الأم

الأم كلمة صغيرة تختصر كل معاني الحياة، بل هي الكيان الذي تقوم عليه الحياة لأن الله تعالى أودع سرّه العظيم فيها، وجعل جزءًا حياً منها ينبض في أحشائها ليخرج إلى النور، ولهذا تُعتبر الأم مدرسةً حقيقية، يستمدّ منها الأبناء قبساً مشتعلاً بالأمل والطاقة والتجدد، ليواصلوا مسيرتهم في كل شيء، منذ لحظة الولادة، فما أعظم الأم وما أكبر قدرها.

العظيم أن الأم تتحرك تجاه أبنائها بفطرتها الطبيعية، وغريزتها التي أودعها الله تعالى فيها، فهي لا تستطيع أن تتخلى عن واجبها تجاههم حتى لو أرادت ذلك، لأن شيئاً ما من أعماقها يمنعها من ذلك، ولهذا يقولون دائماً أن حب الأم للأبناء لا يُوازيه أي حب، وعطاؤها لهم لا يُمكن أن يُقارن بأي عطاء، فهو شيءٌ خارقٌ للطبيعة والعادة.

الأم دائماً تتصرف بغريزتها، فحتى الحيوانات الصغيرة تظلّ دائماً ملتصقةً بأمها لأنها تعرف أنها برّ الأمان، ولأن الأم هي أعظم مخلوقٍ وأكثر الناس أولويةً بالرعاية والعناية، فقد جاء تكريمها إلهياً خالصاً، وميزها الله سبحانه وتعالى وعظّم قدرها في نفوس أبنائها، كما ربط رضاه برضاها، وبهذا جاءت الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي أعلت من شأن الأم ، كما أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام بالأم أعظم توصية، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على عظيم التعب الذي تقوم به حين تسهر على أبنائها، فهي وحدها من يستشعر بضعفهم وتعبهم، وهي الوحيدة التي تمرض إن شعرت للحظة واحدة أن أحد أبنائها سيمرض، بل إنها تتمنى لو أنها تأخذ كل الحزن والألم عن أبنائها، وتعطيهم فرحاً دائماً. تتجلى عظمتها في أمورٍ لا يمكن حصرها، إذ أن دورها لا يتوقف عند الحمل الشاق المتعب الذي يحرمها لذة النوم والطعام، وإنما يستمرّ معها طول العمر، فلا تستطيع أن تشعر بأي معانٍ للفرح إن شعرت بأن حزناً ما يمسّ أحد أبنائها، لأنها تُريد لهم دوماً أن يكونوا أفضل الناس.

الواجب تجاهها يحتاج إلى كثيرٍ من ردّ الوفاء، فما من أحدٍ أولى بالطاعة منها، وما من أحدٍ أولى بالرعاية والعناية أكثر منها، ولا شيء في الدنيا كلها يُعادل فرحة قلب الأم حين ترى أبناءها وهم ملتفين حولها ويجلسون إلى جانبها ولا يُفارقونها أو يُهملونها، فالإهمال وعدم الرعاية يقتل قلب الأم ويُورث الأبناء ذنب العقوق، لذلك جعل الله رضاه مرتبطاً برضاها.

مهما كانت الحياة كئيبة وصعبة ومملة، سيظلّ فيها أملٌ يتجدد في كل لحظة، بمجرد أن يلمح أحدنا ضحكة أمه في الصباح، أو حتى مجرد أن يسمع صوتها تُنادي عليه، فالأم أعظم النعم وأكثرها قرباً للقلب، والواجب يقتضي ردّ المعروف ولو بكلمة ليفرح قلبها دائماً.

إن من تصنع الرجال فهي الأم، ومن قامت بتربية أعظم النساء كانت أماً فاضلة، ولهذا فالأم مثال عظيم يوجد في حياتنا جميعاً، فدائماً الأم تعطي الكثير ولا يقدم لها سوى القليل، ولكن مع تطور المجتمعات، وظهور الكثير من الحالات التي توجد في الواقع ولكن قاموا بعرضها للمجتمع في صورة مسلسل تلفزيونيأ وفيلم يعرض صورة المجتمع بشكل درامي. ظهرت نماذج في المجتمع قامت بإحداث صدمة للجميع، فظهر أبناء يجتمعوا من أجل قتل الأم، وظهرت أبناء يقومون بضرب وإهانة الأم أمام كل العالم، وظهرت أبناء ضحوا بأمهاتهم بسبب زوجاتهم، وحالات أخرى كثيرة، فكيف يفعل هؤلاء الأشخاص هذا العذاب بدون تأنيب الضمير لأقرب شخص لديهم، فالأم التي تحملت المتاعب من أجل أن يصبحون في حياتها تهان بهذا الشكل بدلاً من أن نظل طوال حياتنا تحت أقدامها لكي يسهرون لراحتها.

 ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) صدق الله العظيم،  لقد أوصى الله تعالى على مكانة الأم، ووصف لنا المتاعب التي تراها في الحمل والرضاعة والتربية.

إن دور المرأة في المجتمع والحرية في الإسلام جعل الله عز وجل يبين من لا يطيع الأم بعد كل هذه المتاعب والوهن الذي تعيشه كأنه يشرك بربه والعياذ بالله، وتلك الآيات توضح مدى عاقبة العاق الذي يفتعل المشكلات من أجل أن يجعل الأم تشعر بالغضب والحزن، فإذا لم تكن الأم لها مكانة كبيرة فلم يقوم ربنا بوصايتنا بها، وبحمايتها وبطاعتها طوال العمر.

فالأبناء الصالحين هم الذين يشعرون بمدى أهمية وجود الأم في حياتهم، ويشعرون بالضيق بمجرد الشعور بفقدانها، فوجود الأم يحمي الأبناء من شتى المصائب التي قد يتعرضون لها في حياتهم، فالله يستجيب لدعاء الأم بإصلاح وهداية إبنائها وهدايتهم إلى الطريق السليم، فعندما يفقد الأبناء الأم وكأن الستار الذي كان موضوعاً فوق رأس الأبناء قد أزال وسيواجهون كل شيئاً في حياتهم بمفردهم وبسعيهم في الدنيا. يجازي الله على كل فعل نقدمه إلى الوالدين، فيوصينا الله بالقول الطيب وبمعاملة الأباء والأمهات وتقديم كافة إحتياجاتهم عند الكبر من معاملة و إحتياجات، وتعاون، لأن الأم عندما تكبر تشعر بالحاجة ولا تستطيع أن تطلبها من أبنائها إحراجاً منهم، لهذا يجب أن يقدم الأبناء كافة الإحتياجات لأمهاتهم بدون طلب منها.

لقد عظم الإسلام من قدر المرأة وخاصة الأم، وذكرت في كثير من الآيات في القرآن الكريم، وعن كيفية التعامل معها والتفاني في حبها، وأكد الله عز وجل على الطاعة بدون حساب وبدون مراجعة حديثها، ولهذا كان فضل الأم في الإسلام كبير، ففي الأيام التي إنتشر بها العبودية كان المرأة التي يوجد طفلاً في رحمها يتم عتقها من الرق، حتى تلد مولودها. ولهذا فكان رسولنا صلى الله عليه وسلم، عندما يرى شخصاً يقوم بدفع أمه أو حتى مهاجمتها بأي كلمة فيرده فوراً، ويعلمه كيف يتعامل الإبن مع أمه .

ولهذا فيوجد حديث شريف يتحدث عن أهمية الأم في حياتنا، ومكانتها في قلوبنا، فلقد ذكر رسولنا (ص)، الأم بهذا الشكل، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك، أي ثلاث مرات وثم يأتي فيما بعد الأب وهذا الحديث يثبت مدى أهمية الأم، فبالرغم من عطاء الأب وقدرته على إعطاء الكثير في سد الإحتياجات للمعيشة، وسد متطلبات أبنائه، إلا تظل الأم لها المعزة والحب الأكبر. وكذلك: فأول كلمة تنطق لنا عند دخولنا المنزل أين أمي، وإذا لم نجدها نجن جنوناً ونبدأ في أن نقوم بالسؤال عنها في كل مكان، فمجرد الشعور بأنها غابت يجعل حياتنا يتحول لونها للأسود الداكن الذي لا يوجد به ولو بصيص للنور.

وهذا ما جعل طاعة الأم فريضة في الإسلام ومن يفعل عكس ما تم وصايتنا به سوف يكون حسابه عسيراً، فنجد أن لا يقوم ولداً أو أبنة بأي شئ مهين لأمه إلا ويتم رده إليهما في موقف يتم عبر حياتهم، ويجعلهم الله يتذكرون ما قاموا بفعله تجاه الوالدين يوماً، فالمواقف تتكرر وكأن لم يفوت دقائق على الموقف ذاته. فأستوصوا بأهلكم وخاصة أمهاتكم لأن ما رأته في حياتها لكي تقوم بتربيتكم ليس سهلاً، ويجب مكافأتها بالمعاملة الصالحة لكي ترى تربيتها أنها بذلت مجهوداً لإنبات نبات حسن، وتربية دينية صالحة، فكلمة نعم يا أمي تكافئون عليها، ويعطيكم الله ثواباً عليها فما بالكم أن من يقدم فروض الطاعة للوالدين ويقوم ببرهم ماذا يكافئه الله في الدنيا وفي الأخرة أيضاً.

بكالوريوس اعلام / جامعة بغداد - العراق

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

بكالوريوس اعلام / جامعة بغداد - العراق