آفة فقدان الشعور.. الأسباب والعلاج

ابتلي العالم بمرض كورونا، هذا المرض الخطير، وصار حديث كل الأوساط، وفقدت البشرية إثر الإصابة به عددًا كبيرًا من الناس، منهم شخصيات وقمم في جميع المجالات.

وظلَّ العالم كله يلهث في البحث عن علاج له بلا جدوى، فأصبح جل آمال العلماء أن يجدوا اللقاح الذي يُكسب من يتناوله مناعةً تحول ضد إصابته به.

قد يهمك أيضًا

جوك لايف ستايل | بيت الرعب ..أكثر الألغاز غموضا في تاريخ ألمانيا

 

فقدان الشعور آفة مثل كورونا

ولكني لا أريد الحديث عن مرض كورونا؛ فالحديث عنه له مختصون به هم أعلم وأقدر مني، ومقالي هذا عن إصابة كثير من الناس به.

ولكني أقصد أمرًا نفسيًّا يماثل الأعراض المصاحبة لمرض كورونا، ولا يصيب الناس في جهازهم التنفسي، بل في مشاعرهم.

فمن أهم الأعراض التي يشعر بها المصاب بكورونا أنه يُصاب بفقد الشعور بنعمة التذوق لكافة الأطعمة، فلا مذاق يشعر به المصاب بالمرض، فلا حلو ولا مر، ولا طيب ولا حامض، فكل الأطعمة سواء.

فهذا الإحساس يشابه شعورًا نفسيًّا هو شعور البؤس في الحياة الذي تفقد بسببه معناها وجدواها، فما أصعب أن يُعدَم الإنسان إحساسه بكل شيء حوله.

وبالمثل قد يُصاب الإنسان في مشاعره وأحاسيسه بهذا البؤس، فيشعر دومًا بأنه لا جديد يُذكر ولا يُعاد، فكل الأمور سواء، القُبح مثل الجمال، والفرح لا يختلف عن الحزن، والبسمة لا تفعل في نفسه أثرًا مخالفًا للدمعة أو الألم.

فكل المشاعر تصير جامدة متحجرة فلا يتأثر بزيادة فيها ولا نقص.

ويظن بعض الناس في صاحبها أنه لا يبالي ولا يهتم، وأنه ليس له قلب يتأثر بشيء، فلا يفرح ولا يحزن.

ولكن على العكس تمامًا عند كثيرين بلغ بهم التأثر الشديد بكل الظروف حولهم فمثَّلت ضغطًا على مشاعرهم بصورة أثمرت قتل مشاعرهم تجاه الأحداث، فلا يبدون أي مظهر من مظاهر التأثر بها.  

وقديما عبَّر الشاعر أبو العلاء المعري عن مثل هذا الشعور ووصفه وصفًا دقيقًا فقال:

غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي ***  نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنُّمُ شادِ

وشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إذا قِيـ  *** ـسَ بِصَوْتِ البَشيرِ في كلِّ نادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنَّـ *** ـت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيَّادِ

فنتيجة لشعوره وإحساسه ما عاد يشعر بفرق بين نَوْح الباكي وترنُّم الشادي، بل وأصبح صوت الناعي يشبه عنده صوت البشير، وما عاد يفرِّق بين بكاء الحمامة وغنائها على غصنها المياد، ولا يهتم أن يفرق بينهما.

قد يهمك أيضًا كثرة التفكير والاكتئاب وجهان لعملة واحدة

الضغط العصبي هو السبب

إنه رد فعل لعدد غير قليل من الناس، بعد تعرض بعضهم لضغوط شديدة من مواقف مؤلمة متوالية، فتحدث له نتيجة للأحداث القاسية التي مرَّت به على المستوى الشخصي أو على المستوى الجماعي أن يفقد رغبته في كل شيء ويُصاب بحالة من اللامبالاة الشديدة التي لا تجعله مهتمًّا بأي شيء مما كان يهمه أو يشغله في سابق أيامه، ويتحول إلى شبح إنسان يعد أيامه في الحياة انتظارًا لمفارقتها.

ولا تصيب هذه الحالة البؤساء والمعدمين فحسب، بل تصيب أيضًا الناجحين والأغنياء، بل والمترفين أيضًا، برغم نجاح بعضهم  في الحياة.

وبرغم السعة المادية التي يحياها ولكنه قد يشعر أن الدنيا وقتها قد أظلمت عليه شيئًا فشيئًا، وأرخى ليل الحياة سدوله عليه، وأنه يفقد اهتمامه بها بل صار يَعُدُّ وجوده فيها عبئًا ثقيلًا على نفسه وينتظر أيضًا لحظة مفارقتها.

إنها حالة تعبِّر عن فقدان صاحبها للشغف في الحياة والاقتناع بعدم جدواها، وأنه أصبح أداة تتحرك بلا روح، وهي مرحلة تعبِّر بوضوح عن تمكُّن حالة الحزن من نفس صاحبها، وتقوقُع مشاعره داخل نفسه تدريجيًّا بعيدًا عن الناس.

فبرغم مخالطته لكثير منهم وادعائه البهجة بل والمبالغة في إظهار ملامح السعادة على وجهه، فالحزن يظلُّ متمكِّنًا من قلبه ولا يفارقه.

 ثم يبدأ في الانعزال بنفسه أكثر فأكثر ويبتعد عن أحبته إما ابتعادًا كليًّا أو ابتعادًا شعوريًّا، وتظل تتردد وتتطاحن في رأسه الأفكار السوداء ليشعر بأن رأسه تكاد تنفجر من النقاشات والصراعات الداخلية التي لا يعلم عنها أحد شيئًا.

قد يهمك أيضًا كيفية تأثير الإجهاد على حياتك

فقدان الشعور والاكتئاب

قد توصف هذه الحالة بالاكتئاب ولكنها درجة أقوى حدة من الاكتئاب لا تحمل أعراض الاكتئاب ولا يشعر بها من حوله.

فقد يمارس طقوس حياته العادية بكل انتظام، ولكن حالة فقدان الشغف تلازمه دومًا، ويظل مرددًا في مواقف كثيرة مفاهيم مثل "لا شيء يهم" فلا يشترك في نقاش مبديًا رأيه الإيجابي أو السلبي.

فلا يكلف نفسه الاعتراض على أفكار أو رؤى للآخرين معتبرًا نفسه منفصلًا عنهم تمامًا، ولا يشتهي طعامًا معينًا فكل ما يُقدَّم له لا يعترض عليه وقد يلبس ملابس لا تناسبه في مظهرها وهو غير منتبه.

إن صاحب هذه الحالة في أزمة كبيرة في كل شيء، فحتى العبادة قد يؤديها أداءً وظيفيًّا فاترًا دون إحساس بها أو اشتياق إليها وربما ينساها ويغفل عن أدائها دون شعور منه بأنه يرتكب فعلًا خاطئًا.

إنه فقد التذوق المشابه لأعراض كورونا، فقد لا يجد لذة في أي شيء كان يتلذذ به من قبل فلا شيء يحرك مشاعره.

ويحاول علماء النفس فهم هذه الحالة فيسمون هذا الكهف الذي يدخله صاحب هذه الحالة بـ "منطقة الراحة" أو "Comfort Zone"، وتسميتها منطقة الراحة ليست بناءً على تصور العلماء لها بل بناءً على الوهم المسيطر على صاحب الحالة.

ولكن العلماء على العكس تمامًا يعدُّونها الكارثة الحقيقية والمستنقع الساحق الذي لو دخله الإنسان دون انتباه مَن حوله فسوف يكون على أعتاب النهاية الأليمة.

فصاحب الحالة يعتقد أنه قد أراح ذهنه من التفكير في كل شيء، لا في جماله ولا في قبحه، لا في منفعته منه ولا مضرته عليه، وإنه في حالة استسلام كاملة كريشة في مهب الريح لا يملك ولا يريد أن يملك من أمره شيئًا.

قد يهمك أيضًا ما هو الضغط النفسي؟

الأمان الكاذب

إنها محطة شعور كاذب بالأمان يكذب فيها صاحبها على نفسه أولًا أنه قد صار بخير طالما أنه ابتعد عن الناس وعن صراعاتهم وأحاديثهم وسماع أصواتهم وهمهماتهم التي تشعره بالطنين المفزع والمؤلم في أذنه فيبتعد عنهم دون تفسير ليدخل كهفه الوهمي ليشعر بأمانه الزائف.

إنها ليست منطقة راحة بل هي مكان للتدمير أو الاحتراق الذاتي دون أن يشعر به أحد وخاصة إن بالغ في إظهار عكس ما يشعر به عن أقرب المقربين إليه.

فتجده يتآكل من داخله ليظل الجسد متحملًا لمدة ويحدث انهياره دفعة واحدة دون أن يعطي فرصة لمحبيه بتدارك الأزمة التي كان يحياها منفردًا.

وكحال مريض الكورونا يلزمه تدخل سريع لإنقاذه فيوضع على جهاز للتنفس الاصطناعي يضمن تدفقًا للأكسجين لجسمه قبل أن يفقد جسمه كل وظائفه وبالنهاية يفقد حياته كلها.

يحتاج صاحب هذه الحالة عينًا مُحبة واعية تتفهم ما يمر به فتتداخل معه وتحيطه بعنايتها وباهتمامها لتعيده للحياة مرة أخرى.

وعلى الرغم من مقاومته لأي تدخل في شئونه لأنه بوهمه الكاذب يظنُّ المحب له الذي يريد إنقاذه مقتحمًا عليه منطقة راحته.

فعلى صاحب العين المبصرة ألا ييأس من أولى المحاولات ويظل ملازمًا له بعنايته مهما قوبل منه بصدٍّ أو ادعاء منه بأنه لا يحتاج مساعدة، وربما تصدر منه ردود أفعال مؤذية، هو لا يقصدها؛ لأنه ليس في حالته الطبيعية وليس مقدِّرًا لحجم المشكلة التي يحياها.

فكم من إنسان في مثل حالته لا يعرف أحد ما يدور داخل نفسه من صراعات ولا يدري به أحد إلا بعد فوات الأوان.

والصورة المرفقة لمغني فرقة الروك الأميركية "لينكن بارك" تشستر بنينغتون الذي انتحر وعمره 41 عامًا، والصورة قبل أربعة أيام فقط من انتحاره، فهل كان أحد يدري بما يدور في نفسه من صراعات وتظاهر بضدها.

قد يهمك أيضًا

-تفاءل.. البكاء يطيل العمر

-ما هي الحقائق العشر الأكثر جنونًا التي تعرفها في علم النفس؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مارس 15, 2023, 10:37 م

بالفعل هذا ما يحدث مقال ممتاز

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مارس 16, 2023, 5:29 ص

أحسنت الكتابه 👍

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب