يوميات شخص يفكر كثيراً

ما قبل كانون: السبت المكتظة

الطريقة التي أنظر بها إلى العالم، العالم.. أتذكر هذه الكلمة، هذا اللفظ يعني كل ما أبغضه بالضرورة، مع أنه لا يشير حرفياً إلى العالم بما يعني أنه ليس قصده الأول، إلا أنه ليس ذنبي كونه لا يوجد شيء في هذا العالم ولا أبغضه.

- حسناً، ماذا أحب؟

- لا شيء.

- هل أحب نفسي؟

- هذه الوحيدة التي وددت لو أحبها.

- هل أكرهها بالضرورة؟

- لا، لا أظن ذلك، لا أعتقد أن بإمكاني أن أكره شيئاً ما، شخصاً ما، لا أظن أنني قادرٌ على ذلك.

هنالك شيء آخر، أنا أحب الكتابة، والشعر، وقراءة الشعر وتلاوته على ملأ من الفراغ، أحب أن أفعل كل شيء وحدي، حقيقة أنا أجيد الحب، أحب جداً الأشياء التي أفعلها وحدي، ربما باستطاعتي أن أدرك أنني أحب أشياء كثيرة بما يعني أنني لدي طرقي المختلفة فقط لا غير، وأن ذلك لا يعني تصنيفي كشخص يعادي العالم، حتى إنني لا أكترث إذا ما كان يعاديني أو لا.

- "ماذا حدث؟"

أحياناً، أحياناً لو كان لي أن أستخدم كلمة "جذب" حين تكون مثلما أنا ستقضي الكثير من الوقت في التفكير في ما وراء الأشياء، المسارات التي تعمل فيها حقائق العالم، عادة ما تكتشف زيف حقيقتها، يحدث ذلك كثيراً.

الأمر لا يتعلق بكشف السر مثلاً، ربما فقط أنك غبي لإدراكك الأمر متأخراً، وربما قد سبقك كل الناس إلى ذلك، كل هذه الاحتمالات تظل قائمة بقوة، إلى أن يفندها شيء أقوى.

حتى الآن لا يوجد أقوى منها، إلا أن ما حدث يختلف كثيراً عن كل شيء، ما حدث مسار مختلف لم أدرك كنهه قبلاً، وكأني في رحلة بحثي عن اللا شيء، وفي كل شيء وجدت طريقي إلى الموت المريح، رغم أن قلق المعرفة سيظل يعذبني حتى أعرف كيف وصلت إلى هذا المسار، أو كيف وصل هو إلي؟ حسناً؛ ما الذي حدث؟

اللحظة الأولى:

يعود بي الزمان إلى الألف الأولى، الإنسان الخارج من تجرده تواً، الذي اكتشف الأرض لأول مرة، حام فيها حتى أصابه التعب، ودميت قدماه قبلها، بداية رحلته لاكتشاف المجهول، ما الذي قد يفكر فيه في اللحظة التي فتح فيها عينيه قبل أن يدرك أن باستطاعته أن يحرك جزءاً من جسمه سوى رمشه هذا؟

أقتنص تلك اللحظة، وأروح أمزجها بالفراغ الذي أنا فيه، ذلك الفراغ المجازي المملؤ بكل ما حدث منذ أول الوجود حتى لحظتي هذه، الفراغ الممتد بتكهنات المستقبل وقلق الحاضر، أخرج من ذاتي لبرهة وأقف قليلاً خارج نفسي وأتأملها ملياً، تكتظ.. تتلون.. تهتز... يمر الكثير ولا تهدأ.

هل أنا أنثى أم ذكر؟ وحين لم أجد إجابة لما أطرحه على نفسي، أعود راجعاً للبسي مرة أخرى، وأزيد من اكتظاظي بزحمةٍ سببها وجودي الثقيل.

- يا إلهي..

أعود خارجاً، هل أنا بشري؟ لا شيء، أعاود الولوج، هل أنا الشيء اللا معلوم؟ ربما كذلك، الآن انسحبت من اكتظاظاتي بكل ما يتعلق بإنسانيتي ونوعها البيولوجي، وما زالت مكتظاً.

تركت ذاتي جانباً ورحت أفكر في هذا المكان الذي أنا فيه، أين الحقيقة؟ حسناً يختلفون، الناس أو جيراني في الحياة، أياً كان اسمهم، يختلفون حول كل شيء، حتى هذه البقعة التي هم فيها الأرض، هناك من يقول إنها كروية أو بيضاوية، وهناك من يقول: لا، الأرض مسطحة.

 بربكم، وكيف تكون الأرض غير مسطحة؟ ولماذا لا نسقط لو كانت كذلك؟ يصيح أحدهم وهو راكب على شجر تفاح.

- انظر يا هذا، انظر هذه التفاحة التي سوف أسقطها من فوق، ستسقط ولن تتعلق في الهواء وهذا ما يؤكد أن هنالك جاذبية.

- تريد أن تقول لهذا السبب نحن لا نقع؟

- أجل، نيوتن من قال ذلك، وليس أنا فقط.. الكل يقول ذلك، لماذا تصر أنت على أن الأرض ليست كروية؟

- حسناً، سأقول لك شيئاً، وستقتنع بعدها أن نيوتن كان من الأفضل له لو أكل التفاحة..

يضحك الرجل الراكب فوق الشجر..

- هههه، ماذا تقول؟ يأكل التفاحة، هههه أنت تمزح، أقول لك إن التفاحة وقعت ولم تتعلق في الهواء.

- بالضبط، وهذا ما أريد أن أقوله لك، إذا كانت التفاحة وقعت ولم تتعلق في الهواء، نحن في البداية لم نسقط من فوق، لذلك لم نتعلق في الهواء، نحن نسير على الأرض، نلتصق بها، كما أننا الآن في هذا الحاضر نستطيع الطيران، ونستطيع أيضاً أن نتعلق في الهواء.

حسناً، يختلفون أيضاً حول أشياء كثيرة، مثلاً من هم سكان الأرض، ومن هم الفضائيون؟ وهل وكالة ناسا تخفي سر الفضائيين؟ ما يهمني أنا في اختلافاتهم تلك هي "من أنا؟"، هذا السؤال الثقيل والذي قضيت سنوات من عمري في محاولة الإجابة عنه، لا يهمني إذا ما كنا فضائيين أم أرضيين، زواحف أم قطط متلبسة، كما لا تهمني حقيقة هذه الأرض، هل هي كروية، أم مسطحة، مربعة أو حتى مفلطحة أو بنتوءات؟ من أنا؟ ولماذا أحب الاقتراب من الأشجار، ولم حين أكون فوق الشجر -مثل ذلك المدافع عن نيوتن- لم أكون سعيداً؟ بل القدر الأكبر من السعادة أجده حين يمر بقربي حيوان أو طائر صغير.

ولماذا أحدق في القمر دائماً، ولم أحس بالصداع كل ما فكرت فقط بما أنتجه العالم من أنماط ثقافية وأنماط عيش؟ أجل فأنا أقضي الكثير من الوقت أفكر في الجبال، والعصافير، ورغم ذلك لا صداع، وحتى لو فكرت في أسود تتصارع فلن أصاب بالصداع.

أحاول أن أعيش، لذا أكتب

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

أحاول أن أعيش، لذا أكتب