يوهان جوته: البرجوازي أديب ألمانيا العظيم وأبرز أعماله

يوهان فولفغانغ جوته هو أحد أعظم أدباء ألمانيا، جمع بين الأدب والفكر والبحث العلمي، وحقق شهرة أوروبية واسعة بعد رواية «آلام فيرتر». ورغم دراسته للقانون وتوليه مناصب سياسية وإدارية مهمة في فايمار، ظل إنتاجه الأدبي غزيرًا ومتنوعًا، فكتب نحو 3000 قصيدة وعشرات الأعمال الدرامية والروائية التي جعلته من أبرز رموز الأدب العالمي.

يعد يوهان فولفانج جوته إحدى أشهر الشخصيات الألمانية في العصر الحديث، وإحدى الشخصيات الأدبية المرموقة القليلة التي خرجت من الطبقة البرجوازية في عصر النهضة، بالإضافة إلى مكانته الكبيرة التي جعلت كبار الفلاسفة الألمان يستلهمون أفكاره ويستشهدون بأعماله؛ وهو الأمر الذي تعدى ألمانيا إلى أوروبا والعالم، حيث وُضع اسم جوته بجوار ويليام شكسبير وجون ميلتون ودانتي وفيكتور هوجو وغيرهم من علامات الأدب الأوروبي والعالمي.

في هذا المقال نصحبك في جولة استثنائية في حياة يوهان جوته؛ لنتعرف على أهم المحطات الشخصية والإبداعية التي مرَّ بها، بالإضافة إلى العديد من الأسرار والحقائق المدهشة عن كنز ألمانيا الكبير وأديبها العظيم من خلال السطور التالية.

المولد والنشأة

وُلد يوهان جوته يوم 28 أغسطس عام 1749 في مدينة فرانكفورت الألمانية لعائلة ثرية تنتمي إلى الطبقة البرجوازية، فقد حقق جده ثروة كبيرة من تجارة النبيذ، واشترى على إثرها كثيرًا من العقارات؛ ما منح يوهان جوته حياة مريحة، استطاع من خلالها أن يحظى بتعليم مميز وقدرة على تحصيل العلم والثقافة، فحصل على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة لايبزيغ الألمانية.

تعلَّم يوهان جوته في المنزل رفقة أخته، حيث كلف والده ثمانية مدرسين خاصين للعمل على تعليم أبنائه اللغات اليونانية والعبرية واللاتينية والإنجليزية والإيطالية والفرنسية، بالإضافة إلى الرسم والعلوم والدين والعزف على البيانو وفنون المبارزة والخيل والرقص.

في سن صغيرة، تعرَّف يوهان غوته على الأدب في صور عدة، فقرأ المسرحيات والقصص والحكايات الخيالية، وبدأ في كتابتها منذ الطفولة. كما كانت مكتبة والده تحتوي على أكثر من 2000 مجلد، ما منحه القدرة على الاطلاع على الآداب المختلفة، فظهرت موهبته بسرعة، بالإضافة إلى كونه طفلًا نشيطًا وعنيدًا.

محطات مهمة في حياة يوهان جوته

في عام 1771 حصل يوهان جوته على شهادة في القانون، وافتتح مكتبًا للمحاماة في مدينة فرانكفورت. ورغم أنه لم يكن يهتم كثيرًا بممارسة مهنة المحاماة أو الاشتغال بالقانون، فإن والده كان يعد تلك الخطوة مهمة على طريق تولي المناصب العليا في البلاد، وهو ما جعل جوته يدير المكتب لأربع سنوات دون حماس.

وفي ذلك الوقت وقبله في مدة الدراسة كان غوته مهتمًا كثيرًا بالكتابة، واستطاع أن ينشر عددًا من القصائد والمسرحيات، وكانت المحطة المهمة عند انتهائه من كتابة قصة (صاحب القبضة الحديدية) ونشرها عام 1973، التي خالف فيها غوته كل الأعراف والقواعد الدرامية التقليدية.

وفي عام 1774 كتب جوته رواية (آلام فيرتر) التي أكسبته شهرة كبيرة، ليس فقط في ألمانيا وإنما في جميع أنحاء أوروبا، وأصبح اسم يوهان جوته يتردد في كل مكان، حتى إنها تُرجمت إلى لغات عدة في مدة قصيرة.

وبعد ذلك توالت الأعمال المهمة ليوهان جوته، رغم اعتراض أبيه وتوبيخه، فلم يكن الفتى يعمل على خطة التقدم المهني التي وضعها والده، وكان مهتمًا بالكتابة وحضور الفعاليات الأدبية والحفلات والمسرحيات.

يوهان جوته و10 سنوات في فايمار

في عام 1775 انتقل يوهان جوته إلى منطقة فايمار التابعة لولاية ساكسونيا، وهي منطقة هادئة لا يتجاوز عدد سكانها 6000 نسمة، إلا إنها كانت ذات أهمية كبيرة، وقد تطورت على المستوى الثقافي والعلمي. وفي مدة بسيطة استطاع يوهان جوته أن يصبح صديقًا مقربًا من دوق المدينة، الذي حاول إبقاء جوته بقربه بكل الطرق، حتى إنه قدَّم له منزلًا صيفيًا، واقترح عليه أن يشارك في إدارة الدولة، وهو الأمر الذي قبله جوته في الأخير.

ومع الوقت اكتسب يوهان جوته أهمية كبيرة، فقد أصبح مستشارًا قانونيًا وعضوًا في المجلس الخاص، وأصبح يتقاضى راتبًا سنويًا كبيرًا. وهذه الأمور جعلته يتوقف قليلًا عن النشاط الأدبي؛ فقد شغلته مسؤولياته كثيرًا، مثل العمل على تجديد مناجم التعدين، ورئاسة لجان بناء الطرق، وإعادة هيكلة ميزانية الدولة، وهي الأمور التي حقق فيها يوهان جوته نجاحًا ملحوظًا.

ولم يكن يوهان جوته قد أكمل 33 من عمره وهو في قمة نجاحه الإداري والسياسي في دوقية فايمار، وعلى مستوى صداقته للدوق أيضًا، حتى إن بعضهم وصفه بخادم الأمير وشاعر الطاغية، رغم أنه كان يعمل دائمًا على تحرير الفقراء والفلاحين من عبء الضرائب الخانقة.

وفي عام 1876 عرض أحد الناشرين على يوهان جوته أن ينشر أعماله الكاملة، وهو ما جعله يفكر في المدة التي قضاها دون أن يكتب أو ينشر، وبالتالي بدأ ينظر إلى نفسه مرة أخرى ويتساءل: هل هو أديب، أم رجل دولة، أم هو شخصية مزدوجة؟ وهي الفكرة التي طرحها بعد ذلك في مسرحية (توركواتو تاسو)، وبدأ يفكر في مغادرة الدوقية والعودة إلى حياة الأدب والثقافة.

وبالفعل غادر يوهان جوته البلاد سرًا، وسافر إلى إيطاليا في رحلة يمكن أن نطلق عليها رحلة نقاهة أو رحلة تعليمية، ولم يخبر أحدًا، وترك رسالة للدوق يطلب منه إجازة، فقد كان مترددًا في ترك منصبه حتى يفكر قليلًا.

وفي عام 1787 وصل جوته إلى مدينة روما، وتنقل بين مدن إيطالية عدة على مدار عدة أشهر، قبل أن يعود عام 1788 إلى دوقية فايمار. وكان في رحلته إلى إيطاليا قد التقى بكثير من الرسميين والكُتَّاب الكبار، وخاض نقاشات عدة حول الفن ومفهوم الكلاسيكية والاقتداء التعليمي بالجمال، وتعرف على فنون العمارة، وشاهد كثيرًا من الأعمال الفنية التي تنتمي إلى عصر النهضة، ومارس الرسم بشغف كبير، وكتب كثيرًا من القصائد، وأكمل الأعمال التي توقف عنها في أثناء وجوده في فايمار.

سنوات أخرى في فايمار

 بعد عودة يوهان جوته إلى دوقية فايمار، أعفاه الدوق من أعمال ومهام رسمية كثيرة، إلا إنه ظل عضوًا في مجلس الدوقية. ثم تولى وزارة بلا حقيبة، وأصبح له مهام علمية وثقافية كثيرة، ومنها إدارة مسرح البلاط، وأشرف على الجامعة؛ فقد كان له رغبة كبيرة في توسيع كلية العلوم.

وفي عيد ميلاده الأربعين صدرت 8 مجلدات تحمل الأعمال الكاملة ليوهان جوته. ثم سافر مرة أخرى إلى إيطاليا عام 1790، وأمضى هناك عدة أشهر، وكتب مجموعة من القصائد الساخرة بعنوان (حكم من البندقية).

وفي عام 1789 تفاعل يوهان جوته كثيرًا مع الثورة الفرنسية التي كان لها تأثير كبير على نظام الحكم في أوروبا، وعلى الأدباء والمثقفين والكتّاب. فكان معارضًا للثورة في البداية، بينما كان يميل إلى الإصلاحات التدريجية، وأعلن في كثير من أعماله عن رفضه للتجاوزات العنيفة. ورغم أنه كان متعاطفًا مع الطبقات الدنيا، فإنه كان يكره الثورات.

كان جوته مهتمًا بالقيام بأبحاث طبيعية حول النبات، ونشر عدة دراسات عن تحولات النباتات، وحاول مرارًا الجمع بين الشعر والبحث الطبيعي.

شيلر ونابليون وبيتهوفن

هذه الأسماء الثلاثة مثلت نقاطًا ومحطاتٍ مهمةً في حياة يوهان جوته. ففي عام 1788، التقى لأول مرة بالشاعر والكاتب المسرحي والفيلسوف الألماني يوهان فون شيلر. ومرت علاقتهما بالعديد من التقلبات المتناقضة حتى وصلا إلى مرحلة من الاتفاق والحب والارتباط، ونشرا سويًا مجموعةً مشتركةً من القصائد بعنوان (هدايا المائدة)، ثم مجموعةً قصصيةً حققت نجاحًا كبيرًا وشهرةً واسعةً. وبالتالي، كانت وفاة شيلر المفاجئة عام 1805 ضربةً قويةً لجوته.

وبالنسبة لنابليون، فقد كان جوته معجبًا به جدًا، وكان ينظر إليه باعتباره أحد الأشخاص أصحاب الإنتاجية العالية، والتقى به مرتين، وعبر فيهما عن تقديره لنابليون. وكذلك قال نابليون إنه قارئ لأعمال جوته، وخاصة رواية (آلام فيرتر). وعندما توفي نابليون عام 1821، حزن جوته كثيرًا، وترجم قصيدة إيطالية في رثاء نابليون إلى اللغة الألمانية للتعبير عن حبه وتقديره للقائد الفرنسي.

ثم كانت علاقة غوته بالموسيقى الأشهر بيتهوفن، والتي بدأت عام 1812. وقبلها كان بيتهوفن قد لحَّن عدة أعمال وقصائد ليوهان غوته. ثم توالت اللقاءات بينهما بعد ذلك وتبادلا سويًا الرسائل التي تدل على الاحترام والتقدير بينهما، إلا إن كلًا منهما كان يرى الآخر جامحًا بطريقة ما.

أيام يوهان جوته الأخيرة

في عام 1816، تُوفيت زوجة يوهان جوته كريستينا. ومن بعدها، أصبح الأديب الكبير يميل إلى العزلة ويبتعد عن الناس. وتم إعفاؤه من إدارة مسرح البلاط عام 1817، وتفرغ لتنظيم أعماله ومخطوطاته. وشهدت تلك المدة كثيرًا من الأعمال الجديدة، حتى تعرض لوعكة صحية عام 1823.

وبعد الوعكة لم يكن الوضع الصحي ليوهان جوته يسمح له بأن يكتب بنفسه أو أن يتعامل مع الرسائل الكثيفة التي تأتي إليه وتتطلب الرد عليها، فاستعان بشاعر شاب لمساعدته هو (يوهان بيتر أكرمان)، الذي كان مخلصًا له، وقائمًا على خدمته، ووصيًا على نشر أعماله حتى وفاته.

وفي يوم 22 مارس عام 1832، أُصيب يوهان جوته بنوبة قلبية تُوفي على إثرها ودُفن في السرداب الأميري في دوقية فايمار.

أعمال يوهان جوته

يصعب حصر أعمال يوهان غوته؛ فقد كان إنتاجه غزيرًا ومتنوعًا، وكتب كثيرًا من الأعمال الفنية والرسائل، بالإضافة إلى الرسومات والترجمات، ونُشرت كثير من الأعمال بعد موته. ولعل أهم أعماله ما يلي:

في مجال الشعر، كتب يوهان جوته نحو 3000 قصيدة ظهرت في دواوين مختلفة مثل المرثيات الرومانية والسوناتات والديوان الغربي الشرقي وثلاثية العشق، بالإضافة إلى كثير من القصائد التي ظهرت منفردة.

في مجال الروايات، كانت روايته (آلام فيرتر) أحد أعظم الروايات في تاريخ الأدب الألماني والأوروبي، وكانت رواية (فيلهلم مايستر) حدثًا تاريخيًا في الرواية الرومانسية، وعُدَّت رواية تربوية في اللغة الألمانية، بالإضافة إلى رواية (التجاذب الاختياري) التي وصفها جوته بأنها أفضل ما كتبه في حياته.

وفي مجال الدراما، كتب يوهان جوته أكثر من 20 عملًا دراميًا حققت نجاحًا كبيرًا وتأثيرًا هائلًا، مثل جوتس فون وستيلَّا وتوروكاتو تاسو، وهي أعمال مزجت بين كثير من الأشكال المسرحية مثل الكوميديا والسخرية والدراما والمأساة، وأصبحت بعد ذلك من علامات الأدب الدرامي الألماني.

وكتب يوهان جوته أيضًا في الفن والأدب والعمارة، وكتب كثيرًا من المقالات التي تناولت الأعمال النظرية في الأدب والفن، بالإضافة إلى ترجمة السيرة الذاتية لفنان عصر النهضة الإيطالي بنفينوتو تشيلني، وحرر أيضًا كتابًا بعنوان رسائل ومقالات، تحدث فيها عن أفكاره حول الأدب العالمي.

من ناحية أخرى، فقد مارس يوهان جوته الرسم على مدار حياته، واستخدم كثيرًا من التقنيات مثل الحبر الملون والفحم والرصاص والطباشير، وكان مغرمًا برسم الوجوه والمناظر الطبيعية. ونتجت عن هذه الممارسة مئات اللوحات والرسومات، منها ما هو مكتمل تمامًا وبعضها ما زال على وضع النقوش المبكرة.

اقتباسات يوهان جوته

  • «إن أسعد الناس أولئك الذين هم كالأطفال، يذهلون عن الماضي، ويغفلون عن المستقبل، ولا يفكرون إلا في الحاضر».
  • «سوء الفهم والإهمال ينجم عنهما من المساوئ والأضرار أكثر مما ينجم عادة عن سوء النية والرغبة في الشر والالتواء».
  • «ما حزنت نفسي لشيء حزنها لأولئك الذين لا ينفكون متألمين مكتئبين، ولا سيما إذا كانوا في ربيع العمر ومقتبل الشبيبة، حين تكون صدورهم مشروحة وقلوبهم مفتوحة لمسرات الحياة وملذات العيش، ويكدرون صفو أيامهم الجميلة القليلة بانقباض النفس وتقطيب الوجه، ثم يدركون بعد أن قُضي الأمر أنهم فرطوا في خير لن يرجع، وبذَّروا في ثروة لن تعود».
  • «وا أسفاه عندما نبلغ مقصودنا، ويتحول ما كان بعيدًا هناك إلى ما هو حاضر هنا، وإذ بكل شيء قد تغير، وإذ بأرواحنا لهفانة متعطشة لم تزل إلى السعادة التي لا تنال».
  • «إذا لم تكن العين مشرقة، فكيف لنا أن ندرك النور؟ إذا كانت قوة الله لا تعيش فينا، فكيف يمكننا أن نبتهج بالأشياء الإلهية؟».
  • «إننا ميالون للشكوى والتذمر، إن أيام سعادتنا قليلة، وأيام تعاستنا كثيرة، فلو أن قلوبنا كانت متأهبة باستمرار لتلقي النعم التي تنعطف بها السماء علينا، لتسنَّى لنا أن نكتسب القوة الكفيلة بتحمل الشرور والبلايا عندما يأتي أوانها».

في الختام، كان يوهان غوته ظاهرة فكرية وثقافية استثنائية تجاوزت حدود الزمان والمكان. من قلب الطبقة البرجوازية، استطاع أن يعيد صياغة هوية الأدب الألماني والكوني، تاركًا خلفه إرثًا هائلًا يجمع بين عبقرية الشعر، وعمق الرواية، وحكمة السياسة، وشغف الفنون والعلوم الطبيعية، واليوم، بعد مرور قرون على رحيله، ما زالت كلمات جوته وأفكاره تنبض بالحياة، وتُلهم العقول، وتؤكد أنه سيبقى دائمًا الكنز الذي لا يفنى لألمانيا والعالم أجمع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة