يوميات امرأة فهمت متأخراً - الصفحة الرابعة

توضيح

قبل أن ابدأ في كتابة الفصل الأكثر قسوة في حياتي، دعوني في البداية أرد على ملاحظة جاءتني تعليقاً على صفحة اليوميات الثالثة، والتي تتعارض مع فكرتي أن الحب في سنوات الجامعة ليس فشلاً، لأن هناك الكثيرين ممن وقعوا في الحب خلال هذه المرحلة وكان حب حياتهم الصادق والذي كلل في نهاية الأمر بزواج سعيد وبيت دافئ. 

وأنا هنا لست في موضع تقييم أو حكم على تجربة أحد، وليس لأحد على هذا الكوكب الحق في الحكم على تجارب الأشخاص، فلكل منا قصته الخاصة وتجاربه وأحلامه التي يسعى لتحقيقها وترضيه، فقد يكون حلمك بيتًا تؤسسه أو أمومة أو مشروع تجاري، أو حتى التمتع بالحياة كما هي دون تفكير أو خطط أو أحلام.

وإنما أحكي قصتي لأشخاص قد يحملون نفس معتقداتي فتساعدهم في مشوار حياتهم ليس أكثر، وقد تقرأها كأنها قصة خيالية لم تحدث يومًا وتكتفي بمتعة القراءة وهذا من حقك.

أما عن الحب، فلا يمكن أن نقيمه بعقلانية إلا بعد تخطي مرحلة المراهقة وانفجار الهرمونات التي تجعلنا هي تلك المرحلة على استعداد لتجربة مشاعر الحب والغيرة والاشتياق لأي شخص من الجنس الآخر حتى لو كان مدرس بشعر أشيب أو حتى مطرب يسمعنا كلمات عشق ليست لنا.

ولا يمكن أن نسمي العلاقة الناتجة عن الوحدة والانكسار حُبًّا وهي حالة تصيب أغلب المرضى النفسيين تجاه طبيبهم المعالج.

وإن كنا نريد أن نصل إلى حب حقيقي وخالص، فيجب أن يكون هذا الشعور نابعًا من مصدر قوة واكتفاء وعقلانية لا تكتسب -من وجهة نظري- إلا ببلوغ سن الثلاثين على الأقل.

سنوات الضياع

أما عن سنوات الضياع فبدأت فور تخرجي من الجامعة لأحمل شهادتي سعيدةً باقتراب موعد تحقيق الحلم الأكبر بالزواج من عمرو، الذي سارع بأخذ دورات تدريبية تؤهله للعمل سريعًا، بينما بحثت كالمجنونة على أي عمل يساعدني في تجهيز نفسي بمتطلبات فرش عش الزوجية، وجاءت هذه الفرصة في حضانة للأطفال، عمل لم أحبه يوماً ولكنني التزمت فيه لمدة عام كامل، أجمع راتبي مع مصروف أهلي الذي لم ينقطع وأركض كل أول شهر لأشتري خلاطاً أو مكواة، وفي نهاية هذه السنة كنت قد اشتريت أغلب ما على العروس شراءه، بينما كان عمرو لا يزال عاطلاً ينتظر الفرصة وأنا أنتظره حتى تحولت مكالماتنا إلى شجار دائم  لاينتهي وأصبح يتهرب من لقائي خشية سؤال لم أكف يومًا عن طرحه كلما التقينا: متى ستأتي لخطبتي؟

حتى جاء اليوم الذي انفجر فيه ليقول كلامًا لم أنسه يومًا: ماذا تريدين مني، لم على أن أركض في هذه الحياة حتى أتزوجك وأدور في ساقية العمل والمسؤولية في هذا السن الصغير، أنا لا أريد هذا الآن، وربما لا أريده أبدًا، أنا لا أعرف ماذا أريد ويجب عليّ أن أفكر، وأنت فكري ولك مطلق الحرية في أن تختاري الاستمرار معي دون تخطيط لأي شيء أو أن تتركيني.

كانت يدي ترتجف وأنا ممسكة بسماعة الهاتف التي اهتزت بدورها تلطم وجهي بلا توقف ودموعي تمسك صوتي مقسمة ألا تتركه ليهين نفسه برجاء أو قرار خاطئ أو حتى سباب يرد لي أي اعتبار. 

مرت دقيقة صمت بيننا ينتظر فيها عمرو رَدًّا، وكان ردي أن أغلقت الخط وأغلقت معه صفحة هذا الرجل من حياتي إلى الأبد.

اليوم أنا لا ألومه أو أحمل له في قلبي أي ضغينة، فقد كان صغيرًا وكنت كذلك، كما أنه أصاب في كل ما قاله، ليس عليه أن يهلك نفسه في دوامة حياة لم يخترها، كان عليه أن يعرف جيدًا من هو وإلى أين يسير.

عام الضباب

وبعد ضياع حلمي الثاني، وبعد إضاعة عام من عمري في عمل لا أحبه، دخلت في نوبة اكتئاب لازمتني عام آخر بين لوم من أهلي على سوء اختياري وبين يأس من الزواج الذي أصبح بعيدًا جِدًّا بتركي عمرو، فتركت عملي في روضة الأطفال واستسلمت ليأسي مستمتعة بحياة الوطاويط التي اخترتها لنفسي، أسهر طوال الليل أحرق ليالي في مشاهدة التلفاز وألعاب الفيديو، أستيقظ بعد غروب الشمس وأنام فور شروقها، أشاهدني أغرق ولا أبادر بالسباحة أو حتى الاستغاثة بعاقل ينجدني.

وفي يوم من الأيام فوت ساعة نومي الصباحية، وبدافع الملل لا أكثر ولا أقل كتبت سيرتي الذاتية وانطلقت أوزعها في كل الأماكن التي تطلب موظفين، وأعني بكل الأماكن، كل الأماكن عيادات، مستشفيات، محال تجارية، مدارس، مكاتب محاماة، مراكز تدريب، لم أترك شبرًا في بلدتي لم أقدم فيه طلبًا للعمل، وعدت إلى المنزل في المساء، ألقيت بجسدي على السرير ومت لأيام وكانت هذه المرة الأولى منذ سنة التي أنام فيها ليلاً،

قبل أن أستيقظ على صوت أمي تناديني: إصحي لديك مقابلة عمل غدًا

مقابلة غيرت حياتي، ولو عاد بي الزمن لن أذهب إلى هذه المقابلة أبدًا

يتبع. . . . . . .

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر