يوميات امرأة فهمت متأخراً (الصفحة التاسعة)

قبل أن ينتفخَ بطنك

إن الأمومة أمر عظيم، ولكن دعيني أكون واضحة معك وأنصحك بعدم البحث عنها فور زواجك، وإن كنا في المجتمعات العربية التي نحرم على الفتيات الانطلاق في رحلات لطلب علم وسفر واكتشاف للعالم بمفردهن، ونعلق كل هذه المشروعات من أجل أن تتزوجي وتكوني في عصمة رجل، فالأحرى بكِ عزيزتي القارئة أن تعيدي التفكير في هذه الفكرة، أما في حالة أنكِ كنتِ مقتنعة بها فعليك تحقيقها فور الزواج وتأجيل أي خطة بخصوص الإنجاب حتى تنطلقي وتدرسي وتفعلي كل ما قمت بتأجيله مع شريك حياتك.

ويجب عليكِ أن تناقشي موضوع تأجيل الإنجاب مع زوجك المستقبلي في فترة الخطبة، حتى تكون كل الأمور واضحة منذ البداية، وليكون هذا التأجيل فرصة لكما للتعرف أكثر على بعضكما واستيعاب الحياة الزوجية التي يكشِف شهر فيها ما تعجز سنوات من الخطبة عن كشفه.

وهذا قد يوفر عليكما هم الانفصال وتشتيت أطفال بينكما أو الاستمرار في تعاسة ما لأجلهم، وليكن في علمك أن لقب المطلقة يعيقكِ أكثر مما كان يفعله لقب الآنسة، ولا أريد أن يساء فهمي بأن المطلقة تعجز عن تحقيق أحلامها والتمتع بالحرية، ولكني أوضح لكِ أنه عليك خوض الحروب لتحقيق أحلامك منذ البداية، وألا تنتظري رجلاً ليحققها لك، لأنه ربما كان هو نفسه أحد أكبر معوقاتك.

ولا تقحمي نفسك في دهاليز والدتكِ وحماتكِ ونساء العائلتين اللواتي سيستعجلنكِ لإنجاب الأطفال، ويمطرنك بأسئلة حول خبر حملك بعد شهرين من زواجك على أكثر تقدير!!

أرجوكِ، أرجوكِ، أرجوكِ لا تستمعي إليهم ولتستمتعي أنتِ وزوجك بسنة أو سنتين من اللعب والمغامرة والدراسة والسفر وإمتاع بعضكم البعض كعاشقين محبين بدون هموم أو التزامات تمطر عليكما فور وصول أولياء العهد.

بعد خروجكِ من المستشفى

قبل أن أقصَّ عليكِ ما فعلته بي الأمومة، دونتُ لكِ بعض الملاحظات التي سَتُجنبكِ الكثير والكثير من الأوهام والمعاناة.

1. بعد الولادة مباشرة سيطرأ على جسدك بعض التغيرات، فلا تظني أنها تغيرات أبدية، فأنتِ مثلاً لم تصابي بسلس البول وأنتِ في هذا العمر!!

وعدم قدرتك على التحكم في مثانتكِ سيزول في غضون أيام قليلة، كما أن شحوب بشرتكِ أمر طبيعي بعد ما نزفتِه من دماء في الولادة، ستشعرين أيضاً بانقباضات مؤلمة في رحمك، وهذا أمر طبيعي فالرحم العظيم الذي تمدد في تسعة أشهر ليحتضن طفلك الجميل عليه الآن أن ينكمش ويعود إلى حجمه الأصلي، فلا تفزعي من هذه التغيرات صدقيني ستنتهي.

2. كما ذكرتُ لكِ سابقاً أنه عليك اختيار المرافق لكِ في المستشفى عند الولادة، أتمنى منكِ أن تُحسني اختيار من يقوم برعايتك عند العودة للمنزل، ومن الأفضل أن توزعي هذه المهمة على أكثر من شخص كأن تتولى والدتك رعايتك خلال يومين أو ثلاثة ثم أختك ثم حماتك ثم صديقتك وهكذا، لأن رعاية طفل حديث الولادة وأمه أمر صعب ومرهق للغاية، ولن يتحمل شخص واحد هذه المسؤولية لأكثر من يومين وسينهار سندك سريعاً، لتجدي نفسك وحيدة ومنهارة من عدم النوم لأيام، ولا تترددي أبداً في طلب العون أو تخجلي من أن تكوني عبئاً عليهم لأن الأمر ببساطة لا يزعجهم بالصورة التي قد تتخيلينها، ولأنك تمرين بظرف هام وعظيم يتطلب المساعدة من الجميع حتى تتماثلي للشفاء سريعاً وتستعيدي نشاطك لتواجهي مهامك الجديدة والأبدية.

3. لا تستمعي للأصوات التي تؤكد لكِ أن إرضاع الطفل من الحليب الصناعي قد يجعله يعزف عن الرضاعة الطبيعية، وأنَ عليكِ سَدَّ جوعه بقطرات من الجلوكوز أو منحة قنينة من أعشاب الأطفال، لأن هذا لن يفيد وستعانين وطفلك الجائع لأربعة أيام بدون راحة أو نوم.

4. لكل طفل طباع وظروف مختلفة عن أقرانه، لذلك يجب عليكِ أن تتعرفي جيداً على هذا الكائن الفريد وتلتقطي سريعاً إشاراته البسيطة وتجدي طريقة ما للتعامل معه وتلبيه احتياجاته الخاصة والمختلفة عن ابن أختك أو جارتك.

5. فور خروجكِ من المستشفى أنصحك رغم ألمك أن تتوجهي لطبيب أطفال تثقين به، ليصف لكِ حليب الرُضَّع الذي ستحتاجينه إلى أن يدر حليبك، واجعلي هذا الطبيب مستشارك الأمين في رعاية هذا الصغير، لأن لكل من حولك تجربة خاصة به في رعاية الأطفال ليست مفيدة لك بالضرورة، فلا تشتتي نفسك بين آراء متضاربة ستضرك وصغيرك أكثر مما ستنفعك.

نعود لقصتنا......

عدتُ إلى المنزل لا أقوى على حمل طفلتي، سعيدة بوجودها وحزينة من ضعفي وعدم قدرتي على رؤيتها، ألم بطني لا يُحْتَمل وتفاجئني انقباضات رحمي المؤلمة والمتكررة والتي تمنعني من النوم رغم نصح كل من حولي لي باستغلال وقت نوم الصغيرة في النوم، لأنها ستظل مستيقظة طوال الليل، ولكني حقاً لا أستطيع، كان يشغل بالي مرض سلس البول الذي أصابني وجعل ملابسي تتسخ لأكثر من مرة بسبب عجزي عن اللحاق بدورة المياه.

لقد انتهيت!!

رفعتُ رأسي لأَرى وجهي في مرآة الحمام، كنتُ شاحبة كامرأة تشارف على الموت بعيون شاخصة وهالات سوداء وشفاهَ بيضاء حولت وجهي لرقعة شطرنج عتيقة أهلكتها الحروب بين الأبيض والأسود!!

عانيت أيضاً من عُسرِ هضم قاتل، منعني من تناول الدجاجة كاملة كما أمرتني أمي، واكتفيت بحساء ساخن والقليل من الماء.

اكتظَّ المنزل بالزوار المهنئين بسلامتي والممطرين بالهدايا للصغيرة، وتكررت جملة واحدة على لسان الجميع عند رحيلهم (ألف مبروك وليعينك الله)، يعينني الله!! ما الذي سيحدث؟

ليلة المآسي

انصرف الجميع عند الحادية عشرَ مساءً، وبدأت أشعر بالإرهاق والنعاس، أغمضت عيني لثانية واحدة قبل أن أستيقظ على صوت الصغيرة تبكي، غيرت حفاضتها وحملتها وحاولت إرضاعها كما علمتني الممرضة في المستشفى، وهي مشكلة كبيرة لمن خضعت لجراحة قيصرية قبل يوم واحد، فبطني تؤلمني من حملها ولازال علي أن أُسندها على بطني وذراعي وأُرضِعها، هي لا تعرف كيف تمتص الحليب، وأنا لا أعرف كيف أثبت الحلمة في فمها، أضيفي على ذلك أنه لا يوجد حليب أصلاً لترضعه!!

كانت مجرد قطرات بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع، برغم ما أكدته الطبيبة على أهميتها لمناعة الطفلة، ولكنها لا تشبعها.

امتصت القليل ونامت كالملائكة، حمدتُ الله وعدتُ إلى النوم لدقيقتين قبل أن توقظني من جديد، ارضعتها ونامت، ثم استيقظت، ثم احتضنها، فنامت ثم وضعتها على السرير ف استيقظت، ثم قرأت لها القرآن فله مفعول السحر فنامت، وضعتها في الفراش ف استيقظت، ثم نامت واستيقظت ونامت، واستيقظت ونامت، واستيقظت، وأنا أجرب كل ما يخطر ببالك من أفعال قد تساعدها على النوم حتى انهرتُ وخرجت أبحث عن مساعدة عائلتي ولكنهم ناموا من فترة، وخجلتُ بغباء وَضَعي تحت كلمة غباء تريليون خط، أن أوقظهم وأطلب المساعدة.

عُدت لحَمْل الصغيرة ومحاولة تهدئتها، ثم سمعت صوت مفاتيح أحمد في باب الشقة، لقد عاد بعد أن أوصل عائلته، كانت هذه المرة الأولى التي ننفرد فيها منذ أن ذهبت للمستشفى بالأمس، دخل الغرفة وطبع قبله على جبيني واحتضنني مهدئاً من روعي، حمل الصغيرة التي سكتت وهي تستمع إلى صوته، تأملها بعيون دامعة وقال: لا أعرف بِمَ أصف هذا الشعور، ولكني أرى قطعة من قلبي خرجت وتمثلت في هذا الملاك الصغير، أنا أحبك يا علا.

وكانت هذه هي المرة الأولى منذ ستِ سنوات، التي أشعر فيها بكلمة الحب صادقة وحقيقية من أحمد، وكأن مشاعر الأبوة أذابت أطنان الجليد حول قلبه، فشعر كيف يكون الحب.

وبالرغم من جمال وروعة اللحظة المؤثرة، لا تزال مشكلة الصغيرة الجائعة قائمة، ساعدني أحمد بأن اتصل بوالدته ليسألها إن كان بإمكاننا احضار حليب للصغيرة من الصيدلية، ولكنها حذرته من أنني قد أكون أتدلل وأنني أنوي اعتماد الرضاعة الصناعية في تغذية الطفلة، وإن كان ولابد من إرضاعها شيئاً يشبعها مؤقتاً فليكن قنينة صغيرة من الأعشاب التي ستساعدها على النوم، وبالفعل حضرتها لها، وتناولت القليل منها ونامت لنصف ساعة فقط، قبل أن تستيقظ باكية وقد اتسخت كل ملابسها ببراز حديثي الولادة الأسود، أيقظتُ أحمد الذي تركني بعد أن دعته والدته للنوم وتركي مع الطفل، لأنني بحسب قولها أتدلل وأحاول الضغط عليه لأمتنع عن الرضاعة الطبيعية، ولكنه لم يستجب فاتصلت يائسة في الخامسة صباحاً بطبيبتي النسائية على أمل أن تنصحني، ولله الحمد أنها كانت مستيقظة لصلاة الفجر والتي وبختني لإعطاء الطفلة هذه الأعشاب التي ربما تسببت لها في مشاكلَ بالهضم ونصحتني بإطعامها نوعاً من أنواعِ الحليب المخصص للرضَّع، لأنها لن تنام أبداً طالما كانت جائعة.

بالطبع لم أشتريه وبقيت أنا وطفلتي نكافح لإدرار الحليب الذي لم ينزل حتى شروق الشمس، خارت قوانا وغرقنا في نوم دام ساعتين، ثم عادت من جديد لتستيقظ في العاشرة صباحاً وصادف ذلك مرور جارتنا التي كانت تستمع لبكائها وبكائي طوال الليل، ونصحتني بأن أُكثِرَ من شُرب المشروبات الساخنة والحليب، وتناول المكسرات التي لها مفعول السحر في إدرار الحليب، كما نصحتني بأن أجعل الطفلة تنام على صدري لتستمع إلى دقات قلبي وهو الصوت الذي أحبته وتألفه منذ كانت في رحمي.

وعلى الفور هَرَعَتْ أختي لشراء الحليب والمكسرات، وتناولتهم جميعهم رُغمَ آلام معدتي، ووضعت صغيرتي على صدري ونمنا لساعتين إضافيتين على الرغم من جوعها، لأستيقظ مرتجفة من برد لم أعرف سببه، لقد كنا في الصيف ولم تفتح أغطية البيت كله في تدفئتي لثانية واحدة، مرت ساعة قبل أن ينفجر الحليب من صدري لتستقبله الصغيرة بِنَهَمٍ وحماس، وعاد إليَ الدفىء من جديد، لأضع ابنتي بالقرب من قلبي وننام في سعادة لساعات طويلة.

يتبع....

 

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 14, 2021 - عبد الوهاب الجزائري العربي زيدي
Apr 13, 2021 - وصال الدقيوش
Apr 12, 2021 - Fareed Hawammdeh
Apr 11, 2021 - هبة عبد الرحمن مختار محمد عبد الله
نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر