرومان.

وبما أن الوالي يُختار من طبقة الفرسان الذين مارسوا مهام شؤون التجارة والمال وإمدادات الجيوش والإدارة، حتى لا يؤدي انعدام خبرة الوالي بالشؤون القضائية إلى تعارض أحكامه وإجراءاته مع مبادئ القانون الروماني العام.

لذا أنشأ الإمبراطور أوكتافيوس هذا المنصب ليكون المستشار القانوني للوالي، وكثيرًا ما كان ينوب عن الوالي للنظر في القضايا الكثيرة التي ترفع إليه، ولما كانت سلطة الرئيس القضائي تشمل الإسكندرية وعموم مصر فيمكن أن نشبه منصبه في هذا المجال بمنصب قاضي القضاة أرخيديكاستس Archidikastes على أيام عهد البطالمة.

إذْ وجد هذا المنصب أيضًا في عصر الإمبراطور أوكتافيوس، لكن كان يشغله مواطن روماني أو من الإسكندرية ممن حصل على حق المواطنة الرومانية، وكان موظفًا تنفيذيًّا موكلًا إليه تنفيذ الأحكام ومشرفًا على دار المحفوظات الرسمية في مدينة الإسكندرية.

اقرأ أيضًا قيصر روما المقدس أوكتافيوس.. نبذة عن سيرته

الشؤون المالية والحسابات

أما الشؤون المالية التي تمثِّل جانبًا كبيرًا وأساسيًّا من اختصاص الوالي، فقد عُين لمساعدته موظفان الأول المشرف المالي الذي يعرف بالديوكيتس Dioicetes، والثاني رئيس الحساب الخاص الأديوس لوجوس Idios Logos.

ومن الواضح أن هاتين الوظيفتين كانتا موجودتين في عصر البطالمة، غير أنه طرأ على اختصاصات كل منهما في المدة الرومانية بعض التغيير.

إذْ إن منصب المشرف المالي فقد كثيرًا من أهميته التي كان يتمتع بها في العصر البطلمي، فأصبح مجرد موظف إداري يساعد الوالي في أمور تقدير الضرائب وجمعها. وذلك لأن الوالي أصبح المسؤول الأول عن مالية البلاد.

أما منصب رئيس الحساب الخاص فقد زادت أهميته كثيرًا، فقد أصبح المشرف على إدارة الأراضي وممتلكاتها التي قرر القانون مصادرتها باسم الدولة سواء لأن أصحابها قد هجروها أو تأخروا في دفع الضرائب المستحقة عليها.

وزيدت مهام هذا الموظف حين استولت الدولة على ممتلكات المعابد وجعلت منهُ الكاهن الأكبر للمعابد والمشرف المالي على ماليتها وممتلكاتها، وكان يعاون هؤلاء الموظفين الماليين عدد من الموظفين والأتباع يتولون الإشراف على إدارات فرعية ويحملون لقب وكيل أيبتروبوس Epitropos.

ومن أهم هؤلاء الموظفين المشرف على مخازن الغلال الذي يُدعى بروكوراتور Procurato وكان يجمع الغلال من أقاليم مصر ويرسلها إلى الإسكندرية لشحنها إلى روما، ويوجد موظف آخر مشرف على أملاك الإمبراطور الخاصة Procurato usracus.

إذْ كانت هذه الأملاك تضم مساحات كبيرة من أرض مصر، وكان الإمبراطور أوكتافيوس يوليها اهتمامًا خاصًا.

وقد كان يعين الموظفين من عتقاء الإمبراطور أي العبيد الذين كان الإمبراطور أوكتافيوس يثق بهم لذلك عينهم في إدارة كثير من المرافق الاقتصادية في ولايات الإمبراطورية.

اقرأ أيضًا إجراءات الإمبراطور أوكتافيوس بعد انتصاره على أعدائه

تقسيم الإدارة المحلية

أما عن نظام الإدارة المحلية، فتيسيرًا للإدارة العامة قُسِّمت مصر على ثلاث مناطق إدارية كبرى وهي الدلتا Delta التي تقابل مصر السفلى، والأقاليم السبع وأرسينوي Arsinoe Hebtanomia et التي تقابل مصر الوسطى، وطيبة Thebaid التي تقابل مصر العليا.

وعُين على كل منها موظف يحمل لقب الإبيستراتيجوس Epistrategos، وكان شاغلو هذه الوظيفة من المواطنين الرومان ومن طبقة الفرسان لكن لم تكن هذه الوظيفة استحداثًا جديدًا بل وُجدت في أوأخر عصر البطالمة.

إذْ عين البطالمة على إقليم طيبة موظفًا يحمل لقب إبيستراتيجوس ويتمتع بسلطات إدارية وعسكرية واسعة جعلت منهُ نائبًا عن الملك على هذا الإقليم، والهدف من ذلك هو تدعيم سيطرة الدولة في تلك المناطق التي كانت معقل للثورات.

وقد اقتبس الإمبراطور أوكتافيوس هذا النظام وعمَّمه بين الإدارة المحلية في الأقاليم، لكن هذه الوظيفة فقدت صفتها العسكرية لأن السلطة العسكرية في مصر مركزة بيد الوالي بصفته القائد الأعلى للجيش الروماني في مصر.

وقد كانت مهام موظف الإبيستراتيجوس إدارية فقط، منه الرئيس الإداري لعدد من الأقاليم أوالمديريات Nomos وهو بمنزلة حلقة الوصل بين الإدارة المركزية في الإسكندرية والإدارة المحلية في كافة أنحاء البلاد والإشراف على سير العمل من الناحية الإدارية في المنطقة.

أما بقية الوظائف الإدارية كانت بدرجات مختلفة وباختصاصات عدة، وقد أصابها شيء من الزيادة أو النقصان، لكنها كانت امتدادًا للوظائف التي وُجدت أيام عصر البطالمة مع استحداث بعض التغييرات الرومانية.

إذْ كانت على مستوى إدارة الأقاليم منها وظائف البلدية ومنها وظائف شرفية هدفها تنظيم أمور الإدارة المحلية في مصر الرومانية.

رسالة ماجستير تاريخ قديم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

رسالة ماجستير تاريخ قديم