(يوميات امرأة فهمت متأخراً ) (الصفحة الثانية)

الشهادة و العريس

قبل أن أكتب صفحتي الثانية من هذه اليوميات , خطر لي أن أخبرك بأنني قبلت  مرغمة ً بإرتداء الحجاب وأنا في الصف السابع بعد حادثة الX  مباشرةً , وهي هزيمة لي عدلت نتيجتها في مباراة ساخنة بيني وبين أهلي للإلتحاق بالقسم الأدبي في المرحلة الثانوية وتبديد حلم العائلة بأن أصبح طبيبة - بشرية أو بيطرية المهم أن أكون طبيبة والسلام – وأكدت نجاحي بنسبة 94% في الثانوية العامة لأحقق هدفين نظيفين في شباك الأسرة الكريمة ! , وهي نسبة ممتازة وقتها حيث فتحت لي أبواب كل الكليات تقريباً ما عدا كلية الإقتصاد والعلوم السياسية , ولم تكن هدفي في كل الأحوال .

تهنئة غريبة وهدايا أكثر غرابة !!

وكالعادة في أغلب الدول العربية , إزدحم منزلنا بفلول المهنئين والمباركين بالحدث التاريخي وهو إجتياز أحد شباب العائلة لإمتحانات الثانوية العامة بدون أن يقطع شرايينه أو يصاب بالجنون , ليس هذا وفقط بل يكسر حاجز ال85% , وينضم لأصحاب التسعينات .

ورغم روعة الحدث وسعادتي بمباركة الأهل والجيران إلا أن هناك جملة واحدة كانت تتكرر على كل الألسنة رجالاً ونساءً , شباباً وشيبة , ( وهي عزيزتي القارئة قنبلة مفخخة بالأفكار المغلوطة ) تقول العبارة :

(ألف مبروك , لم يتبقى لك سوى الشهادة الكبيرة – يقصدون الشهادة الجامعية- والعريس) , ولا أعرف تحديداً العلاقة بين إجتياز المرحلة الجامعية والزواج , وكأن المأذون سيطلب شهادة التخرج قبل أن يعقد قراني على احدهم !

أما هدايا خالاتي وعماتي فجاءت مؤكدةً لهذه الفكرة ( أطقم أطباق للعشاء – طقم أواني للمطبخ – واخيراً وليس آخراً ألبسة وقمصان حريرية للنوم مما ترتديها السيدات المتزوجات حديثاً!! ) أسرعت أمي تعرض علي الهدايا بسعادة بالغة وكأن حلم السنين سيتحقق غداً ! , بينما أخرجت عمتي ورقة تكتب فيها مستلزمات الجهاز , ما وجد منه في شكل هدايا والمتبقى لتشتريه أمي فيم بعد . الأكثر غرابة هو أنه لم يسألني أحد عن الكلية التي أنوي الإلتحاق بها , ولماذا .

الهدف الثالث والرابع في المباراة بيني وبين أمي !

وبينما كنت أملأ أوراق الرغبات المخصصة للإلتحاق بالكليات , ألقت أمي  نظرة خاطفة غير مكترثة وهي تحشو فمها بشطيرة الجبن , تحمل كوب شاي , سقط من يدها بعد أن تجاوزتني إلى الردهة , لتعود بسرعة الصوت صارخة , إعلااااااااام !

كلية الإعلام , ستصبحين مذيعة وتخلعين الحجاب وتلحقي العار بالعائلة ! , إكتبي كلية التربية أيتها الحمقاء , المدرسة محترمة , ولو رغبت في العمل بعد الزواج لن يعترض زوجك , فلك مواعيد ثابتة ومعروفة لمغادرة المنزل والعودة إليه , كما أنه ليس عليك خلع الحجاب .

وإليك عزيزتي المفاجأة , لقد إلتحقت بكلية الإعلام في قسم الصحافة الذي لايشترط خلع الحجاب ولكن بدون حجاب , وكان إنتقاماً للطفلة الصغيرة التي حرمها بلوغها المفاجىء من التمتع بالكثير من الأشياء , اهمها أسدال شعرها .

وكم كان شعوراً رائعاً حين إستخرجت أول بطاقة هوية لي بصورة مشرقة بشعر أسود قصير كتب فيها طالبة بكلية الإعلام قسم الصحافة .

نادراً ما نلتقي بشخصيات ملهمة

في هذه الفترة من حياتي كنت أعلم جيداً من أنا , ولم خلقت , وماهو شغفي وإلى أين أمضي , ويعود الفضل في هذا إلى معلمتي العزيزة (موزة خاتم ) وهو الإسم الحقيقي لمعلمة اللغة العربية في مدرستي الإعدادية .

ولازلت أذكر حصة التعبير التي طلبت فيها معلمتي موضوعاً عن التلوث البيئي وهو موضوع علمي جاف يصعب تزيينه بالعبارات الجميلة , ولكنها حملت كراستي بعدما إنتهيت لتقرأ وتقرأ , قبل أن تقول لي أنت موهوبة يا فتاة وفي يوم من الأيام ستكونين كاتبة كبيرة , وسأقرأ كتبك وأتابع مقالاتك في أكبر الصحف العربية , هذه هي موهبتك ولهذا خلقك الله , فلا تضيعي هذه المنحة الإلهية أبداً لأنك ستسألين عنها .

وهذا ما فعلته لوقت طويل , قبل أن يتغير كل شيء

يتبـــــــع ...                                                

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر