يوميات امرأة فهمت متأخراً (الصفحة الثامنة)

(توضيح)

يقول الفلاحون في ريف مصر (العايط على الفايت من نقصان العقل)، فلا يتسلل إلى خلدك عزيزي القارئ أن ما أكتبه في هذه اليوميات هو بكاء على اللبن المسكوب أو لعب لدور الضحية، لأنني وإن شعرت بذلك في فترة ما من حياتي أشكر اليوم كل موقف وكل أزمة مررت بها، وممتنة لكل ما حملته هذه الأزمات من دروس استوعبتها واستخلصت منها ما أخطه اليوم بيدي، حتى ما اعتقدت سابقاً أنه كان تعدي عليَّ من الغير بتلميح مستفز أو تصريح جارح، كان في حقيقة الأمر بيدي إن قصدت ذلك أو لم أقصد، لقد كانت هذه أفعالهم وكان عليَّ أن أقوم برد فعل لم أتخذه، وبالتالي لن أُلقي بذنب أخطائي وما تعرضت له على الآخرين، لقد كان كل ما حدث مني وإلي. 

(تنتهي الأحلام عند فستان الزفاف)

إن استوقفت فتاة عابرة في أي طريق وسألتها عن تصورها للزواج، فسينتهي تخيلها عند فرش مسكن الزوجية وحفل الزفاف، وربما بعض الحماسة لشهر العسل فقط. وهذا هو أكبر أخطاؤنا نحن وأهالينا الذين غلفوا عالم المتزوجين بغموض وأسرار لم يفصحوا إلا عن القليل، منها المزين بالترغيب في حفل زفاف أسطوري، أو بإغراء خبيث عن ليلة الزفاف وما تحويه من ممارسات يسيل لها لعاب الشباب "فتية وفتيات"، لم يتحدثوا عن المسؤوليات الأبدية، كما لم يتحدثوا عن الحمل، وما أدراك ما الحمل!! 

وبالمناسبة، إن الحمل على صعوبته هو أهون مرحلة من مراحل الأمومة!!

(هدنة لتسعة أشهر)

تغيرت ملامح أحمد فور علمه بحملي، وأصبح أكثر رقة وعاملني كطفله الصغير الذي ينتظره، أصبحت أحلامي أوامر واستوعب تلاعب هرمونات الحمل بمزاجي المتقلب بين عصبية وكآبة وضحك هستيري وبكاء غير مبرر!!، وتحمل على غير العادة، النوم على الأريكة حين كنت أشمئز من رائحة جسده التي تشبه رائحة (خلطة المحشي)!!!. 

لم أكن أتخيل أن يتغير جسدي بهذا الشكل البشع وأن يزيد وزني بسرعة الصاروخ على الرغم من تقيؤي لأغلب ما أتناوله، لم يطمئنني أحد أن هذه الزيادة مصيرها إلى زوال بعد الولادة، فعشت في قلق دائم أن أتحول إلى ديناصور متحرك إلى الأبد، وكنت أتعجل الولادة للتخلص من الحموضة والقيء و قلة الحركة والنوم المتواصل وأعود لأمارس حياتي بشكل طبيعي. 

كانت نساء العائلة تتبادلن الضحكات وتخبرنني (دعي الطفل بالداخل أفضل، لن ترتاحي بعد ولادته) 

جملة مبتورة لا توضح شيء، ولا تهون عليَّ آلام ظهري وقدميَّ المتورمتين، لذلك تعجَلّت الولادة.

كانت أمي وحماتي يقمن بإهدائي كل فترة بعض الملابس وحاجيات للطفل، ولم تفكر واحدة منهن بالتحدث معي حول ما سيحدث بعد الولادة وكيف سأتعامل مع هذا المخلوق الصغير، ولا كيف سألد أصلاً!، لذلك قضيت أغلب وقتي في تصفح مواقع الأمومة على الإنترنت لأكتشف كيف ستكون الولادة وأيهما أفضل الولادة الطبيعية أم القيصرية.

حتى جاء اليوم الموعود وحددت لي الطبيبة موعد الولادة.

وقبل أن أتحدث عن ذلك اليوم، دعوني ألخص لكم أهم ما على الأمهات فعله منذ لحظة الحمل وحتى ولادة الصغير.

1. الحمل فترة إن كانت سهلة أو صعبة فإنها ستنتهي، وأي تغيير سيطرأ على جسدك مصيره النهاية بعد الولادة، ما عدا جرح الولادة القيصرية، فإن كنت لا ترغبين في هذه العلامة الأبدية فعليك بالولادة الطبيعية والتي أصبحت أسهل بسبب استخدام التخدير النصفي فيها، والذي يجعلك لا تشعرين بالألم على الإطلاق.

2. ليس عليك الأكل لفردين، وحاولي قدر الإمكان الابتعاد عن الحلويات والنشويات والتسالي التي ستضاعف من زيادة وزنك دون أن تمدك بما تحتاجينه أنت وطفلك. 

3. لا تتوقفي أبداً عن التحرك، أو تستمعي لنصائح الأخريات بأن تستلقي على ظهرك أو تصلي وأنتِ جالسة (إلا بأمرٍ من الطبيب)، لأن قلة الحركة ستزيد من سمنتك وتصيبك بالاكتئاب وتضاعف إحساسك بالملل حتى تتمدد أشهر الحمل إلى 90 شهراً بدلاً من 9. 

 4. استغلي بعض الوقت قبل الولادة في تجهيز البيت وتحضير بعض الأكلات المحفوظة في الثلاجة وتجهيز غرفة الطفل و ترتيب ملابسه حتى يسهل عليك معرفة مكان كل غرض بسرعة دون أن تهدري وقتك وطاقتك. 

5. حضري حقيبتك وحقيبة المولود منذ بداية الشهر التاسع من الحمل حتى لا تتوتري من الولادة المفاجئة التي تركضين على أثرها إلى المستشفى بدون ملابس. 

6. مرافقتك إلى المستشفى ليست رحلة ولا شرف يتنازع عليه أهلك وأهل زوجك، اختاري الشخص الخدوم والفاعل وسريع البديهة حتى لو كانت جارة أو صديقة أو حتى رجلاً كزوجك أو أخوك، صدقيني ستحتاجين هذه النوعية من الأشخاص، وابتعدي تماماً عن كبار السن الخمولين أو الشخصيات الكئيبة، لأنك ستحتاجين قبل وبعد خروجك من غرفة العمليات إلى جرعة محبة وطاقة إيجابية كبيرة، تعرفين جيداً من هو الأقدر على منحك إياها، حتى لو أغضب قرارك أمك أو حماتك، نصيحة من القلب (في هذا اليوم لا تجاملي أحداً أبداً على حساب راحتك). 

(وأصبحتُ أماً) 

ذهبت إلى المستشفى برفقة أحمد وأمي وحماتي وإخوتي والعائلة التي كانت في انتظار الحفيد الأول بسعادة، ولأول مرة في حياتي أخضع لعملية جراحية وتخدير كامل، فقد خضعت لجراحة قيصرية وسمعت من هذا وذاك عن مخاطر تعرضي للشلل جراء التخدير النصفي، رغم نفي طبيبتي لكل هذا الهراء!! 

سامحني الله 

سأختصر لك الولادة في سطر واحد: (دخلت غرفة العمليات على قدميّ وبكامل صحتي لأخرج منها على نقالة كمن سحقته شاحنة تحمل أسياخ حديد سقطت كلها على بطني)!!!! 

لم أشعر بالولادة إلا بعد الولادة، أما عن الألم فهو كل أنواع الآلام النفسية والجسدية التي قد تخطر أو لا تخطر على ذهنك، ولن أردد العبارة المستهلكة التي تقال لكل النساء أنك ستنسين كل التعب بمجرد رؤية المولود، كاذبون، كنت أنظر إلى طفلتي الجميلة وأشعر بمشرط الطبيبة ينخر في لحمي. 

سعد الجميع بالطفلة والتقطوا بعض الصور لنا قبل أن تدور معركة طاحنة بين الجميع على من ينول شرف المبيت معي في المستشفى، انتصرت فيها والدتي واحتفلت بهذا النصر بأن نامت على السرير المرافق وغطت في سبات فاق سبات أهل الكهف، تاركة إياي أعاني آلام بطني التي لا تحتمل وأنا أحمل صغيرتي الباكية الجائعة، عاجزة عن إرضاعها أو الوصول إلى جرس الخدمات لطلب المساعدة من التمريض، أو الوصول إلى هاتفي الجوال لطلب المدد من أختي بعد اكتشاف أنني وحيدة في المستشفى!! 

ومنذ هذه اللحظة تحولت إلى ماما علا أو أم منة التي أعلمتني فور وصولها إلى الدنيا أن مهمتي معها كأم لن تكون سهلة على الإطلاق. 

يتبع... 

 

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر