يوميات امرأة فهمت متأخراً ( الصفحة الخامسة)

لا تقدم أبداً أبداً ونهائياً على إتخاذ أي قرار بدافع الملل أو في لحظة تشويش أو إنكسار، فهناك قرارات تتخذها في حياتك يكون ثمنها حياتك نفسها. 

إستيقظت باكراً ووصلت مقر الشركة لأجري مقابلة شخصية لم أخطط لها ولم تشغلني من الأساس، وأثناء إنتظاري لدوري، لاحظت ما إستفزني حقاً، كانت الشركة أقرب للخرابة، الموظفات في حالة لا مبالاة غريبة،  يأكلن ويضحكن أمام الجميع، ويعاملن العملاء بقلة إهتمام تصل لحد قلة التهذيب، دفعت الكثير منهم إلى مغادرة المكان حتى قبل الإستفسار عن خدمات الشركة.

جاء دوري ودخلت مكتباً بسيطاً يجلس فيه شاب لا يتعدى ال25 سنة، يتحدث في موبايل أحدث موديل، لم يلحظ وجودي في البداية وكانت فرصتي الذهبية ألقيمه قبل أن يمطرني بأسئلة المقابلات الشخصية المكررة والسخيفة، نشغل بالحديث مع بعض موظفيه ثم أرسل أحدهم لإحضار غرض له من سيارته.

فكرت: أممم، إذن هو شاب صغير ، يمتلك شركة وسيارة ، بداية مبشرة.

بداية  شريرة مبشرة 

لم يسألني أسئلة تقليدية، ولأكون أكثر دقة لم يسألني أصلاً، توقف قليلاً وهو يطالع سيرتي الذاتية عند تدريبي في صحيفة كبرى خلال دراستي الجامعية، وعرض على راتب زهيد وساعات عمل تزيد عن عملي السابق، يبدو أنه كان يريد موظفة تشبه من في قاعة الإستقبال تعمل بربع طاقة وربع إهتمام وبالتالي ربع راتب.

أخذني في جولة بأقسام الشركة، عرفني على زميلاتي اللاتي لم يسعدن بوجودي،  وعزمت في نفسي أن أسرحن جميعاً في أقرب فرصة من هذا العمل الذي لا يستحقينه. 

إلتفت منصرفاً قبل أن ألحقه وأقول: شركتك خربة 

وموظفينك يسرقونك،  والراتب الذي حددته لي لا يليق بي، هم بالرد  قبل أن أستطرد : أريدك أن تخصص لي مكتباً بمفردي، وفي خلال شهر واحد سأثبت لك أنك تُسرق وسترى كيف ستصبح هذه الشركة ، ربما بعدها نتكلم في الراتب الذي أستحق.  

حلم جديد 

مر إسبوع وأنا أجاهد في عملي الجديد الشاق الذي كنت أتعلمه وأصلحه في نفس الوقت، ورغم الإرهاق كنت مستمتعة، ما أجمل أن تملك هدفاً تستيقظ لأجله كل صباح!! 

في بداية الإسبوع الثاني تلقيت مكالمة من الأستاذ أحمد صاحب الشركة يشكرني فيها على نشاطي الملاحظ من الجميع، عملاء وموظفين. 

وهكذا أصبحت أمتلك رقمه الشخصي، أكلمه كل يوم لأبلغه بتطورات العمل ويتصل بي أحياناً ليتابع إيرادات الشركة اليومية، وبمرور أول شهر حصلت على راتب جيد وتخلصت من أربع موظفات ما بين سارقة ومهملة، أبقينا  فقط على واحدة كانت أقلهن إستهتاراً.

ليست صدفة واحدة، أظنه قدر 

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة صباحاً حين إستيقظت على مكالمة من  أ.أحمد، كان صوته حزين ويائس، سأل عن الشركة وعن حالي في إنتظار أن أسأله بدوري عن سر الحزن في صوته، وما كدت أفعل حتى أخذ يحكي عن ألمه بسبب فسخ خطبته من حبيبته التي تعرف عليها في الجامعة وكيف أنه جاهد ليثبت ذاته ويخطبها فتركته وبعد كل هذا لإنشغاله الدائم عنها بالعمل.

إستمعت له وواسيته وتحدثنا كثيراً حتى أضاءت الشمس غرفتي، إنها السابعة صباحاً، لقد تحدثنا لسبع ساعات متواصلة!! لم نشعر بالوقت ، إعتذر مني وأغلق الخط بعد أن منحني اليوم إجازة، فلا يمكن أن أذهب إلى العمل بدون نوم.

فكرت في هذه الصدفة الغريبة، كلانا يعاني ألم الإنفصال عن حبيبه، مع الفارق أن أحمد سعى وبذل قصار جهده ليتزوج من يحب في حين أن عمرو إستسلم حتى قبل أن يحاول.

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى العمل لأجد أحمد في إنتظاري، وطلب مني أن أرافقه لشراء أغراض خاصة بالشركة، ولشراء  بعض نباتات الزينة كنت قد طالبته بها من أجل تجميل قاعة الإستقبال.

وفي محل الشتلات سألنا البائع عن أي نوع نفضل من النباتات وأين سنضعها في شقتنا؟!! 

إعتقد أننا مخطوبان، توترت قليلاً فبادر أحمد مجارياً البائع في إعتقاده، فأخجلني الوضع أكثر.

عدت إلى الشركة لا أقوى على النظر لعينيه، والتي لم تحمل أي حب ولا حتى إعجاب، ولأكون صريحة معكم ومع نفسي لم يكن أحمد يحبني على الإطلاق، ولكنه أحب الموظفة المجتهدة والصديقة المستمعة الجيدة، بينما أحببت فيه طموحه وغناه وصمته الذكوري، فقد أحطت دائماً بالرجال كثيري الكلام،ولو يعلم الرجل كم تنتقص الثرثرة من ذكورته لما فتح فمه على الإطلاق.

توالت مكالماتنا ومقابلاتنا داخل الشركة وخارجها، مستمتعين بنجاحاتنا في العمل ومستأنسين لحديث قصير كل فترة يحمل دافئاً وسلاماً، وكأنني وجدت فيه بديلاً سريعاً ونسخة ناجحة من عمرو، ووجد فيّ الحبيبة المطيعة والصبورة عوضاً عن خطيبته. 

وهكذا مرّت شهور بيننا ونحن نعيش حالة نرفض تسميتها، حتى جاء يوم وتأخرت عن تسليم تقرير مهم طلبه مني، وبخني وعلا صوته قبل أن أنطق بعبارة والله لا أعرف لم قلتها ومن أين ظهرت ولكنها إنفجرت كالقنبلة على رأسي قبل أن تصل لأذنيه:

(لا يصح أبداً أن تكلم أم أولادك بهذه الطريقة)!!!

يتبع ... 

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

رائعة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر