(يوميات امرأة فهمت متأخراً ) (الصفحة الثالثة)

لعبة الوقت والكوب والرفقة .

قد لا تكون سمعت من قبل عن هذه اللعبة , وهي في الحقيقة أهم لعبة على الأهل تعليمها لأبنائهم , فهي أهم من ألعاب الورق والغميضة و العسكر والحرامية , إنها لعبة حياة , وليس عليك تعلمها سوى مره واحدة في العمر ثم تبدأ لعبها طوال حياتك , ولكن عليك أن تتوقف كل فترة لتقيم أداءك فيها .

الوقت هو ملكك ولكن كيف تمضيه , إنه الهبة الربانية المجانية والوفيرة لمن يحسن إستغلاله , الكوب هو عقلك وروحك فراقب جيداً بم تملأ هذا الكوب من أفكار وأهداف ومواد تتابعها تشكل وجدانك , والرفقة نعرفها جميعاً من خلال أمثالنا الشعبية العظيمة , فالصاحب ساحب , وإخترالرفيق قبل الطريق وغيرها من الأمثال التي نحفظها وليتنا ندرك أهميتها .

سنوات الجامعة الذهبية

لو يعلم الشباب رجالاً ونساءاً , كم هي ثمينة سنوات الدراسة الجامعية لما أضاعوها في دراما حب العمر ولوعة الفراق ونار الغيرة , ولوعلموا أنها سنوات إحماء يجب عليك أن تستعد فيها قبل أن تصل في نهايتها إلى خط البداية في سباق الحياة الحقيقية , وهو سباق شرس كل ثانية تضيع فيه لا تعوض إلا بثمن باهظ , لا اتمنى لأحد أن يدفعه , ولكي لا أطيل عليك , دعينا من الكلام النظري وسأكمل لك حكايتي .

كانت سنتي الأولى في الجامعة مثالية , بل أكثر من هذا لقد كانت معجزة , لقد كنت أعرف هدفي جيداً , ووضعته نصب عيني وفي عقلي طوال الوقت , وهو أن أصبح كاتبة وصحفية , فإجتهدت في دراستي , وواظبت على القراءة والكتابة , وتوجهت إلى الصحف الكبرى أعرض عليهم موهبتي بثقة لا حد لها , فجاءتني فرصة التدريب في إحدى هذه الصحف بعد أشهر قليلة من إلتحاقي بالجامعة .

وإستمر هذا الحلم الجميل في التحقق يوماً بعد يوم , وشهراً بعد شهر , وسنة بعد أخرى , ثم إختفى فجأة كما ظهر فجأة .

وكما أنه لا وجود للمعجزات في عالمنا فإنه لا يوجد شيء يظهرأو يختفي فجأة , فالعالم يسير بقانون السبب والنتيجة ولو أدركنا هذا لأبصرنا الطريق وما ضللنا .

لقد جاءتني الفرصة لأنني كنت على المسار, أسعى لهدفى وأستدعيه في كل لحظة من حياتي فيأتيني سعياً ,ولكن يوم بدأت أهمل هذا الحلم شيئاً فشيئاً , أخذ ينسحب من حياتي ببطئ لم ألحظه حتى إختفى كلياً , وهو ما أسميه فجأة , ولكن في الحقيقة أنا من تخلى عنه ولهذا تركني .

في السنة الاولى بالكلية كنت أعد لهدفي جيداً , انتقي ما أقرأ أو أشاهد , وبمن أحيط نفسي من شخصيات ملهمة , تحمل هدفاً تسعى إليه , وكان أغلبهم من الكتاب و الصحفيين الكبار وبعض رؤساء وأعضاء الأحزاب السياسية والذين لن تصدق أنني يوماً عرفتهم , ولسبب أو لآخر, بدأت هذه الشخصيات في الإختفاء في السنة الجامعية الثانية , وبدوري لم أسعى لإستعادتهم أو إكتساب معارف غيرهم , فكانت الوحدة والملل , الملل الذي قد يجعلك ترتكب أكثر الأعمال حماقة على الكوكب .

الحب في الأرض بعضاً من تخيلنا

في يوم من أيام الدراسة المملة تعرفت على مجموعة من الأصدقاء , لم ألحظ وجودهم في السنة الأولى , وبدت لي رفقة الشباب كتفاحة آدم المحرمة , شيئاً جهلته وسعيت لإكتشافه بفضول طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة , تقربت منهم ووجدت فيهم رفقة تهون عليَ ملل الجامعة التي باتت موحشة , أهملت حلمي وتركت مساحة كبيرة من وقتي فارغة فملؤوها بما لا ينفعني من تفاهات الشباب في هذه المرحلة , ثم لاحظت أنهم أزواجاً , كل يشاطر الحب مع رفيقته إلا أنا ! , نجتمع ساعة في بداية اليوم ثم نفترق كل حبيبين معاً , ولا يبقى غيري أنا وعمرو .

وصدق الشاعر الأقرب إلى قلبي العظيم نزار قباني, حين قال :

الحب في الأرض بعضاً من تخيلنا لو لم نجده عليها لإخترعناه   

 وكان هذا هو أسوء إختراعاتي , فبعد إعتراف عمرو لي بحبه وقبولي الساذج لهذا الإحساس الجديد , ولأنني أصبحت فارغة من طموح حقيقي وهدف جاد أسعى له , إتبعت مسار القطيع , وأصبح حبي لعمرو وزواجنا المستقبلي هو مشروع حياتي وبدلاً من قراءة تنير عقلي وكتابة تعبر عن روحي أصبح الإستماع إلى أغاني العشق هو شغفي وكتابة رسائل الحب لعمرو هو كل ما أجيده , وهكذا إحترقت سنوات الجامعة الثمينة في معارك تافهه بين غيرة وإشتياق وحب وإقناع لأمي أن عمرو جاد في إرتباطه بي وغيرها من المشكلات الصغيرة , وبعد أن كنت أكتب تحقيقاً صحفياً إسبوعياً في الجريدة , أصبحت اكتب خبراً كل شهر , ثم كل شهرين  ثم توقفت , إرتديت الحجاب إرضاءاً لزوجي المستقبلي , ولا أطيق صبراً حتى انهي دراستي وأطل بالأبيض قبل أن أشيخ وأهرم وألتحق بركب العوانس !!

وهكذا طويت الصفحة الأهم في حياتي ليبدأ فصل جديد ومؤلم في هذه المذكرات .

يتبع ...

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر